إذا كان لأحدهم شك بشأن نوايا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إزاء “الإنفصال” عن قطاع غزة، جاء البيان الرسمي من السلطة ووضح أن الرئيس جدي أكثر من أي وقت مضى. يوم الأربعاء أبلغ وزير الشؤون المدنية في السلطة، حسين الشيخ، منسق أنشطة الحكومة في الأراضي الميجر جنرال يوآف مردخاي أنه بدءا من شهر مايو ستتوقف السلطة عن دفع مستحقات كهرباء قطاع غزة لإسرائيل.

يدور الحديث هنا عن قرار دراماتيكي لأسباب عدة:

أولا، من الناحية الرمزية، فالسلطة الفلسطينية تتخذ خطوة رسمية أولى باتجاه الإنفصال عن قطاع غزة ونقل المسؤولية إلى أيدي حركة حماس.

ثانيا، من الناحية العملية، يتلقى الفرد من سكان غزة اليوم بالمعدل ست ساعات من الكهرباء وبعد ذلك سيضطر إلى العيش مع 12 ساعة من دون كهرباء. وذلك بسبب توقف محطة الكهرباء في غزة عن العمل. إسرائيل تزود القطاع بنحو 30% من إستهلاك الكهرباء. في حال توقفت إسرائيل عن ذلك، بدلا من ست ساعات من الكهرباء يوميا سيكون سكان غزة محظوظين في حال حصلوا على ساعتين.

أي تخفيض آخر في تزويد الكهرباء سيؤدي من دون شك إلى اضطرابات، ومن يعلم إلى أين قد تؤدي هذه الإضطرابات. قد يكون تركيز غضب الشارع على حماس، ولكن تجربة الماضي تظهر أنها سيكون موجها على الأرجح تجاه إسرائيل في نهاية المطاف. قد يؤدي ذلك إلى إثارة اضطرابات أو جولة أخرى من الصراع.

ولذلك تواجه إسرائيل معضلة. فهل ينبغي عليها أن تدفع مستحقات كهرباء غزة، بما في ذلك لمكاتب المسؤولين الكبار في حركة حماس أمثال اسماعيل هنية ويحيى سنوار؟ أم، في حال عدم دفع الفواتير، ينبغي عليها أن تقوم بقطع الكهرباء وتخاطر في جعل الحرب القادمة أكثر قربا؟

كل ما يستطيع سكان غزة فعله هو انتظار ما سيحدث. حماس لا تبدي إستعدادا للرضوخ لمطالب السلطة الفلسطينية بتسليم السلطة لحكومة الحمد الله في رام الله. فتح والسلطة الفلسطينية تصران على أنه في حال لم يتم تسليم السلطة، سيكون على حماس تحمل مسؤولية سكان غزة من الآن فصاعدا.

وقف دفع مستحقات الكهرباء هو الخطوة الأولى فقط ضمن سلسلة من الإجراءات التي تعتزم السلطة الفلسطينية اتخاذها ضد حماس، وبالتالي ضد غزة. إجراء آخر تدرس القيادة العليا في رام الله اتخاذه هو إحالة عناصر سابقين في أجهزة الأمن التابعة للسلطة في قطاع غزة إلى تقاعد مبكر. الحديث يدور عن آلاف الأشخاص، جميعهم ينتمنون إلى حركة فتح. مشكلتهم أنها ليست فتح الصحيحة.

أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة مرتبطة، بشكل أو بآخر، بمحمد دحلان، الخصم المرير لعباس منذ مدة طويلة. لهذا السبب تدرس السلطة الفلسطينية معاقبة حماس وغزة بالتحديد من خلال عناصر سابقين في أجهزة الأمن هذه بالذات. بدلا من دفع رواتب كاملة لهم، بالإمكان إحالتهم إلى التقاعد ودفع مخصصات مخفضة لهم. إجراء كهذا قد يؤدي إلى تراجع التجارة الداخلية في غزة، نقص في النقد، وانخفاض في إيرادات حماس. ومن ثم فإنه سيضر بكلا المعسكرين الغريمين لعباس – مؤيدي دحلان وحماس.

لماذا قررت السلطة الفلسطينية الآن بالذات تشديد إجراءاتها ضد حماس؟

البداية جاءت مع قرار حماس تعيين لجنة إدارية – حكومة من نوع ما – لإدارة شؤون قطاع غزة. رام الله فسرت هذه الخطوة على أنها صفعة على الوجه.

بعد ذلك فرضت السلطة الفلسطينية تقليصا بنسبة 30% على رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، بهدف رئيسي واضح وهو ضرب دحلان وحماس بحجر واحد. تبع ذلك رفض السلطة الفلسطينية دفع مستحقات الضرائب على الوقود، والذي أدى إلى توقف عمل محطة الكهرباء في غزة. والآن يأتي تهديد السلطة الفلسطينية بوقف وشيك لدفع مستحقات تزويد الكهرباء من إسرائيل إلى غزة.

مسؤولون كبار في غزة ومقربون من عباس بدوا مقتنعين بأحقية قضيتهم. الوزير الشيخ زعم في اجتماعات مغلقة أن المسؤولين رفيعي المستوى في حماس لا يدفعون مقابل الكهرباء. الوزير وصف حكام غزة بأشد العبارات، إذا أردنا التلطف في التعبير، والتي شملت إشارات إلى أمهاتهم.

مع وضع “إطراءات” الشيخ جانبا، تبدو ادعاءات المسؤولين الكبار في فتح منطقية. مسؤولون رفيعو المستوى قالوا لتايمز أوف إسرائيل أنه على مدى أكثر من عقد قامت السلطة الفلسطينية عمليا بتمويل “الثورة” في غزة.

وقال الشيخ: “هذا سخيف (…) وبالنسبة لنا، انتهى هذا الأمر. لقد قمنا بإعطائهم شروطا واضحة. أحمد حلس وروحي فتوح التقيا مع ممثلي حماس رازي حامد وصلاح البردويل وخليل الحية. لقد سلمنا لهم ورقة تضم ثلاث نقاط بسيطة: تسليم سلطة غزة للحكومة [في رام الله]؛ سنتوجه لإنتخابات عامة خلال ستة أشهر؛ والرجوع إلينا بجواب خلال أسبوع”.

وتابع القول: “كان ذلك في 18 أبريل. وحتى اليوم [27 أبريل]، لم يعودوا إلينا بجواب. عندما حاولنا التحدث مع قيادة حماس في قطر، قيل لنا أن علينا التحدث مع غزة. عندما حاولنا التحدث مع غزة، قيل لنا أن علينا التحدث مع قطر. هم يحاولون كسب الوقت، ولكن بالنسبة لنا، فإن لحظة الحقيقة جاءت إلى غزة. على السكان تنظيم تظاهرات ضد حماس – إنتفاضة، من جهتنا”.

لكن هناك سبب آخر لتوقيت اتخذا عباس خطوات ضد حماس، حيث أنه من المتوقع أن يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الٍأسبوع المقبل. يعتقد عباس إنه  سيحظى بإستقبال أكثر دفئا إذا وصل إلى البيت الأبيض كرئيس فلسطيني يحارب حكومة إسلامية متطرفة.

’الميثاق’  الجديد لحماس

من المتوقع أن تعلن حماس عن ميثاقها الجديد في الأسبوع المقبل. على الأرجح لن تتضمن الوثيقة أي جديد، سوا من الناحية الأيديولوجية أو من الناحية العملية. وبالتأكيد لن يأت الميثاق الجديد بكهرباء إلى غزة، وعلى العكس من ما تعتقده حماس، قد لا يغير ذلك من صورتها كثيرا.

مع ذلك، من المثير للاهتمام رؤية الخطاب الذي قد ينتج عن ميثاق جديد تمت صياغته داخل حماس. مصادر فلسطينية قالت إن الطرفين الرئيسيين اللذين أثرا على قرار حماس بتغيير ميثاقها هما الأمير تميم بن حمد آل ثاني، حاكم قطر، وراشد غنوشي، زعيم حزب “النهضة”، حزب الإخوان المسلمين في تونس.

المصادر نفسها قالت إن قيادة حماس في غزة، برئاسة سنوار، عارضت الفكرة بشدة. وعارضها أيضا يوسف القرضاوي، أحد كبار العلماء المسلمين في حركة الإخوان المسلمين، ونشبت خلافات شديدة بين صفوف الحركة. في النهاية، وافق سنوار والمقربين منه على “حكم الحركة”.

ميثاق حماس الجديد لا يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، كما أراد المسؤولون في السلطة الفلسطينية، ولا “يلتزم” أيضا بالإتفاقيات مع إسرائيل، وسيكتفي بالكاد ب”احترامها”. لن يكون هناك، لا سمح الله، اعترافا بدولة إسرائيل، ولكن فقط موافقة على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.

التوجه المعادي للسامية في الميثاق الحالي من المفترض أن يختفي، مع الإبقاء على التوجه المعادي للصهيونية. العنصر الجديد الوحيد في النص الجديد سيكون على الأرجج عدم الإشارة إلى حركة الإخوان المسلمين على أنها الحركة الأم لحماس.

رام الله والإضراب عن الطعام

دخل إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام يومه الثاني عشر الجمعة. بعض المسؤولين الإسرائيليين يحاولون تصويره على أنه فشل، وآخرون يزعمون أن عددا متزايدا من الأسرى يعلنون انسحابهم من الإضراب. ولكن ليس هذا هو الحال تماما: في حين أن الإضراب عن الطعام لم يحقق نجاحا كبيرا، لكنه بكل تأكيد لم يفشل.

شوارع رام الله كانت شبه خالية الخميس. جميع المحلات كانت مغلقة بعد الإعلان عن إضراب تجاري تضامنا مع الأسرى الأمنيين المضربين عن الطعام. وهذا مشهد لم تعرفه رام الله منذ سنوات.

في خيمة التضامن مع المضربين في ميدان ياسر عرفات كان هناك بضع مئات من الأشخاص في ساعات الصباح. ولكن الأعداد تزايدت مع اقتراب ساعات الظهر بوصول تعزيزات من بير زيت وجلزون. يوميا تقريبا يتم تنظيم مسيرة للتضامن مع الأسرى، وهذه القضية على رأس أجندة وسائل الإعلام الفلسطينية.

وهنا يجب قياس نجاح الإضراب. هدفه هو التأثير على الرأي العام الفلسطيني، أكثر من التأثير على مصلحة السجون الإسرائيلية. عاد موضوع الأسرى إلى المنصة المركزية، وكذلك فعل مروان البرغوثي، قائد هذه الإضراب والمسؤول في فتح الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة خمس مؤبدات بعد إدانته بالقتل والتخطيط لهجمات خلال الإنتفاضة الثانية، وهو ما يدل على أنه في مركز الأحداث. صور البرغوثي التي تطل من كل زاية في خيمة التضامن، سيارات الإسعاف التي مرت من المكان، مع صوت صفارات الإنذار وأعلام تحمل صور البرغوثي، تؤكد هذه الرواية.

إذا، لماذا مع ذلك لا يُعتبر أن الإضراب حقق نجاحا باهرا؟

هناك سببان. الأول هو أن ليس جميع الأسرى يشاركون في الإضراب. عدد المضربين عن الطعام انخفض بشكل طفيف منذ بداية الإضراب، ولكن بطريقة أو بأخرى، لا تزال الأرقام منخفضة.

حماس لا ترغب بمساعدة البرغوثي، ولذلك لم ينضم أسراها إلى الإضراب.

وما هو مثير أكثر للدهشة، هو أن مجموعات كبيرة من عناصر حركة فتح لا تسارع إلى مساعدة البرغوثي أيضا، وفقط نحو ثلث أسرى فتح يشاركون في الإضراب.

بعض المقربين من البرغوثي يلقون باللوم في الأساس على رجلين من المسؤولين الكبار في فتح – جبريل رجوب ومحمود العالول.

رجوب والعالول، الذان يُعتبران من المرشحين الأوفر حظا لخلافة عباس، يُعتبران حليفين. بالطريقة التي ينظر إليها المقربون من البرغوثي إلى الأمور، فإن رجوب والعالول يحاولان تقويض الإضراب عن الطعام بهدف منع البرغوثي من تصوير نفسه على أنه خليفة لعباس. وهم يشيرون إلى اسمين لتوضيح جهود القيادة العليا في فتح لإحباط الإضراب.

باسل مزرع، قيادي أسرى فتح في سجن “كتسيعوت”، يعارض الإضراب عن الطعام بشدة، ويُعتبر مقربا من العالول. جمال رجوب، في سجن “ريمون”، يعارض هو أيضا الإضراب، واسم عائلته يوضح السبب.

مصدر الفشل الثاني يتعلق بإسرائيل. تظاهرات التضامن مع الأسرى لم تنتشر إلى ما وراء المدن الفلسطينية، ولم تؤدي إلى مواجهات عنيفة مع الجنود الإسرائيليين.

بإلقاء نظرة على ما كان يحدث في رام الله يوم الخميس يوضح السبب. السلطة الفلسطينية قامت بنشر العشرات من عناصر الشرطة من وحدات تفريق الحشود، المكلفة بمنع متظاهرين محتملين من التوجه إلى نقاط الاحتكاك مع إسرائيل. إذا السلطة الفلسطينية هي من يمنع تدهور الأمور إلى أحداث عنف كبيرة مع إسرائيل في الضفة الغربية، وكذلك تحبط هجمات، وبالطبع، تقوم أيضا بمنع تظاهرات.

بهذه البطاقة أيضا سيسافر عباس إلى واشنطن في الأسبوع المقبل لعقد لقائه الأول مع ترامب. على ضوء صراعه مع حماس والحفاظ على الهدوء النسبي مع إسرائيل، يأمل عباس في أن يكون بإستقباله رئيس ودود سيواصل نهجه الإيجابي، كما ترى رام الله ذلك، الذي أظهر حتى الآن تجاه الفلسطينيين.

يوم الخميس قال ترامب “لا يوجد هناك أي سبب يمنع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين – أي سبب على الإطلاق”. وعباس يرغب بكل تأكيد تجنب أن يُنظر إليه، في العصر الجديد للرئاسة الأمريكية، على أنه مصدر لحالة الجمود.