تطرق الكثيرون في صفحات الفيسبوك والصحافيين والنشطاء الفلسطينيين هذا الأسبوع على نطاق واسع لل-“العاصفة” التي سببها يوم الأحد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن).

دار النقاش الحاد في شبكة الإنترنت حول زيارة 250 طالبًا إسرائيليًا، من عدة جامعات إسرائيلية، في المقاطعة في رام الله، حيث التقوا بعباس واستمعوا إلى كلمته وأجوبته عن الأسئلة التي سألوها له. الانتقادات التي وجهت لمجرد حصول هذه الزيارة في صفحات الفيسبوك أظهرت مدى عمق الانقسام في الرأي العام الفلسطيني فيما يتعلق بعملية السلام.

حيث كان أبو مازن ورجاله الهدف الرئيسي للهجمات اللفظية في النقاشات الفيسبوكية ولكن كان الضيوف الإسرائيليون الذين ينتمون بمعظمهم لليسار هدفًا لهذه الهجمات أيضًأ. إحدى الفلسطينيات، ناشطة في فتح والتي تملك بين أصدقائها على الفيسبوك ناشطات سلام إسرائيليات، ذهبت ابعد من مجرد التهجم وطالبت بإخراج جثة عرفات من المقاطعة ونقلها إلى مكان “أنظف” (بعد أن لوثه الإسرائيليون طبعًا).

الامور مختلفة قليلا، من وجهة نظر إسرائيلية، حيث المنظار متفائل أكثر. المبادرة لهذا الحدث النادر كانت لعضو الكنيست حيليك بار من حزب العمل، مع مجموعة من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية مثل محمد المدني، المسؤول عن “ملف إسرائيل” في منظمة التحرير الفلسطينية.

لبضع لحظات كان يبدو أن الأمل (وليس هاتيكفا، النشيد الوطني) يتسلل إلى قاعة المؤتمرات الكبيرة التي تجمع فيها عشرات الصحفيين الإسرائيليين والفلسطينيين والأجانب .عرض أبو مازن على الحضور رؤياه لعملية السلام ومجموعة التنازلات التي قام بها حتى الآن خلال المفاوضات مع إسرائيل. ووجه بالطبع انتقادًا للطرف الإسرائيلي المصمم على استمرار البناء في المستوطنات وتجاهل كل الاتفاقات التي وصل إليها مع الذين سبقوا نتنياهو في منصبه وعلى رأسهم أيهود أولمرت.

ولكن لم يكن هناك فقط أقوال توبيخ وانتقاد. بدا واضحًا أن أبو مازن يحاول الوصول إلى الجمهور الإسرائيلي، من فوق رؤوس قادة الدولة وعرض رؤيا السلام. لقد حاول إزالة المخاوف من موضوع عودة اللاجئين، وأكد عدم نيته بإغراق دولة إسرائيل باللاجئين أو تغيير طابعها، ولكنه صمم على أن تعريف إسرائيل ك”دولة اليهود” أو عدم تعريفها، هو موضوع لا يتعلق بالسلطة الفلسطينية. حتى أنه عرض سلمًا يساعد كل الأطراف بالنزول عن “الشجرة” التي تدعى “دولة القومية اليهودية”. بحسب أقواله إذا اتخذت الأمم المتحدة قرارًا يعترف بهذا الطلب، ستقوم منظمة التحرير الفلسطينية بتبنيه.

وماذا بالنسبة لموضوع التحريض؟ قال مرة بعد مرة أن “هناك تحريض بالفعل”. لم يحاول التهرب من المشكلة، حتى أنه لم يقم بالادعاء بعدم وجود مشكلة كهذه أو أنها موجودة فقط في رأس وزير الاستخبارات يوفال شتاينيتس أو يوسي كوبراوسر. بل على العكس من ذلك ،لقد اعترف أن المشكلة قائمة. ” في التلفزيون والراديو والمدارس”، كما ذكر. ولكنه فسر أن الفلسطينيين يطالبون بإنشاء لجنة ثلاثية تكون الولايات المتحدة جزءًا منها أيضًأ، لبحث موضوع التحريض في الجانبين. هذا الطلب منطقي. ولكن لسبب غير مفهوم ترفض حكومة إسرائيل ذلك وتصر على أنه قبل تناول موضوع التحريض، على السلطة إيقاف التحريض. وهذا، بالنسبة لأبو مازن على الأقل، غير منطقي. “هل قرأتم مرة الأشياء التي تُكتب عنا في وسائل الإعلام الخاصة بكم؟” سأل الجمهور. “أو الأشياء التي يعلمونها عنا في مدارسكم؟ لا أريد الدخول بتبادل اتهامات هنا، ولكنني أقول لنناقش ذلك”.

قد يكون الحق معه في هذا الموضوع. رفض حكومة إسرائيل وخاصة الوزير شتاينيتس الذي يركز النشاط في هذه الموضوع، نقاش المسألة، يثير الشكوك أن مسألة التحريض قد تحولت إلى حبل تتمسك به للادعاء ب”عدم وجود شريك” فلسطيني. الذريعة المثالية. قد يكون في إسرائيل شخص ما يحاول التهرب من دراسة موضوعية للتحريض في إسرائيل. فإذا كان لا يوجد في جهاز التربية والتعليم والإعلام الإسرائيلي أقوال تحريضية ضد الفلسطينيين، لماذا يشكل تشكيل لجنة ثلاثية تهديدًا كبيرًا على مستقبل دولة اليهود؟

بعد ذلك تحول عباس للحديث عن اتهامات شتاينيتس بأنه تحول إلى “اكبر قائد معاد للسامية في العالم بعد ترك أحمدي نجاد لمنصبه”. في هذه المرحلة استهزأ عباس بذلك قليلًا وبالفعل فإن هذه الاتهامات في ظل الحدث (لقاء مع 250 طالب إسرائيلي غالبيتهم من اليهود) تبدو غير طبيعية. “أنا أعرف أن الملايين من اليهود قضوا في المحرقة”، في إشارة منه للادعاءات بأنه ينكر المحرقة. “التقيت مع قادة كل المنظمات اليهودية، أنا أعترف بدولة إسرائيل. وهم يتجرؤون على اتهامي بمعاداة السامية. ان الذي قال ذلك، لا يريد السلام”، كما قال.

ومرة أخرى، انتقادات عباس تبدو محقة. قد يكون أنه كان بالإمكان أن يتصرف بطريقة أكثر ذكاءً. المبادرة بصيغة توافقية على سبيل المثال، أو تصريح يطمئن المخاوف الإسرائيلية من تغيير مواقف في الجانب الفلسطيني، بعد لحظة من توقيع اتفاق سلام. وبذلك سيسحب البساط من تحت أرجل كل وزراء اليمين في إسرائيل الذين يتنافسون على لفت نظر الجمهور الإسرائيلي بواسطة التهجم عليه. فهو لا يفعل ذلك. وأكثر من ذلك، عباس الذي بدا كحمامة سلام في المقاطعة يوم الأحد، يسمح لمسؤولين أخرين في فتح وفي منظمة التحرير الفلسطينية بإصدار تصريحات متطرفة في الإعلام العربي والتي تقع مباشرة في فخ وزراء اليمين في إسرائيل.

عباس زكي، على سبيل المثال، عضو في اللجنة المركزية في فتح والذي جلس في الصف الأول في المقاطعة يوم الأحد، إلى جانب عدد من زملائه في اللجنة. لمح زكي في شهر ديسمبر الماضي في مقابلة مع التلفزيون السوري أن اتفاق على أساس حدود 1967 هو فقط جزء من سياسة “نظرية المراحل”. سيأتي من سيقول أن هذه زلة لسان لزكي. ولكن قبل سنتين أطلق زكي تصريحات أكثر تطرفًا في لقاء له مع الجزيرة والتي فُهم منها أن كل حل سياسي مع إسرائيل هو حل عابر.

المشكلة في الموقف المتناقض عند التعامل مع إسرائيل لا تختصر فقط على المسؤول هذا أو ذاك في فتح. صحيح أن أبو مازن التقى مع طلاب إسرائيليين بالرغم من الاحتجاج خارج المقاطعة وفي ظل طلب شعبي بالامتناع عن خطوات تطبيع. ولكن تغطية اللقاء في الاعلام الفلسطيني كانت ناقصة على أقل تقدير.

جزء من وسائل الإعلام الفلسطينية (مثل صحيفة القدس، والتي تُعتبر الأكثر انتشارًا)، تجاهل هذا اللقاء، واكتفت وسائل إعلام أخرى في العناوين التي أعطتها وكالة الأنباء الرسمية التابعة للسلطة، وفا، والتي اختارت أن تحذف كل أقوال عباس التي كان يمكن تفسيرها كطرف تنازل (على سبيل المثال، “لا توجد لدينا نية لإغراق إسرائيل بخمسة ملايين لاجئ”). عمليًا إذا قرأ الجمهور الفلسطيني عن اللقاء في الصحافة المحلية، قد يصدق أن خطاب مازن كان ملحميًا وخاصة أمام حضور إسرائيلي. ومع ذلك، يُحسب للرئيس الفلسطيني، أنه على الأقل للحظة صغيرة يوم الأحد، بين مئات الحضور، الإسرائيليين والفلسطينيين، بدا أن الاتفاق السياسي بين الطرفين لم يعد حلمًا مجنونًا أو مجرد أمنية.