بنيامين نتنياهو لا يمكن أن يكون رئيس وزراء من السهل لمحمود عباس التعامل معه. على عكس، مثلا، إيهود أولمرت.

نتنياهو لم يعرض التخلي عن السيادة الإسرائيلية في البلدة القديمة لهيئة دولية، مثلما فعل أولمرت. لمح نتنياهو في بعض الأوقات إلى بعض الإستعداد للتنازل في القدس، ولكنه لم يعرض تقسيم المدينة إلى أحياء إسرائيلية وفلسطينية، مثلما فعل أولمرت. لمح إلى إستعداد لتقديم تنازلات في الضفة الغربية، ولكن ليس العودة إلى حدود ما قبل عام 1967 مع تبادل أراض واحد مقابل واحد، كما فعل أولمرت.

غير أن عباس لم يقبل بعرض السلام الكبير والغير مسبوق الذي طرحه أولمرت عام 2008. كما فصل أولمرت في وقت لاحق، فشل عباس في الرد على كل ذلك، على الرغم من أن العرض إستوفى جميع أهدافه المتعلقة بالأرض لإقامة دولة فلسطينية.

في 1 نوفمبر، 2012، في مقابلة أجرتها معه القناة الثانية الإسرائيلية، تعهد عباس أنه بالنسبة لما يتعلق بالأرض لا توجد لديه مطالب في إسرائيل ما قبل 1967. “فلسطين بالنسبة لي الآن هي حدود 67، مع القدس الشرقية عاصمة لها. الآن وإلى الأبد”. فلماذا لم يقبل إذا بعرض أولمرت؟

في المقابلة نفسها، صرح عباس أنه على الرغم من أنه وُلد في صفد، شمال إسرائيل، فهر لا يشعر بأن لديه الحق في العودة إلى هناك مرة أخرى ليجعل من هذه المنطقة بيتا له. “من حقي رؤية ذلك، ولكن ليس العيش هناك”، كما قال. لماذا إذا، في محاولة جون كيري لصنع السلام في 2013-2014 والتي كان مصيرها الفشل، أصر عباس على “حق العودة” لملايين اللاجئين الفلسطينيين والجيل الثاني والثالث والرابع لأحفادهم، وهو “حق” إذا تم تطبيقه فسيكون معناه الموت لدولة إسرائيل كدولة يهودية؟

أخيرا في هذا اللقاء التلفزيوني، تعهد عباس بأنه ما دام في السلطة، لن تكون هناك إنتفاضة مسلحة ثالثة ضد إسرائيل. “أبدا”، كما تعهد. “لا نريد إستخدام الإرهاب. لا نريد إستخدام القوة. لا نريد إستخدام الأسلحة. نريد الدبلوماسية. نريد إستخدام السياسة. نريد إستخدام المفاوضات. نريد مقاومة سلمية. هذا ما نريده”. لماذا إذا، قبل عام في الأمم المتحدة، إتهم إسرائيل زورا وبصورة مقيتة بممارسة سياسة “تطهير عرقي في غزة” – وهو إتهام يضمن تصعيد العداء العربي وخاصة الفلسطيني ضد إسرائيل؟ ولماذا، في الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة، وبينما حذر إسرائيل من تحويل الصراع “من سياسي إلى ديني”، قام بتصعيد حملته لفعل ذلك بالضبط – مع تداعيات قاتلة متوقعة؟

يوم الأربعاء الماضي في نيويورك، توج عباس سلسلة من المزاعم التحريضية في الأشهر الأخيرة حول مخططات إسرائيلية مزعومة ضد المسجد الأقصى من بقوله للعالم، وخاصة لشعبه الذي شاهده، أنه في القدس “تقوم مجموعات متطرفة إسرائيلية بإرتكاب توغلات متكررة وممنهجة في المسجد الأقصى”. وتابع قائلا أن الحكومة الإسرائيلية، تمارس “مخططا” لفرض “واقع جديد” في الحرم القدسي، “من خلال السماح للمتطرفين، بحماية قوات الإحتلال الإسرائيلي وبرفقة وزراء وأعضاء كنيست، بدخول المسجد في أوقات معينة، في حين تقوم بمنع المصلين المسلمين من الوصول والدخول إلى المسجد في هذه الأوقات وممارسة حقوقهم الدينية بحرية”. الحقيقية هي أن إسرائيل، بعد سيطرتها الحرم القدسي في 1967، وسيطرتها على أقدس المواقع في اليهودية، إختارت السماح للسلطات الإسلامية بمواصلة إدارة أماكنها المقدسية، ومنعت اليهود من الصلاة هناك. هذه الإجراءات مستمرة حتى اليوم؛ وهي إجراءات، بعبارة ملطفة، من الصعب تخيل قيام أية قوة محتلة أخرى بالمبادرة إليها والحفاظ عليها.

أولئك الذين ما زالوا يحتفظون ببعض التعاطف مع عباس يشيرون إلى أنه، حتى كتابة هذه السطور، لا يزال يحافظ على تنسيق قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مع نظرائهم الإسرائيليين. يقولون أنه من الصعب بالنسبة له التنديد بآخر أعمال الإرهاب الفلسطيني لأن شعبه يرى به إصلا تابعا لإسرائيل. يقولون أن عباس ليس هو من يقوم بالتحريض على الإرهاب الفلسطيني، بل تقارير وسائل الإعلام العربية وتركيز مواقع التواصل الإجتماعي الذي لا هوداة فيه على هجمات إسرائيلية مزعومة على الأقصى.

ولكن الحقيقة هي أن عباس لم يسعى يوما إلى نقض تأكيد سلفه ياسر عرفات على أنه لم يكن هناك هيكلين يهودييين في القدس. وبالتالي، إمتدادا لذلك، لا توجد هناك شرعية تاريخية للسيادة اليهودية هنا. الحقيقة هي أن عباس سمح لمحاولة أخذ المنطق عن الصلة اليهودية بجبل الهيكل بتعقيد الرواية الفلسطينية حول عدم شرعية التواجد الإسرائيلي-اليهودي هناك. الحقيقة هي أن عباس لم يتحرك أبدا بشكل حازم لمنع التحريض الخبيث المعادي لإسرائيلي في الإعلام الفلسطيني. الحقيقة هي ان السلطة الفلسطينية برئاسة عباس واصلت تكريم الإرهابيين و”الشهداء”.

الحقيقة هي أن عباس، الذي أراد الكثيرون في إسرائيل حتى بعد عام 2008 وبإلحاح تصديق أنه شريك للسلام – ومن بينهم أولمرت بنفسه، حتى يومنا هذا – خيب أمل شعبه وأملنا.

الحقيقة هي أن عباس قام بهدوء وبشكل متعمد بتأجيج ألهبة موجة الأرهاب الأخيرة التي كان الأقصى في محورها.

وبشكل قاتم ومرير، بين تعاطفه مع المشروع الإستيطاني وخشيته من أن تصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية، فإن نتنياهو ليس برئيس الوزراء الذي من السهل لقائد فلسطيني يسعى بصدق لإتفاق سلام قابل للتطبيق ومستدام التعامل معه.

ولكن محمود عباس ليس بقائد من هذا النوع.