كشخص أحب موسيقى بروس سبرينغستين، شخص ترفعت روحه بالعاطفة والطموح في أغانيه، شخص عزف البومه الثاني، الثالث والرابع أكثر من أي معزوفات أخرى، ومررتها لأطفالي الذين طالت معاناتهم … وكصهيوني، تساءلت دائما: ما الذي يجعل بروس من إسرائيل؟

ولكني استيقظت هذا الصباح ناويا كتابة مقالا مريرا وغاضبا بعض الشيء حول نجاح كين ليفينجستون المستمر في الإساءة لسمعة إسرائيل. والآن يمكنني كتابة المقال حول نجاحه المستمر في الإساءة لإسرائيل، مع نهاية متفائلة.

كتبت في الأسبوع الماضي، في مقال يحمل عنوان: “كين ليفينغستون يستخدم هتلر لتشويه صورة إسرائيل”، حول محاولة العمدة السابق للندن تحقيقه من خلال تأكيده الفاحش أن هتلر كان صهيونيا،  دفع جميع المفكرين الذين يعتبرون النازيين مثالا للشر نحو استنتاج مماثل حول الصهاينة. بإختصار، يريد ليفينغستون دفع أكبر عدد ممكن من الناس إلى مساواة الصهيونية مع النازية، وتكثيف الكراهية نحو إسرائيل، إضعافها وعزلها.

لم اتفاجأ لمشاهدة رفض ليفينغستون الإنسحاب أو الإعتذار عن أكاذيبه الحارقة. فهو يعلم جيدا أن فكرة دعم هتلر لوطن السيادية المزدهرة للشعب اليهودي في ارضه القديمة مثيرة للسخرية بشكل كبير. إنه يعلم أن نشر مثل هذا الادعاء هو أمر مثير للإزدراء. كما انه يعلم أن استمراره في فعل ذلك بدمر مصداقية حزب العمال الذي يرعاه، ومهينا لكثير من القادة البارزين للحزب على مر عقود. ولكن بالنسبة لليفينغستون، الغاية تبرر كل الوسيلة.

زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن بعد مسيرة لاحياء عيد العمال في لندن، 1 مايو 2016 (AFP/JUSTIN TALLIS)

زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن بعد مسيرة لاحياء عيد العمال في لندن، 1 مايو 2016 (AFP/JUSTIN TALLIS)

ويحرز ليفينغستون تقدما. نعم، يتفكك حزب العمل كما تنفضح سياسته المعادية للسامية متأخرا، وزعيمها الراديكالي المتعاطف مع حزب الله وحماس- جيريمي كوربين ممزق ومرتبك. لكن تحريف ليفينغستون للتاريخ يساعد على تعزيز الحكمة التقليدية التي يسعى اليها للمملكة المتحدة الجديدة – شعار نمطي مبسط يتم الآن تكراره بلا هوادة من قبل معلقي المملكة المتحدة الذي يقرأ على النحو التالي تقريبا: “بطبيعة الحال، يعارض الكثيرون منا سياسات إسرائيل في فلسطين تماما، ومرعوبين من قتل اسرائيل وسوء معاملتها للفلسطينيين، ولكن ليفينغستون وأمثاله مذنبون بعبورهم الخط الفاصل بين الإنتقادات المشروعة لإسرائيل ومعاداة السامية”.

اسمحوا التأكيد: انتقاد إسرائيل شرعي في الواقع. انه ضروري. أمتنا ليست فوق الشبهات. ويمكن لسياسات حكومتنا أن تكون معيبة، بالذات فيما يتعلق بتعاملها مع الفلسطينيين. شخصيا، أشعر بإنزعاج شديد إزاء بعض خيارات قادتنا. فأنا قلق حول مستقبلنا. كما اني أرى مستويات فساد في إسرائيل لم أواجهها في السابق.

تحريف ليفينغستون للتاريخ يساعد على تعزيز الحكمة التقليدية التي يسعى اليها للمملكة المتحدة الجديدة – شعار نمطي مبسط يلوم اسرائيل، واسرائيل وحدها، على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني

ولكن، هذه ليست النقطة هنا. يكتسب ليفينغستون وأمثاله جماهيرا في خلقهم للسرد البديهي المتزايد والذي في تعبيره عن المعارضة الغاضبة لمعاداة السامية، يحمل إسرائيل بشكل واضح ودقيق وغير معتذر الخطأ والذنب، معتبرها ان تكون الوحيدة المسؤولة عن ديمومة الصراع مع الفلسطينيين. في حين أن الحقيقة، والتي تحتاج للتكرار، هي أن الصراع أكثر تعقيدا من ذلك، وأن إسرائيل، التي تريد الاحتفاظ بكل من الديمقراطية وبطابعها اليهودي، لديها كل المصلحة في الإنفصال عن الفلسطينيين. يجب أن يعكس السرد الصادق، إن كان انسحاب اسرائيل من قطاع غزة في عام 2005 فد سرع بداية حقبة من الهدوء هناك، من المرجح أنها كانت ستنسحب لاحقا من اجزاء كبيرة من الضفة الغربية. ومن شأن رواية صادقة ان تعترف بأن حماس وحزب الله مكرسات لتدمير إسرائيل، وليس اقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وأن عقود من الإرهاب – في كثير من الأحيان منغمس أو مدعومة من قبل القيادة الفلسطينية – قد أبعدت استعداد الإسرائيليين لتقديم التنازلات، وخاصة في منطقة وحقبة غارقة في عدم الإستقرار وتصاعد التطرف الإسلامي. مجددا، ان الجانب الإسرائيلي ليس على حق كامل. ويمكن بكل تأكيد ومنطق الجدال بأن توسيع المستوطنات في مناطق لا تنوي اسرائيل الاحتفاظ بها في ظل اي اتفاق دائم ان يأتي بنتائج عكسية، ويسيء الى المعتدلين الفلسطينيين. ويمكن القول أن إسرائيل أصبحت أكثر تشددا وغير متنازلة الى حد كبير. وسط تصاعد الهجمات الفلسطينية الحالية، بالتأكيد كانت هناك حوادث احتاج فيها رد أفراد الأمن على المهاجمين الى اخضاعها للتحقيق. تتصارع إسرائيل مع قضايا متعددة من الإرهاب اليهودي.

كما قلت، إنه أمر معقد. ولكن ليس في كتاب كين ليفينغستون. وتلك البساطة الكاذبة القائلة: “بالطبع إسرائيل مسؤولة عن المشكلة الفلسطينية”، والتي تكتسب جماهيرا.

ضد الفصل العنصري؛ ضد حركة المقاطعة

إذا، لماذا بدأت هذا المقال في أرض الميعاد لبروس سبرينغستين؟ لأنني كما جلست للكتابة، وتفحصت الكتابات أولا عبر موقعنا على شبكة الإنترنت، مررت بهذا المقال: “عازف الجيتار سبرينغستين ينتقد ‘البلهاء البغيضون’ الذين يدعمون حركة المقاطعة”.

ستيفين فان زاندت وبروس سبيرنغستين على المنصة في لندن، 2013 (YouTube screenshot)

ستيفين فان زاندت وبروس سبيرنغستين على المنصة في لندن، 2013 (YouTube screenshot)

عازف الجيتار المحبوب بروس، دافع عن إسرائيل عبر تويتر. ستيفن الصغير. ستيفن من ميامي. سيلفيو من “السوبرانوس”. جيوفاني “جوني” هنريكسن من “ليليهامر”، إن كنت تفضل المسلسلات التلفزيونية الاسكندنافية.

أكثر إصرارا: ستيفن فان زاندت، مؤسس اتحاد الفنانين المناهض للفصل العنصري، والقوة الدافعة وراء أغنية مناهضة الفصل العنصري سان سيتي.

غلاف البوم ’سان سيتي’، 1985

غلاف البوم ’سان سيتي’، 1985

ما بدأ كترنحا على تويتر حول إلغاء عرض سبرينغستين مؤخرا في ولاية كارولينا الشمالية مستمرا كمشادة حول اسرائيل، هاجم خلالها فان زاندت “التمييز من أي نوع”، مؤكدا وطنيته، وبعد ذلك، عندما تحدى القضية “الدموية” المزعومة لدولة إسرائيل، رد مع “أنت وغيرك من مقاطعي إسرائيل بلهاء بغيضون وجاهلون سياسيا. اسرائيل احدى الدولتان الصديقتان المقربتان في الشرق الأوسط.” ودعا منتقدي إسرائيل إلى “التعلم والتثقف”. وبعد ذلك، عندما قيل له أن “إسرائيل تلبي تعريف الفصل العنصري بموجب القانون العالمي”، عاد ورد عليه قائلا: “ثق بي، لست أقل إدراكا منك حول الظلم المتفشي في مختلف أنحاء العالم. حل واحد لا يناسب الجميع”، و”المشاكل موجودة هناك منذ ألاف السنين وانت تريد العثور على الحل بين 140 حرفا؟”، وأفضل ما “أفهمه هو كيف يمكن لذلك أن يبدو ولكن تحليلك غير صحيح. انه اكثر تعقيدا مما يبدو”.

ستيفين فان زاندت (Frantogian / Wikipedia)

ستيفين فان زاندت (Frantogian / Wikipedia)

“معقد”. ستيفن الصغير، يمكنني أن أقبلك. نعم، إنه أمر معقد. معقد. معقد. معقد. لو كان بسيطا، كنا قد قمنا بحله. إن كان بإمكاننا القيام بذلك لوحدنا، كنا قدمنا حلا. معظمنا لا يريد حكم الفلسطينيين. نحن لا نريد أن نرسل أطفالنا إلى الجيش، للمخاطرة بحياتهم في الصراع مع الإسلاميين الجهاديين. لكن عرض بلادنا تسعة أميال في أضيق نقطة لها. هذه المنطقة، مع حماس وحزب الله والدولة الإسلامية والنظام الايراني المرعب، معاد ولا يرحم. نحن أقوياء في ديمقراطيتنا الصغيرة الغير كاملة المعروفة، نتحدى الظروف، وصامدون في مكاننا. لكن حل التحديات التي نواجهها معقد.

أرجوكم تذكرو، أن من يميل منكم إلى الوقوع في فخ ليفينغستون، من يميل إلى الإيماء وإضافة هذا التحذير، كما تدينون بشكل مناسب معاداة السامية، “بالطبع، إسرائيل مخطئة تماما في معاملتها للفلسطينيين …”

***

في النهاية، ما زلت لا أعرف ما هي فكرة بروس سبرينغستين إزاء إسرائيل.

غلاف البوم Born to Run

غلاف البوم Born to Run

أعرف أن اغنية البومه “بورن تو ران” (‘ولد ليهرب‘) – مع تلك الصورة الأيقونية لسبرينغستين وكلارنس كليمونز – هي الرد الأمجد للعنصرية، أن تكوين فرقته – الكاثوليكية، اليهودية، الإيطالية-السويدية، الامريية الأفريقية وآخرون – هو احتضان غير محسوب للإحتفال بالتميز الموسيقي والتنوع.

وأعلم الآن أن عازف الجيتار الفخور، الوطني، الذكي، ومكافح العنصرية المناهض للفصل العنصري، المنتج والصديق، يقر بأن صراعنا معقد. لذلك، أشكرك ستيفن فان زاندت لفعلك الصغير، كما تقول الأغنية: “ادحض الأكاذيب التي تتركك منهزما مكسور القلب”.