عند بحث المواقف الإيرانية تجاه العالم العربي في ضوء الإتفاق النووي الإيراني، من المهم أن نتذكر أن هناك تاريخ طويل للمصالح الإيرانية في العالم العربي فيما يتخطى الثورة الإيرانية من عام 1979. فمن بلاد فارس إلى جمهورية إيران الإسلامية، أثبتت إيران بإستمرار مطامعها في أراضي وثروات الدول العربية وباقي دول المنطقة. وتعكس وجهات نظر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي التكرار الأخير لهذه الرغبات المعلنة. فخلال خطبته في عيد الفطر المبارك في تموز/يوليو، قال خامنئي، “سواء تم التصديق على النص المُعد للاتفاق النووي أم لا، فلن تتخلى إيران عن دعمها للحكومة السورية، أو الشعوب المضطهدة في اليمن والبحرين، أو المقاتلين المخلصين في لبنان وفلسطين”. وتؤكد كلمات خامنئي السياسة الإيرانية القائمة منذ فترة طويلة، والمتمثلة بإحتلال إيران الفعلي للجزر الإمارتية الثلاثة (طنب الصغرى، وطنب الكبرى، وأبو موسى)، إلى جانب تدخل إيران غير المباشر من خلال قوى وكيلة مثل حزب الله في لبنان، وقوات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

ولا تشير التصرفات الإيرانية أيضا عن وجود سياسة تختلف عن تلك التي حددها المرشد الأعلى. وقد أثبتت إيران بأنها دخيلة في البحرين على وجه الخصوص. فوفقاً لسكاي نيوز عربية الإخبارية، قام وزير الداخلية البحريني، راشد عبدالله آل خليفة مؤخراً، باتهام طهران بفتح معسكرات لتدريب إرهابيين، وإيواء المطلوبين، وتهريب مواد متفجرة وأسلحة وذخائر إلى البلاد.

وعلاوة على ذلك، من الواضح أن بعض المسؤولين الإيرانيين يصوّرون التوسع الإيراني في سياق الأهداف الإقليمية الفارسية القديمة. ففي منتدى بعنوان “الهوية الإيرانية” عُقد في أذار/مارس من هذا العام قال مستشار روحاني ووزير المخابرات السابق علي يونس، “اليوم، أصبحت إيران مرة أخرى إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ؛ وبغداد هي عاصمة هذه الامبراطورية ومركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا في الوقت الحالي، كما كانت في الماضي”. وتُعد هذه التصريحات إشارة واضحة إلى محاولة إعادة الامبراطورية الفارسية الساسانية من فترة ما قَبْلَ الإسلام، التي احتلت العراق وجعلت المدائن عاصمة لها. واستمر يونس في هذا السياق، بإشارته إلى أن “منطقة الشرق الأوسط بأكملها إيرانية … سندافع عن جميع شعوب المنطقة لأننا نعتبرهم جزءا من إيران. سنقف ضد المتطرفين الإسلاميين الذين يسمون الآخرين بالكفار فضلا عن العثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهاينة”، على حد تعبيره.

وتؤكد جميع هذه الأمثلة على تطلعات جمهورية إيران الإسلامية لإتخاذ دور جديد في المنطقة يمكنها من خلاله استعادة أمجاد وأحلام الماضي التي لم تنقطع. وقد خلقت هذه المشاعر تأثيرا ملحوظا على فهم الدول العربية للقضايا الحالية التي تتمحور حول إيران والتصدي لها مثل الإتفاق النووي.

وبالنسبة للكثيرين في العالم العربي والمجتمع الدولي الأكبر، تشير تصريحات المرشد الأعلى إلى توجيه القليل من الإهتمام نحو التعاون مع دول الجوار، ووجود سياسة دولة لا تتفق مع المظاهر الخارجية المتعلقة بالأهداف الإيرانية التي يعبِّر عنها كل من الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف. وقد رد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني ووزارة الخارجية المصرية على ذلك بتنديدهما بتصريحات خامنئي، ووصفاها بأنها تتناقض مع إقامة علاقات طيبة وتضر بها. وقد أعربت دول غير عربية أيضا عن قلقها؛ فقد وصف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في مقابلة خاصة مع قناة “العربية”، بأن تصريحات خامنئي “مثيرة للقلق”.

وقد أدركت العديد من وسائل الإعلام العربية ميول إيران التوسعية واحتمال تعزيزها في أعقاب الإتفاق النووي الإيراني.

وفي مقالات نُشرت في صحيفة “الأهرام” المصرية الحكومية، كتب وزير الخارجية السابق والسفير المصري السابق في الولايات المتحدة نبيل فهمي العديد من المقالات عَرض فيها الجوانب المختلفة لهذه القضية. ففي مقالاته، دعا فهمي الدول العربية إلى العمل على ضمان مصالحها الخاصة والكف عن الإعتماد على الغرب – المتمثل في الولايات المتحدة. وتشير مقالات فهمي إلى حالة عدم الثقة المتزايدة بين دول المنطقة – وخاصة دول الخليج – وبين الولايات المتحدة التي كان يَنظر إليها الخليجيين بأنها خط الدفاع الأول ضد الإعتداءات الإيرانية.

من المؤسف أن الجمهورية الإسلامية لا تتبع سياسة الجوار التي تدعمها العديد من الدول العربية وحتى سياسيين إيرانيين مثل الرئيس روحاني، ذلك لأن التقارب الجغرافي بين إيران والدول العربية في المنطقة قد يسفر عن قيام علاقات اقتصادية واقليمية متزنة. وقد تبادل زعماء الدولة العربية وإيران عدد من الزيارات المتنوعة خلال العقد الماضي. كما أن الاعتبارات الاقتصادية تظهر أيضاً العلاقات المعقدة بين إيران والدول العربية. وعلى الرغم من احتلال إيران للجزر الإماراتية، تتصدر دولة الإمارات قائمة التجارة العربية مع إيران حيث وصل التبادل التجاري بين البلدين 17 مليار دولار في عام 2014. وحتى قبل فرض حزمة العقوبات الأخيرة على إيران عام 2011، كان حجم التبادل التجاري بين طهران والإمارات أعلى من ذلك وبلغ رقماً قياسياً قدره 23 مليار دولار. وتشارك كل من الكويت والبحرين أيضا في التعاون التجاري والاقتصادي مع طهران، على الرغم من أن حجم التجارة لكل منهما مع إيران هو أقل أهمية إلى حد ما من ذلك الذي تتبادله دولة الإمارات. وخلال رئاسة محمد مرسي في مصر، كان هناك تبادل تجاري بين طهران والقاهرة، على الرغم من أنه قد توقف بسرعة بعد الإطاحة بالرئيس المصري السابق. ويجدر بالذكر أن قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عدم دعوة الرئيس روحاني لحفل افتتاح قناة السويس الموسعة، يدل على العلاقات الرديئة بين البلدين.

وفي الوقت نفسه، تتشارك طهران والدوحة في حقل غاز ضخم، يقع 38% منه في المياه الاقليمية الايرانية، بينما تملك قطر باقي الحقل. ووفقاً لدراسة نشرت من قبل “مركز الخليج للدراسات والبحوث الاستراتيجية”، يُعتبر هذا الاحتياط الأكبر من نوعه في العالم، ويمكن أن يوفر جميع احتياجات العالم من الغاز الطبيعي لعقد من الزمن.

ومع ذلك، تستمر طهران في إظهار سياسات توسعية عدوانية تجاه المنطقة التي تضم شركاء تجاريين قيّمين، الأمر الذي دفع دولاً عربية إلى الرد على ذلك من خلال زيادة تعزيزاتها العسكرية وتشكيلها تحالفات بينية عربية.

ومن أبرز هذه النتائج، إعلان الرئيس السيسي عن تشكيل قوة عربية مشتركة خلال كلمته الافتتاحية في القمة العربية الذي عُقدت في شرم الشيخ في آذار/مارس، والتي تزامنت مع تحالف مكوّن من تسع دول بقيادة السعودية الذي بدأ يقحم نفسه في اليمن ضد المتمردين الحوثيين في عملية “عاصفة الحزم”.
بالإضافة إلى ذلك، قدم الرئيس عبد الفاتح السيسي ووزير الدفاع السعودي وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تموز/يوليو ما اصُطلح على تسميته “إعلان القاهرة”. ويدعو ذلك الإعلان، من بين أمور أخرى، إلى “تطوير التعاون العسكري والعمل على انشاء قوة عربية مشتركة”. ويعتبر العديد من الخبراء والمحللين بأن الوثيقة هي رسالة مباشرة إلى إيران، تم التوقيع عليها من قبل “أولئك الذين يمثلون جناحي الأمة العربية-الإسلامية والذين يتعاونون [فيما بينهم] لضمان أمن الشعب العربي والإسلامي “.

وقد استمر التعاون الدولي مع الدول العربية المعنية أيضا، وإن في حالة ضعيفة بسبب الاتفاق النووي مع إيران. وفى مطلع الشهر الجاري، التقى الرئيس السيسي مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وأجريا محادثات أسفرت عن الإعلان عن استئناف الحوار والتعاون الإستراتيجي بين البلدين بعد توقف دام ستة أعوام. وفي أعقاب هذه المحادثات مباشرة أعلنت السفارة الأمريكية في القاهرة بأن شحنة من الأسلحة قد تم تسليمها من الولايات المتحدة إلى مصر.

وفي أعقاب زيارته للقاهرة، غادر كيري مباشرة إلى الدوحة للقاء نظرائه من دول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة الاتفاق النووي، والبناء على اجتماع الرئيس أوباما مع قادة دول المجلس في كامب ديفيد وعلى زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى الرياض.

وتعمل الدول العربية من جانب واحد أيضاً على بناء مخزونات الأسلحة في بلدانها، بخلقها ما يرقى إلى سباق تسلح كرد للتوسع الإيراني. ففي عام 2013، بلغ إجمالي النفقات العسكرية في الشرق الأوسط 150 مليار دولار. وفي عام 2014، قُدرت التكاليف التي دفعتها السعودية عن النفقات العسكرية وحدها بـ80.8 مليار دولار. ووفقا لتقرير أصدره “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (“سيبري”)، تُعد السعودية الآن من بين أعلى أربعة دول في الإنفاق العسكري على مستوى العالم. بالإضافة إلى ذلك، تعهدت الرياض بشراء أسلحة من فرنسا بقيمة ثلاثة مليارات دولار من أجل تعزيز الجيش اللبناني في حربه ضد حزب الله وحلفائه.

كما عقدت قطر والإمارات أيضاً صفقات للأسلحة في الآونة الأخيرة، وحتى مصر، على الرغم من وضعها الاقتصادي المتأرجح، قامت بشراء أسلحة بدعم من دول الخليج. وفي الآونة الأخيرة، أعربت مصر والسعودية عن رغبتهما في شراء حاملتي المروحيات “ميسترال” من فرنسا.
ليست هناك نهاية لصفقات الأسلحة في المنطقة، كما أن قائمة الدول التي تزود الأسلحة قد أصبحت طويلة. وبسبب خيبة أمل السعودية من شريكها التقليدي – الولايات المتحدة – سعت الرياض إلى إحداث موقف أكثر توازنا من خلال التواصل مع روسيا أيضاً. وفي غضون ذلك، وفي الوقت الذي يتم فيه تشكيل تحالفات جديدة وإعادة تحالفات قديمة كانت قد توقفت، يبدو الوضع مضطربا – وربما قابلا للإنفجار. وفي خضم الحروب المباشرة والأخرى بالوكالة، لا تتوقف التصريحات العدائية الآتية من طهران حتى وقت كتابة هذه السطور.

وفي النهاية، وفي الوقت الذي يكون فيه إطار التوسع الايراني أمرا واضحا، كان الرد العربي حذرا، بل متشائما. وما نراه اليوم هو قلق وتحركات وتحالفات جديدة وسباق للتسلح؛ وهذه جميعا ردود فعل عربية واضحة على المناورات الإيرانية الأخيرة. وفي ضوء هذه التطورات، أصبح إلزاما على العرب تحمُّل مسؤولياتهم بأنفسهم والتنسيق فيما بينهم بصورة تامة وكاملة بطريقة غير متوفرة حتى الأن إلّا بين القاهرة والرياض. وبإستثناء السعودية ومصر، لا يوجد أحد أكثر وعيا للخطر القادم وأكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي من تل أبيب. لذلك، يجب إجراء نقاش حول إمكانية الإستفادة من قدرات إسرائيل، سواء علنا أو سرا، من أجل ضمان تعايش الشعوب في منطقتنا في حرية وسلام وتجنب قيام سباق للتسلح النووي، قد تكون عواقبه كارثية ليس فقط للمنطقة بل للعالم بأسره.