واشنطن – بالنسبة للجنود الإسرائيليين الذين يحرسون الحدود الشمالية للبلاد، فإن صباح يوم السبت يكون عادة، ولكن ليس دائما، هادئا للغاية، حتى مع الحرب الأهلية الدائرة على بعد أميال قليلة من الحدود.

بطبيعة الحال كان الجيش الإسرائيلي حريصا على منع امتداد الصراع السوري إلى إسرائيل، وخاصة خلال العام الأخير حيث سعت إيران إلى ترسيخ وجودها في هذا البلد العربي. ولكن في أكثر الأحيان، ليس سوريين مسلحين هم الذين وصلوا إلى الحدود؛ وإنما سوريين مع إصابات.

برز ذلك إلى الواجهة في صباح مصيري في فبراير 2013، عندما وصل سبعة سوريين بحاجة إلى عناية طبية سريعة إلى الحدود الإسرائيلية. المسعفون هناك قدموا لهم الإسعاف، ولكن سرعان ما اتضح أن ذلك لن يكون كافيا لإنقاذ حيواتهم.

حينذاك، كان سلمان زرقا قائدا للفيلق الطبي التابع للجيش الإسرائيلي في المنطقة الشمالية، وسرعان ما قرر زرقا أن هناك حاجة لنقل الجرحى السوريين إلى مستشفى مدني حيث يكون بالإمكان منحهم مستوى أفضل من الرعاية الطبية.

المستشفى الأقرب كان المركز الطبي “زيف” في صفد، وهي مدينة قديمة تطل على بحيرة طبريا. أصدر زرقا أوامره بنقل المصابين إلى المنشأة، حيث تلقوا العلاج هناك، وبعضهم خضع لعمليات جراحية، وقد تم إنقاذ جميع هؤلاء الجرحى.

بعد عشرة أيام، عادوا جميعهم إلى منازلهم في سوريا.

اليوم زرقا هو مدير مستشفى زيف – وهو يتولى هذا المنصب منذ عام 2014 – حيث يواصل تقديم العلاج للسوريين الذين يصلون إلى إلى الحدود الإسرائيلية وهم بحاجة إلى تدخلات طبية منقذة للحياة.

رجل سوري يحمل طفلتين مغطتين بالغبار بعد غارة جوية نفذتها بحسب تقارير القوات التابعة للنظام في 9 يوليو، 2014 في مدينة حلب شمال سوريا. (AFP/AMC/ZEIN AL-RIFAI)

منذ عام 2013، يلعب مستشفى زيف دورا صغيرا ولكن محوريا في علاج الجرحى السوريين خلال فترة الحرب الأهلية الشرسة الدائرة في بلادهم. ويعزى ذلك جزئيا على الأقل إلى الموقع الاستراتيجي للمستشفى الذي يبعد حوالي سبعة أميال من الحدود مع لبنان وحوالي 50 ميلا من الحدود السورية.

بداية، اعتقد زرقا أن مسافة الخمسين ميلا ستكون مسافة بعيدة بالنسبة لمرضى في حالات حرجة (حوالي 30 دقيقة من السفر في سيارة إسعاف مع تشغيل صفارة الإنذار)، الذين، كما خشي، قد لا ينجحون في البقاء على قيد الحياة خلال هذه الرحلة.

وقال زرقا لتايمز أوف إسرائيل: “قررنا أنها إذا كانت لدينا مهمة إنقاذ أرواح، سنفعل ذلك بأفضل طريقة نعرفها، وأفضل طريقة بحسب خبرتنا هي وجود مستشفى عسكري على الحدود حتى يكون بالإمكان علاج الإصابات شديدة الخطورة هناك”.

ولذلك، في مارس 2013، بعد التشاور مع مسؤولين حكوميين، قامت إسرائيل ببناء منشأة على الحدود، بالقرب من قرية درزية.

ولكن بعد عام ونصف أغلِقت المنشأة.

وقال زرقا، وهو من أبناء الطائفة الدرزية: “وجدنا أنه لم تكن لها حاجة. معظم إصابات السوريين كانت عظمية، وذلك لم يتطلب عناية طبية فورية وكان بإمكانهم الانتظار للحصول على العلاج في منشآت مدنية”.

اليوم، يقع العبء الأكبر على مستشفى زيف لتقديم العلاج للسوريين الذين يصلون إلى إسرائيل طلبا للمساعدة. منذ فبراير 2013، قدم المستشفى العلاج لحوالي 5000 سوري، بحسب زرقا.

ويبدو أنه كان لهذه التجربة، كما قال، تأثير على الأشخاص الذين تم انقاذهم – كبر الكثير منهم ظنا أن جارهم من الجنوب هو جار شرير.

دكتور سلمان زرقا يقدم العلاج لطفل سوري مصاب في المركز الطبي ’زيف’ في صفد. (Courtesy)

وقال زرقا: “لقد قابلت العديد من السوريين. عندما قابلتهم في البداية، كانوا خائفين جدا من مقابلة أعدائهم وتلقي الدعم الطبي منا. لم يخبرونا دائما بالحقيقة. لاحظنا أنهم في بعض الأحيان غيروا أسمائهم، لكن الأمور تغيرت. لقد بدأوا يبتسمون ويتحدثون بالعبرية. أخبرنا عدد منهم أنهم تعلموا على مدى سنوات عديدة أننا نحن الشيطان ويجب رمينا إلى البحر”.

وأضاف: “الآن، هم يدركون أننا أكثر انسانية من الأسد”.

في زيف، يتلقى السوريين العلاج تحت غطاء من السرية لحماية هوياتهم من السلطات السورية، التي لن تتقبل بصدر رحب حقيقة قبولهم الحصول على المساعدة من الدولة اليهودية.

ويمكث المرضى في المستشفى لمدة تتراوح بين بضعة أيام وبضعة أشهر. في حالات نادرة وقليلة، بقي البعض لأكثر من عام. خلال تواجدهم في المستشفى، بحسب زرقا، يحصل هؤلاء الجرحى على نفس مستوى العلاج الذي يحصل عليه الإسرائيليون.

وقال: “نحن لا نقدم لهم مجرد علاج لإصابتهم، وإنما نعالجهم وفقا للمعايير الإسرائيلية. نبذل قصارى جهدنا لإنقاذ حيواتهم، ونحاول تحسين جودة حياتهم”.

سيارة إسعاف تابعة لمؤسسة ’نجمة داوود الحمراء’ تقف عند مدخل وحدة الطوارئ في المركز الطبي ’زيف’ في صفد، شمال إسرائيل، 6 مارس، 2019. (David Cohen/Flash90)

في إحدى الحالات، وصلت امرأة سورية إلى الحدود مع ابنتها المصابة بمرض السكري والبالغة من العمر 10 أعوام بعد قصف قريتها. كانت الفتاة فاقدة للوعي واعتقدت الأم أنها ماتت. بعد وقت قصير من وصولهما إلى الحدود ، قام الجيش الإسرائيلي بنقلهما إلى زيف، حيث عولجت الطفلة لمدة ثلاثة أشهر.

خلال تلك الفترة، قام الطاقم الطبي بتدريب الأم على رعاية طفلتها بعد مغادرة الوحدة – حيث قام بتعليمها كيفية التحقق من مستويات الجلوكوز لدى ابنتها وكيفية إعطاء حقن الأنسولين. الطاقم الطبي أراد أن يضمن أن تكون الأم قادرة على الحفاظ على صحته ابنتها بعد مغادرتهما للمستشفى.

عندما قام المستشفى بتسريح الطفلةى، شعر زرقا بالخوف على مستقبل الأم وطفلتها. “كنا قلقين جدا خاصة بشأن ما يمكن أن يحدث لهذه الطفلة الرائعة عند عودتها إلى سوريا”، كما قال.

بعد ذلك بأربعة أشهر، عادت تلك الفتاة إلى زيف لإجراء فحوصات.

وقال زرقا: “رؤيتها على قيد الحياة وتكتسب وزنا وفي وضع أفضل… (يجعلك) تؤمن بأنك تغير شيئا ما”

وقال زرقا إن الطفلة عند عودتها قدمت له هدية: رسم للعلم الإسرائيلي مع قلب كبير واسمها عليه.

وكتبت على الرسم “تودا رابا” – “شكرا” باللغة العبرية.

بالنسبة لزرقا، فإن تجارب مثل هذه التجربة تكشف القدرة على التأثير على نظرة السوريين الذين قد يكونون في وضع آخر يمقتون الإسرائيليين من دون التعرف عليهم حقا. قد تكون هذه عينة صغيرة جدا، كما قال، لكن هذه الطفلة الصغيرة ستكبر وهي تشعر بامتنان للبلد الذي ساعدها عندما كانت عالقة في مأساة انسانية.

وقال زرقا: “ستؤمن أن الإسرائيليين ينقذون الأرواح، بأننا أشخاص طيبون. ربما يوما ما، ستكون لدينا علاقة مختلفة”.