إعلان حماس المفاجئ صباح الأحد عن نيتها تفكيك حكومتها في قطاع غزة له أهمية خاصة حيث أنه يأتي قبل أيام قليلة فقط من لقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخطبته التي سيلقيها أمام الأمم المتحدة.

قرار حركة “حماس” في شهر مايو تشكيل “لجنة إدارية” لإدارة قطاع غزة بدلا من حكومة عباس في رام الله دفع السلطة الفلسطينية إلى تقليص تمويلها إلى القطاع الساحلي، ما أثار أزمة الكهرباء الأخطر على الإطلاق التي شهدها القطاع.

حتى لو تم التعامل باستخفاف وتشكيك مع التزام “حماس” بتفكيك اللجنة الإدارية – وبالفعل، فذلك لا يبشر بنهاية الحركة أو رحيلها عن القطاع – ولكن لا يزال ذلك يُعتبر تنازلا كبيرا.

لأشهر عدة، قالت “حماس” إنه ستقوم بتفكيك اللجنة الإدارية فقط بعد أن تنهي السلطة الفلسطينية العقوبات الإقتصادية التي فرضتها على القطاع، بما في ذلك التقليص الكبير في دفع مستحقات الكهرباء. والآن، ومن دون شروط مسبقة، غيّرت “حماس” من نهجها وأعلنت أنها ستقوم بتفكيك اللجنة، والتي كانت المحفز الرئيسي للتصعيد الأخير في الأزمة بين الجانبين.

فضلا عن ذلك، جاء في إعلان “حماس”، الذي أصدره وفدها في القاهرة، إن المنظمة مستعدة لإجراء إنتخابات عامة في أقرب فرصة ممكنة، وإجراء مفاوضات مع عباس وحركة “فتح” التي يقودها، وتشكيل حكومة توافق وطنية.

قائد حماس الجديد في غزة يحيى السنوار والقائد السياسي الرفيع اسماعيل هنية، يشاركان في تشييع جثمان مازن فقهاء في غزة، 25 مارس 2017 (AFP Photo/Mahmud Hams)

قائد حماس الجديد في غزة يحيى السنوار والقائد السياسي الرفيع اسماعيل هنية، يشاركان في تشييع جثمان مازن فقهاء في غزة، 25 مارس 2017 (AFP Photo/Mahmud Hams)

في ظاهر الأمر، يبدو أن “حماس” أذعنت لمطالب عباس، ولا يمكن للتوقيت أن يكون أكثر أهمية.

في بداية الأسبوع الماضي قام وفد يضم رئيس المكتب السياسي للحركة اسماعيل هنية، وقائدها في غزة يحيى السنوار، بزيارة إلى القاهرة لإجراء محادثات مع أجهزة المخابرات المصرية حول وحدة فلسطينية. يوم الجمعة، وصل وفد من حركة “فتح”، بقيادة المسؤول الكبير في الحركة عزام الأحمد، إلى القاهرة لإجراء محادثات مع المصريين الذين يتوسطون بين الجانبين.

المشكلة الرئيسية مع التوقيت من وجهة نظر “فتح” هي أنه بعد ثلاثة أيام من المقرر أن يلتقي عباس بترامب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

لا يمكن للمرء إلا أن يتصور كيف سيُنظر إلى لقاء عباس مع الرئيس الأمريكي إذا كان وافق لتوه على تشكيل حكومة توافق مع الحركة الإسلامية، وخاصة إذا تحدث عن المصالحة مع “حماس” في خطابه أمام الأمم المتحدة.

وسيرغب عباس في الحصول على أجوبة من ترامب حول إلتزام إدارته الغير معلن بعد بحل الدولتين. سيكون من الغريب لعباس أن يتحدث عن دولة فلسطينية بعد أن وافق على مشاركة السلطة مع حركة تدعو إلى تدمير إسرائيل.

بالتالي، من المرجح أن تحاول “فتح”، في الأسبوع المقبل على الأقل، المماطلة في أي مفاوضات مع “حماس” لتجنب التوصل إلى اتفاق على الفور، حتى لو كان ذلك فقط للسماح بأن يمر اللقاء مع ترامب من دون مشاكل.

هذه المساعي مؤخرا من أجل الوحدة ليست الأولى في السنوات العشر الأخيرة منذ استيلاء “حماس” على السلطة في غزة في إنقلاب عنيف. الإتفاقيات التي تم التوصل إليها انهارت باستمرار عندما وصل الأمر إلى المسائل الجدية.

في أي اتفاق بين “حماس” و”فتح”، الشيطان يكمن في التفاصيل. من الذي سيدير غزة عمليا؟ ما الذي سيحدث لقوى الأمن التابعة لحركة “حماس” والمعابر الحدودية؟ هذه ليست سوى مجموعة قليلة من الأسئلة الرئيسية التي لا تزال تنتظر أجوبة لها.

ومع ذلك، من المهم التأكيد مجددا على أن قيادة “حماس” اليوم، مع هنية والسنوار، تختلف بشكل جذري عن قيادة سلفهما خالد مشعل.

أثبت السنوار أكثر من مرة أن الصعود إلى السلطة يحوّل بشكل جذري منظور الشخص وأولوياته.

العضو الكبير السابق في حركة ’فتح’ في المنفى محمد دحلان يشارك في جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة غزة عبر الفيديو من الإمارات في 27 يوليو، 2017 في أعقاب التطورات في المسجد الأقصى. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

العضو الكبير السابق في حركة ’فتح’ في المنفى محمد دحلان يشارك في جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة غزة عبر الفيديو من الإمارات في 27 يوليو، 2017 في أعقاب التطورات في المسجد الأقصى. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

فقد تبين أنه زعيم برغماتي يدرس تحركاته ويظهر حذرا كبيرا، على عكس سمعته في الماضي باعتباره شخصا متطرفا.

فلقد تقرب السنوار من رجل “فتح” القوي سابقا في غزة محمد دحلان، الذي يكره “حماس”، ووافق على اتخاذ خطوات دراماتيكية لتهدئة مصر، بما في ذلك اعتقال أعضاء من تنظيم “داعش” ووضع حد للتهريب عبر الحدود.

في غضون ذلك، يقوم هنية بتنفيذ السياسات نفسها التي اتبعها خلال السنوات التي قاد خلالها “حماس” في غزة. تم تعيينه رئيسا للمكتب السياسي للحركة قبل بضعة أشهر باعتباره رجلا من الشعب، وبالتالي يمثل الشعب إلى حد كبير.

لقد أظهر هذا التوجه خلال الحرب مع إسرائيل في عام 2014، عندما خرج ضد المكتب السياسي في الضغط على التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وهو يتبع النهج نفسه في الوقت الحالي. يدرك هنية، مع أمل ضئيل في الأفق، أن الأزمة الإقتصادية الحادة يمكن أن تنتهي بواحدة من طريقتين: حرب مع إسرائيل، التي يمكن أن تقوض قيادة الحركة وتحوّل السكان ضدها، أو “ربيع غزة” والذي قد يأتي بنتائج مماثلة.

أفضل ما يمكنه القيام به في ظل هذه الظروف هو التوصل إلى تسوية، حتى لو اعتبروا آخرون ذلك إذعانا.