فتحي حماد، وزير الداخلية السابق في حكومة حماس، بدا مستفزا كعادته، يوم الأربعاء عندما وصف المذنبين لوضع قطاع غزة. “حكومة الوحدة والرئيس (محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية) هم جزء من الحصار على قطاع غزة، وجزء من العقبة أمام إعادة إعمارها”.

هذه ليست أقوال مستغربة خاصة عندما تأتي من أحد أكثر الزعماء تطرفاً العاملين حاليا في قيادة حماس في غزة.
مع ذلك، وعلى النقيض من مسؤولين آخرين في المنظمة، أكثر أو أقل تطرفا، يعمل فتحي حماد بشكل مستقل في الأشهر الأخيرة. ونجح بإنشاء فرق مسلحة رغم معارضة القيادة، فرق عاملة تحت قيادته، وضد أهداف فتح في قطاع غزة. ‘الذراع السرية’ أو الآلية السرية التي أقامها، هاجمت قبل شهرين 13 منزلا لمسؤولي فتح. وقبل شهر من ذلك، المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة العامل هناك، والأسبوع الماضي منزل المتحدث بإسم حكومة المصالحة، إيهاب بسيسو.

لا يخفي حماد آرائة المتطرفة ضد المصالحة مع عباس أو فتح، وشارك يوم الأربعاء في اجتماع رمزي للمجلس التشريعي في غزة من أجل توصيل رسالة للسلطة: انتهت صلاحية حكومة المصالحة الوطنية. لا تزال حماس تسيطر على قطاع غزة.

هذه الرسالة بعيدة عن كونها مقبولة على جميع قادة حماس في غزة والخارج. على العكس من ذلك، وفقا لمصادر فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية ومصادر إسرائيلية وعربية فإن المنظمة منقسمة الآن بين نهجين مختلفين جدا، وهو أمر يهدد بتقسيم الحركة.

فتحي حماد هو الممثل الأبرز للمتطرفين، الذي يسعى لمنع كل إحتمال للتخلي عن السيطرة على غزة أو لمصالحة مع فتح. إلى جانبه عدد آخر من كبار الجناح العسكري، فضلا عن مقربين لإيران في الجناح السياسي. على سبيل المثال، محمد نصار، الذي حافظ على علاقات وثيقة مع الحكومة الإيرانية. يوم 24 ديسمبر، إلتقى نصار مع علي لاريجاني، رئيس البرلمان الإيراني كجزء من محاولة المنظمة للتصالح مع طهران، وأيضا القائد العسكري مروان عيسى يعتبر قريبا إلى حماد، ومع ذلك، لا يتم إخطاره حول أي من الخلايا السرية المستخدمة من قبل وزير الداخلية السابق.

من ناحية أخرى، هناك سلسلة من ‘سياسيي’ حماس، يحاولون إختبار طريق جديد للتنظيم، وربما حتى التخلي عن المقاومة العنيفة. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر عربية أسماء مثل موسى أبو مرزوق، الموجود حاليا في غزة، خليل الحية من غزة وإسماعيل هنية الذي انضم إليهم مؤخرا. وحتى أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل يدعم خط أكثر اعتدالا.

الى أين يتجه كل هذا؟ الطريق إلى إنقسام رسمي لا تزال طويلة. ولكن هذه بالتأكيد إحدى أصعب الفترات في تاريخ المنظمة، وخصوصا في ظل الواقع الإقليمي الناشئ من حولها: تراجع قوة الإسلام السياسي في جميع أنحاء العالم العربي وتزايد العداء مع مصر.

الثورة المضادة في مصر، إنهيار الإخوان المسلمين هناك، وتخلي المنظمة عن السلطة في تونس حطم أحلام حماس. سرعان ما وجدت المنظمة نفسها معزولة، وحتى مضطهد من قبل المصريين. قرار القاهرة برئاسة عبد الفتاح السيسي لتدمير الأنفاق بين سيناء وقطاع غزة، أدى أيضا إلى إغلاق عدد من مصادر تمويل حكومة حماس في غزة. ربما توقعت المنظمة أن تقوم حكومة المصالحة وأبو مازن بإنقاذهم ودفع رواتب موظفيهم، ولكن رفض عباس ذلك.

أملت حماس بأن التصعيد ضد إسرائيل قد يمهد لخروجها من الأزمة، ولكن ما حدث في الواقع هو العكس. عانت غزة والحركة في الحرب الأخيرة من ضربة كبيرة خلفت عشرات الآلاف بلا مأوى، دون أن تكون حماس قادرة على المساعدة في إعادة تأهيلهم. والآن أيضا وبعد أشهر من انتهاء الحرب، لا تسارع السلطة للمساعدة في تشغيل المعابر الحدودية مع إسرائيل ومصر والحصار المفروض على قطاع غزة ما زال كما هو.

وهنا نشأ النهج التصالحي لدى حماس والذي يسعى إلى مصالحة شاملة مع السلطة الفلسطينية والتخلي عن السلطة في غزة، في حين أن فتحي حماد والقوة العسكرية يرفضون ذلك تماماً. بالنسبة لهؤلاء، فإن التخلي عن قطاع غزة ليس بأمر وارد، وبالتالي نشأ النهج الأكثر راديكالية، والذي يدفع للتصعيد ضد حركة فتح في غزة لإحباط المصالحة. في الوقت الحالي، لا يدفع حماد أيضا لمواجهة مع إسرائيل، ولكن لا يمكن الإستبعاد أن يعمل في المستقبل القريب أيضا على ذلك.

تنعكس الفجوة بين المواقف أيضا في السياق الإقليمي. يطلب ‘المعسكر المعتدل’ انعقاد ‘مجلس الشورى’، قيادة المنظمة، لتغيير السياسة وأيضا للتصالح مع المصريين. القاهرة، من جانبها، وضعت شروطا واضحة للتقارب مع حماس: تسليم الإرهابيين المطلوبين في مصر والمختبئين في غزة, وتسليم جميع الفلسطينيين من غزة الذين ساعدوا في تدريب وتمويل خلايا الإرهاب في سيناء وتسليم نشطاء حماس أو غيرها من المنظمات الذين كانوا في السجون في مصر وهربوا تحت جنح الثورة الأولى. على رأسهم أيمن نوفل، من قياديي الجناح العسكري، كتائب عز الدين القسام.

مقابل جهود التصالح مع مصر، حاولت قيادة حماس في الخارج أيضا استكشاف إمكانية استئناف الإتصالات مع طهران، وخاصة في المجال الإقتصادي. لكن إيران مررت رسائل واضحة لحماس بأنها إذا أرادت تلقي تمويل إيراني، عليها تغيير موقفها من بشار الأسد، أو وبعبارة أخرى، الطريق إلى طهران تمر عبر دمشق. وحتى الآن على الأقل، يرفض الأسد أي محاولة للمصالحة مع حماس، وبعث برسالة للحركة بانه غير مستعد للتقارب طالما أن خالد مشعل هو من يقف على رأسها.

أمل بعض قادة حماس بأن بقوم حزب الله بالمساعدة في إصلاح العلاقات مع ‘المحور الشيعي’. طلب أسامة حمدان، ممثل حركة حماس في لبنان، في أواخر نوفمبر اللقاء مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، لكن تم رفض طلبه. بدلا من ذلك، إلتقى مع ممثل للمنظمة وهو وفيق صفا. لقد تم تناول طلب حماس للسماح لصالح العروري، الذي يشرف على تشغيل خلايا إرهابية في الضفة الغربية ويقيم في تركيا، لنقل قاعدة عملياته إلى الضاحية في بيروت, معقل حزب الله. وأتى ذلك بعد ضغط من الولايات المتحدة على أنقرة لوقف السماح بقيادة ا لعمليات العسكرية لحماس من أراضيها. العروري، للتذكير فقط فإن العروري أعلن رسميا عن مسؤوليته في اختطاف وقتل الفتية الإسرائيليين الثلاثة في يونيو الماضي.

رفض ممثل حزب الله، صفا، طلب حماس.

في الوقت نفسه، تستمر تركيا في إستضافة عددا من قادة حماس. بالإضافة إلى العاروري انتقل أيضا عماد العلمي إلى أنقرة، عقب حادث خطير وقع خلال الحرب والذي تبقى ظروفه غير واضحة كليا. أصيب العلمي بجروح خطيرة في ساقيه. صدرت أولا تقارير عن تحطم رافعة في أحد الأنفاق وسحقت ساقيه. في وقت لاحق صدرت مزاعم بأن أحد قادة الجناح العسكري أطلق عليه النار خلال جدال حاد.

خلاصة القول، اختار العلمي عدم العودة إلى قطاع غزة. وتم ذكر اسمه أيضا بأنه أحد المطالبين بإبعاد فتحي حماد من صفوف الحركة، وعقد ‘مجلس الشورى’ حول وضع سياسة جديدة.

حاولت أنقرة عدة مرات في الأسابيع الأخيرة التوفيق بين عباس ومشعل، ودعت عباس لزيارتها. في الواقع أتى عباس إلى أنقرة في وقت سابق هذا الأسبوع، لكن في الوقت نفسه يرفض المحاولات التركية لإستئناف المحادثات مع قيادة حماس.