سألت صحيفة “الشرق الأوسط” الناطقة بالعربية قراءها مؤخرا “مع من تقف: إيران أم إسرائيل؟”.

كاتب المقال، ويُدعى عبد الرحمن الراشد، هو محرر مخضرم لعدد من وسائل الإعلام التي تلقى دعما حكوميا في السعودية، وصحيفة “الشرق الأوسط” هي واحدة من أكثر الصحف المرموقة في العالم العربي.

ويكتب الراشد في المقال “سؤال محرج جدا لأنه ينقض كل المفاهيم التي بنيت عليها ثقافتنا السياسية”، لكنه يؤكد مع ذلك على أن إعادة التفكير بالعلاقة السعودية مع اسرائيل هي السبيل الوحيد للمضي قدما.

مع بدء ظهور العلاقة بين السعودية وإسرائيل للعلن، يجري الإعلام السعودي نقاشا محتدما حول التطبيع مع الدولة اليهودية، وذلك باستخدام المقالات وتويتر وفيديوهات واسعة الانتشار.

لطالما كانت العلاقات بين إسرائيل والأنظمة الملوكية المحافظة في الخليج سرا معروفا. ولكن في الأشهر الأخيرة، أبدت الحكومات على جانبي البحر الأحمر إشارات تضامن علنية وآخذة بالازدياد، بدءا من تقارير تحدثت عن اجتماعات دبلوماسية عُقدت في مصر وصولا إلى تغريدات داعمة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

يقول سايمون هندرسون، وهو محلل ومراقب للشؤون السعودية في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، لتايمز أوف إسرائيل، إن الخوف المشترك من النفوذ الإيراني وصعود الإصلاحيين في السعودية والرغبة لدى النخب في اجتياز القضية الفلسطينية فتحت الباب أمام عهد جديد.

الإصلاحي الذي يدور الحديث عنه هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والذي نُسبت إليه جزء كبير من هذه المغازلات الدبلوماسية رفيعة المستوى.

ويقول هندرسون: “يعتبر بن سلمان القضية الفلسطينية قضية للتسوية وليس لعرقلة العلاقات مع إسرائيل (…) لم تعد (القضية) ذات أهمية قصوى. إن القضية الأهم هي إيران”.

في مقابلة أجريت معه مؤخرا في مجلة “ذي أتلانتيك”، أكد بن سلمان حق إسرائيل بالوجود، وقال للصحافي جيفري غودلبرغ إن للإسرائيليين “الحق بأن تكون لديهم الأرض الخاصة بهم”.

سايمون هندرسون، الباحث في معهد سياسة الشرق الأدنى، يتحدث حول الخصومة الشديدة بين السعودية وإيران خلال حدث لمنظة AIJAC في ملبورن، أستراليا، 2 سبتمبر، 2016. (لقطة شاشة: Youtube)

قد تكون تصريحات بن سلمان قد فاجئت المراقبين الغربيين، ولكن في الإعلام السعودي الحكومي، مرت هذه التصريحات مرور الكرام، مع استثناء واحد، وهو موقع “الخليج الجديد” المدعوم من قطر، لم تقم أي وسيلة إعلام سعودية بإبراز التصريح المتعلق بإسرائيل في عناوينها.

بعض الصحف نشرت ترجمة للمقابلة، ولكن مع تركيز مختلف نوعا ما عن العديد من المراقبين الإسرائيليين. جريدة “عكاظ” السعودية كتبت في عنوانها “ولي العهد: إيران والإخوان والإرهابيون.. مثلث الشر”. أما صحيفة “الرياض” الاقتصادية التي تقرأها نخبة الرجال الأعمال، فكتبت في عنوانها الرئيسي: “ولي العهد : ليس هُناك ما يسمى بالوهابية”.

بالنسبة لاعتراف ولي العهد السعودي بحق إسرائيل في الوجود؟ فإن صياغة الكلمات بالعربية قد تترك مساحة للتأويل. بن سلمان قال ل”أتلانتك” إن “للإسرائيليين والفلسطينيين الحق بأن تكون لديهم أرضهم الخاصة”. صحيفتا “عكاظ” و”الرياض” تستخدمان كلمة “أرض” بالعربية، والتي تشير إلى ملكية خاصة للأفراد وليس إلى الحق القومي بامتلاك وطن أو دولة.

بغض النظر، فإن المراقبين الغربيين ليسوا الوحيدين الذين يشتعرون المشهد الإعلامي المتغير.

في مقال كتبه في “الخليج الجديد”، يتهم الصحافي السعودي محمد الجوهري “الأسلحة الإعلامية” الموالية لبن سلمان بـ”وضع الأساس للتطبيع مع إسرائيل” ويحذر مما يصفه ب”عقال مزين بنجمة داوود”.

وكتب الجوهري أيضا “قامت كتيبة كاملة من الكتاب السعوديين بتجنيد أقلامهم لهذه المهمة: تصفية القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل”.

فلسطينيون يستعدن لحرق العلم الإسرائيلي وصور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودية محمد بن سلمان خلال تظاهرة عند السياج الحدودي مع إسرائيل، شرقي مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة، 13 أبريل، 2018. (AFP PHOTO / Thomas COEX)

مملكة الإعلام

تمتلك السعودية مشهدا إعلاميا معقدا، حيث تمارس الحكومة سيطرة كبيرة على الصحافة. وتشمل أبواق الحكومة “وكالة الأنباء السعودية” وموقع “عرب نيوز” وقناة “العربية”.

وهناك أيضا صحف فكرية مثل “الشرق الأوسط” و”الحياة”، التي تلمكها السعودية وتؤثر عليها، ولكنها ليست تماما دمى حكومية. وهناك حتى صحف شعبية مثل “عكاظ”، التي تتمتع بشعبية واسعة ومملوكة بشكل مستقل؛ وقد وُصفت هذه الصحيفة بأنها “أقرب ما تملكه المملكة لنيويورك بوست”.

وقال هندرسون إن “جميع [وسائل الإعلام السعودية] تخضع لسيطرة الحكومة ولتأثير الحكومة، فعلى سبيل المثال يعكس موقع عرب نيوز بشكل مباشر حملة العلاقات العامة لمحمد بن سلمان. هذه الحملة تؤكد الإيجابيات طوال الوقت، ومع ذلك هناك الكثير من الأخبار السيئة عن إسرائيل”.

يريد محمد بن سلمان من وسائل الإعلام التحدث عن العلاقة الجديدة والأوثق مع إسرائيل على أنها ايجابية، كما يقول هندرسون. وعلى الرغم من التوق إلى مزيد من التطبيع الاقتصادي والثقافي، إلا أن صراع إسرائيل مع الفلسطينيين لا يزال يشكل عقبة رئيسية.

وتحافظ وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة على خط مماثل بشكل سطحي عند تغطيتها للنزاع. حيث يتم الحفاظ على لهجة خطابية تجاه إسرائيل في القصص الإخبارية والبيانات الصحفية: مثل هضبة الجولان “المحتل” والقدس “هي قلقنا الأهم”، بينما يوُصف قتلى النزاع بـ”الشهداء”. وغالبا ما تعرض قناة “العربية” موادا تنتقد فيها إسرائيل، مثل اللقطات التي بثتها في شهر فبراير عن جنى جهاد، وهي صحافية فلسطينية صغيرة السن وابنة خالة عهد التميمي.

عهد التميمي تصل إلى بداية محاكمتها في المحكمة العسكرية في عوفر في الضفة الغربية في 13 فبراير / شباط 2018. (Thomas Coex/AFP)

إلا أن هندرسون يعتقد بأن التغطية آخذة بالتغير، ففي حين أن بعض وسائل الإعلام مثل و”كالة الأنباء السعودية” و”عرب نيوز” قد لا تكون رسمت خطا واضحا حتى الآن، فهي تحاول الحفاظ على نهج إيجابي حتى في تغطيتها للأحداث الأخيرة في غزة، على حد قول هندرسون.

وقال هندرسون: “أنا أشعر بالعذابات التي يمرون بها. من ناحية انطباعية، أنا أشعر أن ما ينقلونه الآن نابع عن حزن أكثر من غضب”.

قد تشير الإغفالات الصغيرة أيضا الى استراتيجية تتبعها الحكومة في محاولة لتحويل انتباه الجمهور عن انتقاد إسرائيل. نديم قطيش هو صحافي لبناني يتم نشر مقاطع الفيديو الخاصة به على موقع قناة “العربية”. نشاطه المناهض لمنظمة “حزب الله” جعله يحظى بشعبية كبيرة في السعودية، حيث تحصل مقاطع الفيديو الخاصة به على موقع “قناة العربية” عادة بمئات آلاف المشاهدات.

غير أن فيديو قطيش عن الأحداث الأخيرة في غزة، التي وصفها ب”مجزرة” كان غائبا بشكل ملفت عن أرشيف “العربية”.

في الوقت نفسه، بدأ عدد متزايد من المفكرين السعوديين، والعديد منهم من أشد المؤيدين لمحمد بن سلمان، بالدعوة علنا إلى التطبيع مع إسرائيل. وينشر الكثيرون منهم مقالاتهم في نفس الوسائل الإعلامية التي تتبع لهجة قاسية ضد إسرائيل في مقاطعها الإخبارية.

وقد كتب حمزة بن سالم، الصحافي في موقع “ذا بينيسولا” السعودي: “اذا عقد سلام مع اسرائيل… ستصبح المحطة السياحية الاولى للسعوديين”.

ويشير الكثير من الصحافيين الذين يدعون إلى التطبيع، سواء عبر التغريدات أو من خلال مقالات، إلى شيطانية “حماس”. في تصريحاته لمجلة “ذي إتلانتيك”، وصف بن سلمان “مثلث الشر”، الذي لا يضم إيران والمنظمات السنية الإرهابية فحسب، بل حركة “الإخوان المسلمون” أيضا.

توضيحية: رجال وأطفال عراقيون يحرقون العلمين الأمريكي والسعودي خلال مسيرة بمناسية ’يوم القدس العالمي’ التي تنظمها وحدات ’الحشد الشعبي’ في مدينة البصرة جنوب العراق، 23 يونيو، 2017. (AFP PHOTO / HAIDAR MOHAMMED ALI)

يعتبر بعض السعوديون حركة “حماس”، وهي منظمة تتلقى دعما إيرانيا وكانت حتى قبل وقت قريب فرعا لجماعة “الإخوان المسلمون”، عدوا طبيعيا للمشروع السعودي الليبرالي الجديد.

وغرد المدون السعودي منصور الخميس أن “إيران تلعب لعبة خبيثة في غزة بالتعاون مع حماس فيحشدون لإثارة الفوضى”.

وأضاف الخميس أن “مسيرة العودة” يجب أن يُطلق عليها اسم “مسيرة المولوتوف”، في إشارة إلى المتفجرات البدائية التي استخدمها عناصر “حماس” خلال الاحتجاجات الأخيرة في غزة.

صحافيون آخرون مؤيدون للتطبيع أكدوا على الدعم السعودي المستمر للقضية الفلسطينية.

وغرد الصحافي تركي الحمد الموالي لبن سلمان: “قد يعتقد البعض أنني ضد النضال الفلسطيني، لكن هذا غير صحيح. لقد عانينا لأجل فلسطين منذ 1948… لكن التمنية متوقفة بالنسبة لفلسطين، ويتم قمع الحريات بسبب فلسطين. وإذا تم إنشاء فلسطين يوما فستكون مجرد دولة عربية متخلفة أخرى. هذا يكفي!”.

هذه الأفكار رردها أيضا الصحافي في صحيفة “عكاظ”، هاني الظاهري. في 5 مايو، نشر الظاهري مقال رأي أكد فيه على أن للسعودية الكثير لتكسبه من العلاقات المفتوحة مع إسرائيل – وعلاوة على ذلك، فالجميع يفعل ذلك.

وكتب الظاهري في “عكاظ”: لا يوجد دولة في هذا العالم دعمت القضية الفلسطينية بالمواقف السياسية والأموال الطائلة وأيدت حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم مثل المملكة العربية السعودية… دون أن تنتظر جزاء أو شكرا من أحد”، وأضاف “دول عربية وإسلامية أخرى تقيم علاقات دبلوماسية معلنة مع إسرائيل منذ سنوات طويلة، وبينها وبين الإسرائيليين تبادل تجاري بمئات مليارات الدولارات”.

واختتم الظاهري مقاله بالقول إنه يمكن للسعودية “بكل بساطة أن تقول طالما جلس السياسي الفلسطيني على طاولة التفاوض مع الإسرائيلي فلا شيء يمنع السعودية من الجلوس على نفس الطاولة”.

رجل إيراني يحمل لافتة تحمل صورا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والملك السعودي سلمان، خلال مسيرة لإحياء ’يوم القدس’ في طهران، 23 يونيو، 2017. (AFP PHOTO / STRINGER)

ليس احتكارا تاما

ولكن مع صعود شبكات التواصل الاجتماعي، فلقد أصبح لدى السعوديين خيارات إعلامية أكبر من أبواق الدعاية الحكومية. فبالإضافة إلى الصحافة التي تملكها الحكومة، استفادت شبكة من المدونين ومستخدمي “تويتر” من شبكات التواصل الاجتماعي لتقديم تحليلهم الخاص للسياسة السعودية. وينشط أكثر من ثلث سكان البلاد على “تويتر”، حيث يقومون بانتاج أكثر من 150 مليون تغريدة في الشهر.

بعد وعد ترامب المثير للجدل في شهر أكتوبر بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي السعودية مقطع فيديو: “أحقر عشر كتاب سعوديين دعوا إلى التطبيع مع إسرائيل”. القائمة تضمت كل من الراشد وتركي الحمد.

في الفضاء الإلكتروني، خففت الحكومة من القيود المفروضة على حرية التعبير إلى حد ما، ومن المرجح أكثر أن يتحدى السعوديون الاتجاه الجديد للمملكة. وفي حين أن الصحف الموالية للحكومة أظهرت مواءمة أكبر في نشر مقالات تدعو إلى التطبيع، فإن “تويتر” السعودي أظهر تسامحا أقل.

على سبيل المثال، لاقت دعوة الظاهري إلى إجراء مفاوضات إدانة واسعة من السعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال أحمد بن راشد بن سعيد، وهو أحد أشهر مستخدمي “تويتر” في السعودية: “إن التنمر الصرف لا يستحق أي رد. وأضاف “فلسطين هي نضال أمتنا، لا للتطبيع”.