نيويورك – وصل وليام مهرفارز إلى مطار جون كنيدي الدولي في 9 نوفمبر 2017، مع حقيبة واحدة ومبلغ 200 دولار في جيبه.

داخل الحقيبة، كان هناك كتاب للصلاة بالعبرية، و “كيباه”، وشمعدان حانوكا محتضن بين ملابسه المعبئة على عجل. عادية في التصميم، كانت الأشياء رائعة لما تمثله – حلم الطفل البالغ من العمر 25 عاما أن يعيش علانية كيهودي.

وهنا المفاجأة: مهرفارز ولد مسلما في إيران.

“لا أحد يستيقظ في أحد الأيام ويقول: سأغادر بلدي إلى الأبد. سأغادر عائلتي وسأبدأ من جديد”، قال مهرفارز لصحيفة التايمز أوف إسرائيل في مقهى في سوهو في منهاتن.

لكن هذا بالضبط ما فعله بسبب مخاوف من تهمة الردة للتحول إلى اليهودية. بموجب القانون الإيراني، يمكن للمسلم الذي يترك إيمانه أو تحوله إلى دين آخر أن يواجه عقوبة الإعدام.

في حين أن مستقبله في الولايات المتحدة غير مؤكد – من المرجح ألا يتم الاستماع إلى قضية اللجوء إلا في عام 2020 – قال مهرفارز إنه يشعر أنه يستطيع التنفس للمرة الأولى في حياته.

“نيويورك مدينة قاسية، لكن يمكنك أيضا البدء من هنا”، قال مهرفارز.

مهرفارز هو على بعد شهرين من الانتهاء من فصول التحويل في مركز “المدينة المحافظة” و”كنيسة القرية” في الجانب الشرقي الأدنى من نيويورك. انضم الى كلية الدراسات العامة بجامعة كولومبيا، وهو يعمل للحصول على لقب في حقوق الإنسان. ومثل العديد من سكان نيويورك، طور علاقة حب وكراهية مع مترو الأنفاق.

خلال رحلة إلى وارسو، بولندا في عام 2016، زار طالب اللجوء مقبرة الجنود البولنديين وقام برحلة جانبية إلى كراكاو لزيارة أوشفيتز. (Courtesy: William Mehrvarz)

من المقرر أن يجري مقابلة عمل في وقت لاحق اليوم، حيث كان مهرفارز الذي يتمتع حاليا بوضع الحماية المؤقتة في الولايات المتحدة يرتدي بدلة مقلمة بألون القوات البحرية وقميصا منقوشا باللون الوردي والأبيض وربطة عنق زهرية.

عندما ولد مهرفارز، سمّاه والديه المحامين رضا، وافترضوا أنه إن لم يصبح متدينا فسيكبر على الأقل محترما لدينه وراضٍ عنه.

حتى عندما كان يبلغ من العمر 13 عاما ذهب إلى مخيم في شمال إيران لأطفال المحاربين السابقين في حرب إيران والعراق. هناك أصبح صديق فتى مسيحي أرمني الذي حجب مهرفارز اسمه لحماية هويته. وسمح الصبي لمهرفارز بقراءة كتاب التواره باللغة الفارسية.

كان العهد الجديد غير مألوف بالنسبة له تماما مثل العديد من إشارات الثقافة الشعبية ​​التي يلتقي بها الآن بشكل منتظم حيث يعيش هنا كلاجئ. على النقيض من ذلك، بما أنه كبر واعيا بشأن اليهود وعلاقتهم بالعهد القديم، كانت قصص هذا العهد مألوفة. في نهاية الصيف، شارك معرفته الجديدة مع والده.

كان هذا الشمعدان واحدةمن الأشياء القليلة التي أخذها وليام معه عندما غادر إيران. (Courtesy: William Mehrvarz)

“اعتقدت أنه سيكون سعيدا باكتشافي. لكنه لم يكن كذلك. في البداية كان مرتبكا بأسئلتي، وفي وقت لاحق كان غاضبا”، قال مهرفارز.

غضب والده لم يخمد رغبته في معرفة المزيد. في الواقع، زاد اهتمامه باليهودية. استخدم شبكة افتراضية خاصة للتحايل على قوانين الرقابة الإيرانية للحصول على المعلومات.

فضوله العلمي الملح أغضب معلميه وأهله. في البداية سعى والده للحصول على مشورة من بعض الملالي الذين عرفهم. وفي النهاية، قام والديه بإلزامه بمستشفى للأمراض النفسية على المدى القصير في سن 15 عاما.

جاء ثلاثة رجال إلى غرفتي وأخرجوني. كان الأمر مريعا. استمر الأطباء النفسيون في سؤالي عن سبب اعتقادي بأنني يهودي، ولماذا كنت أتصرف بهذه الطريقة. “تعلمت أن أبقي فمي مغلقا، وبعد أسبوعين، خرجت. بدأت أتظاهر بأنني مسلم ملتزم. أقرب أبناء عمومتي وأصدقائي عرفوا الحقيقة فقط”.

يهودي في الخزانة

في جيل 15، بدأ مهرفارز أيضا أكل طعام كوشير، متظاهرا بأنه نباتي. تعلم أساسيات اليهودية على المواقع الفارسية مثل iranjewish.com و7dorim.com. لم يكن ليتعلم عن الطوائف المختلفة أو أن اليهود المتدينين يغيرون الأطباق في عيد الفصح حتى وقت متأخر.

مع مرور الوقت نمت رغبته في مغادرة إيران. تقدم إلى مدرسة ثانوية في ألمانيا، لكن طلبه رُفض. كان مكتئبا، ترك المدرسة، حيث كان يعاني من مشاكل مع معلمه. على الرغم من أن والديه أصيبا بخيبة أمل، إلا أن مخاوفهم قد خفت إلى حد ما عندما أكمل متطلبات التخرج في المدرسة الليلية ودرس في جامعة جامعة العلامة الطباطبائي في طهران.

ويليام ميهفارز في بولندا خلال صيف عام 2016. (Courtesy: William Mehrvarz)

في ذلك الوقت تقريبا بدأ التطوع والسفر مع الرابطة الدولية للطلاب في الاقتصاد والعلوم التجارية. المنظمة غير الحكومية التي مقرها روتردام تتبع لإدارة شؤون المعلومات العامة بالأمم المتحدة. (على الرغم من المكالمات المتكررة ورسائل البريد الإلكتروني، لم يتمكن الوصول إلى المنظمة للحصول على تعليق).

في صيف عام 2016 سافر مهرفارز عن طريق المنظمة إلى وارسو، بولندا لعقد مؤتمر لمدة 10 أيام. وقام برحلة جانبية إلى كراكوف وزار أوشفيتز.

“شعرت في ذروة هويتي اليهودية هناك. أدركت مدى المعاناة اليهودية، وهو أمر لم يكن لدي أي فكرة عنه لأنه مُنكر في إيران. لقد تأثرت كثيراً، كانت لحظة عصيبة للغاية”، قال.

أجهاض زوجته أدى الى ولادته اليهودية

حتى الآن، تزوج مهرفارز من امرأة مسلمة علمانية، قال إنها وافقت على إخفاء علاقته باليهودية. لقد قرروا أنها ستبقى علمانية، وسوف يتحول، ويربون أطفالهم كيهود. كما وافقوا على الهجرة، في وقت ما، إلى وجهة غير محددة.

ثم أجهضت زوجته وتفكك الزواج.

في إحدى الليالي أثناء مشاحنة أمام أهل زوجته، كشفت زوجته أن مهررفار يمارس الطقوس اليهودية. هددت حماته بالاتصال بالشرطة. منتزعة هاتفه ودفعته داخل غرفة.

في تلك اللحظة، وصل والدا مهرفارز، اللذان تمت دعوتهما أيضا لتناول العشاء. الشاب الذي يرتدي نظارة طبية ركض أمام الجميع إلى المنزل وحزم حقائبه. وبعد ساعات، كان الشاب البالغ من العمر 23 عاما في حافلة إلى أرمينيا.

ذهب ويليام ميهفارز أحيانًا الى هذا الكنيس في الخفاء. (Courtesy: William Mehrvarz)

“كان صعبا جدا. لم يكن لدي وقت لأودع والدي ولكني كنت أعرف أن هذا هو الخيار الوحيد وسأقوم به”، قال.

من أرمينيا، توجه إلى جورجيا وحصل على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، قبل ثلاثة أشهر من قيام إدارة ترامب بسن حظر على السفر. كما اتصل بصديقه كريستوفر هاريس الذي عاش في نيويورك، وقابله من خلال CouchSurfing.com وبقي معه لمدة خمس ليال في ديسمبر 2016 أثناء رحلة إلى بولندا.

“أنا أسمّيه مخلّصي. لقد كان الشخص الوحيد الذي أعرفه في أمريكا”، قال مهرارز.

دفع هاريس ثمن رحلة مهرفارز ودعاه إلى النوم على أريكته.

“لا أتذكر إذا اتصل بي من أرمينيا أو جورجيا، لكنني أتذكر أنني قلت إنه يستطيع البقاء معي. قلت له إنه ربما سيحصل على حق اللجوء”، قال هاريس.

كتاب للصلاة اليومية للشباب باللغة الفارسية، تم منحه إلى ويليام ميهفارز من صديق في مدينة نيويورك. (Courtesy: William Mehrvarz)

مر شهرين. شعر مهرفارز بأنه تجاوز فترة الترحيب به وذهب إلى ملجأ للمشردين. بعد أربعة أشهر، دعاه زوجان في معبده للإقامة في شقة في بروكلين. (رفضوا التعليق من أجل هذه القصة).

بدأ مهرفارز دروس التحول حين كان يعيش معهم والالتحاق بجامعة كولومبيا.

المساعدة في الإشراف على تحويل مهرفارز هي الحاخامية براونين مولين، الحاخامية الفنانة المقيمة في كنيس في منهاتن. قابلته بالصدفة بينما كان يعمل في مطعم في منهاتن.

“في الحقيقة كان رد فعلنا على قصته مجرد التقبل. أردنا تحويله على الفور”، قالت مولين.

وافق الكنيس على دعم دروس تحويل مهرفارز وطقوس البار متسفا كبالغ، والتي ستعقد في أكتوبر. يقرأ الآن العبرية بطلاقة من كتاب الصلاة.

“مشاهدة ويليام يكبر كان مذهلا. إنه يمتلك هويته الآن، وهي ليست معجزة صغيرة بالنظر إلى مكان مجيئة. نحن نعتبره حقا جزءا من عائلتنا وأينما ذهبنا، نأمل أن يفكر دائما في كنيس البلدة والقرية كمنزل له”، قالت مولين.

في حين أن تحوّله سيُعترف به في حركة المحافظين، فإن مهرفارز يريد أيضا أن يمر بتحول أرثوذكسي حتى يتم قبوله في الجالية اليهودية الفارسية. وبسبب ذلك، فإنه يتعلم النمط الفارسي من التوراة وهو يتقن تنويع القراءة من اجل البار متسفا، كما قالت مولين.

العيش في طي النسيان

بعد مرور عام تقريبا على وصوله إلى الولايات المتحدة، قال مهرفارز إن الشعور “بكونه في حالة من عدم اليقين، وكونه عديم الجنسية هو أمر صعب للغاية”. بينما يتمتع بتمثيل قانوني، يتحدث عن خوفه من إعادته إلى إيران في فيديو قصير على يوتيوب.

بالإضافة إلى القلق بشأن ما إذا كان سيحصل على اللجوء، قال صديقه هاريس إنه يرى كفاحه مع ما يعنيه أن يكون يهوديا في أمريكا.

“إن تعلم كل الثقافة اليهودية هنا، والسياسات اليهودية المختلفة عن إسرائيل، وحول ما يعنيه أن تكون يهوديا ومن ممكن أن يكون يهوديا، يمكن أن يكون ساحقا له في بعض الأحيان”، قال هاريس.

على الرغم من أن طالبي اللجوء يمكنهم التقدم في ميناء الدخول، إلا أنهم ليسوا مجبرين. مع ذلك، يجب على المرء أن يتقدم في غضون عام واحد من وصوله إلى الولايات المتحدة، وفقا لوزارة الخارجية الأمريكية.

“لم أسأل في المطار لأنني كنت أعرف أنني سأحتجز على الفور، ولم يكن لدي أي دليل معي لدعم طلبي”، قال مهرفارز.

يجب على طالبي اللجوء أن يثبتوا أنه لديهم خوف مبرر من التعرض للاضطهاد بناء على واحد أو أكثر من خمسة أسباب: العرق، الدين، الجنسية، العضوية في مجموعة اجتماعية معينة، أو الرأي السياسي.

لا يتضمن قانون العقوبات الإيراني الحالي أحكاما تجرم الردة، والقانون الإيراني لا يتطلب الحكم على المرتدين بعقوبة الإعدام. ومع ذلك، يمكن للمحاكم إصدار تلك العقوبة، وفقا لتقرير حقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2016 يمكن لها ان تفعل. وتم تنفيذ آخر حكم بالإعدام في عام 1990.

كان كأس التقديس هذا واحد من ثلاث قطع من وليام ميهفارز أحضرها إلى أمريكا. (Courtesy: William Mehrvarz)

قال المحامي ديفيد ليوبولد، إنه سيتعين على الشاب إظهار دليل على الاضطهاد، أو الخوف من الاضطهاد. يمكن أن يأتي هذا في شكل بيان مفصل منه. في حين يمكنه تقديم أدلة مستقلة من العائلة أو الأصدقاء، إلا أنه غير مطلوب.

وقال ليوبولد، الرئيس السابق لجمعية محامي الجوازات الأمريكية التي تتخذ من واشنطن مقرا لها: “من المستحيل تقريبا الحصول على ملاحظة من معذبك”.

ومع ذلك، فإن السؤال ليس مسألة أهلية بقدر ما تتعلق بالاحتمالية.

“إن الحكومة ليست سهلة للغاية عندما يتعلق الأمر بقضايا اللجوء. انها لا تنكرها بالضبط، لكنها تستمر في تأجيل القضايا. هذه الإدارة معادية لأي مهاجر، سواء أكانوا لاجئين أم لا”، قال ليوبولد.

قطع العلاقات الأسرية

جزء آخر من البدء هو قطع العلاقات مع أولئك الذين تركهم وراءه. لم يتحدث مهرفارز مع والده منذ أن غادر إيران. تحدث مع والدته مرة واحدة، قبل ثلاثة أشهر، عندما مات جده.

“شعوري هو أنهم يعتقدون أنني تخليت عنهم. أحب أن أراهم مرة أخرى. آمل أن يقبلوني. أريدهم أن يقولوا ابننا هو ابننا، حتى لو كان مختلفا”، قال.

صورة توضيحية لإعدام في إيران. (AFP/Arash Khamooshi/ISNA)

Illustrative photo of an execution in Iran. (AFP/Arash Khamooshi/ISNA)

يعرف مهرفارز أن بعض الناس يشككون في قصته، قائلا: “إنهم لا يفهمون أن مسلما يريد أن يكون يهوديا. ما زلت لا أعرف ماذا أقول لهم. أنا أتصرف على طبيعتي”.

طبيعي يعني الانتهاء من وظيفة في الجامعة. طبيعي، يعني مرة أخرى تقاسم شقة مع هاريس لأنه يمكن أن يدفع الإيجار. يعني أحيانا تناول الطعام في أحد المطاعم المفضلة للشريعة اليهودية، Grill 212 أو Milk & Honey. يعني الذهاب إلى بار Fat Cat jazz.

طبيعي معناه أن يكتب تواريخ مهمة مثل يوم ذكرى المحرقة في المجلس الإسرائيلي الأمريكي ويوم الإستقلال الإسرائيلي في “التجربة اليهوديّة في منهاتن”. طبيعي معناه ارتداء القلنسوة في الأماكن العامة، وهو أمر يعتبره الكثيرون في نيويورك أمرا مفروغا منه.

“هذا هو السبب لمغادرتي إيران”، قال مهرفارز. “أشعر أن هناك العديد من المفاهيم الخاطئة حول اللاجئين، حول دوافعهم وشغفهم. يعتقدون أنهم اختاروا هذا، لكن هذا ليس صحيحا. من المعتقد أنهم يأتون إلى هنا للاستفادة، لكن هذا ليس صحيحا – فهم يحققون تقدما وهم منجزون. إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يغادروا في المقام الأول”.