تغريدات الرئيس الامريكي دونالد ترامب في وقت متأخر من يوم الثلاثاء أظهرت مرة اخرى كم ان زعيم العالم الحر غير متوقّع.

في أقل من 100 كلمة، تسائل حول الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة منذ فترة طويلة للسلطة الفلسطينية، تناقض مع موقفه الخاص بشأن القدس، وأشار إلى أن إسرائيل يجب أن “تدفع” في مفاوضات السلام في المستقبل.

مع رئيس مندفع مثل ترامب، لا شيء مستحيل. غدا من الممكن حقا، كما هدد على تويتر، ان يعلن أن الولايات المتحدة سوف تتوقف عن تمويل السلطة الفلسطينية أو أن يطلب تنازلات مؤلمة من إسرائيل، أو أن يعلن انه يتخلى عن مشروع لعبة السلام تماما.

غير أنه يبدو أن المسؤولين الأمريكيين سيحاولون، على نحو ما، تقليص عدد التغريدات المثيرة للجدل للرئيس، مما يدل على دعم الوضع الراهن، والتعهد بمواصلة البيت الأبيض دون هوادة في جهوده الرامية إلى تحقيق سلام دائم.

ومع ذلك، تقدم تغريدات ترامب رؤى رائعة حول نظرته للعلاقات الدولية وتطبيق سياسته الخارجية “أمريكا أولا” في الشرق الأوسط. كل ذلك هو نظام المقايضة، وهو نظام من المعاملات الثنائية التي يهيمن فيها اللاعب الأقوى على الأضعف منه. لنسميها الداروينية الدبلوماسية.

يدفع دافعو الضرائب الأمريكيون للسلطة الفلسطينية مئات الملايين من الدولارات سنويا، ولكن “لا يحصلون على تقدير أو احترام” في المقابل، قال ترامب عبر منصته المفضلة في وسائل الإعلام الاجتماعية.

والأسوأ من ذلك هو أن رام الله – التي ردت على اعترافه في 6 ديسمبر/كانون الأول بالقدس عاصمة أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر وسيطا نزيها – ترفض الدخول في مفاوضات ترعاها الولايات المتحدة مع الدولة اليهودية.

وقال ترامب عبر تويتر “لقد اتخذنا القدس، اصعب جزء من المفاوضات، خارج الطاولة، لكن اسرائيل، لذلك، عليها ان تدفع اكثر”. “لكن بما أن الفلسطينيين لم يعدوا مستعدين لاجراء محادثات سلام، فلماذا نقوم باي من هذه المدفوعات المستقبلية الضخمة لهم؟”

هناك الكثير من المواضيع المعقدة هنا.

وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين

الأكثر إثارة للقلق، بالنسبة للفلسطينيين وبعض الإسرائيليين على الأقل، هو التهديد بحجب المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية. نيكي هالي سفيرة ترامب لدى الامم المتحدة حذرت الفلسطينيين من ان واشنطن ستتوقف عن تمويل وكالة اللاجئين التابعة للامم المتحدة المعروفة باسم الاونروا طالما أن رام الله ترفض التفاوض مع اسرائيل.

قالت هالي للصحافيين، “نحاول التحرك نحو عملية سلام لكن اذا لم يحدث ذلك فان الرئيس لن يستمر في تمويل هذا الوضع”.

على الرغم من أن الإسرائيليين يحتقرون وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، لدرجة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دعا إلى تفكيكها، فأن عددا قليلا من الإسرائيليين سيتجادلون مع الحقيقة أن الوكالة تقدم خدمات حيوية للفلسطينيين الأكثر ضعفا.

وقال بيتر ليرنر المتحدث السابق باسم الجيش الاسرائيلي، “هناك العديد من المشاكل مع الاونروا، لكن خفض الدعم المالي للمنظمة يضر اضعف اعضاء المجتمع الفلسطيني، ومن غير المحتمل ان يجلب السلطة الفلسطينية الى طاولة المفاوضات”.

“ما هي النتيجة المتوقعة؟” شرع ليرنر في سؤال هالي، مضيفا أن الأونروا تدير 363 مدرسة فيها 311،071 طالبا و 65 منشأة صحية في جميع أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية.

“تاريخيا كانت مخيمات اللاجئين بؤر للأنشطة الإرهابية، وإضعاف هؤلاء السكان لن يؤدي إلا إلى مزيد من التطرف والعنف. وهذا لن يسهم في الأمن والاستقرار في المنطقة”، قال.

فلسطينيون يقصون الشعر في مدرسة تابعة للأونروا في رفح حيث حصلوا على مأوى، 17 أغسطس / آب 2014. (Abed Rahim Khatib/Flash90)

ومن المرجح أن يثني نتنياهو علنا ​​على قرار ترامب وهالي في موقفهما في سعىه إلى البقاء متماشيا مع البيت الأبيض بشأن القضايا الإقليمية. لكن من الممكن، من خلال قنوات أكثر سرية، أن ينقل مسؤولو القدس أيضا بأدب إلى زملائهم الأمريكيين أن إفلاس السلطة الفلسطينية من غير المرجح أن يحقق نتائج مرغوبة.

تهديد خفض الميزانية

استخدمت الولايات المتحدة تهديد خفض الميزانيات من قبل، لكن قلة من البلدان أخذته على محمل الجد. وقال الرئيس ومبعوثته لدى الامم المتحدة قبل وبعد التصويت ان الحكومات التي تؤيد قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الذي يدين اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل يجب ان تستعد لمبالغ مخفّضة.

ومع ذلك، صوت 128 بلدا – من بينهم أكبر المستفيدين من المعونة الأمريكية – لصالح قرار الأمم المتحدة. لم تعترض على هذا الاقتراح سوى تسع دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت.

وحتى الان، لا يعرف الكثير عن الاجراءات العقابية الملموسة التي تعتزم الولايات المتحدة تطبيقها ضد الدول التي تؤيد قرار الامم المتحدة.

عرض نتائج التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أعلن فيها أن إعلان الولايات المتحدة عن القدس عاصمة إسرائيل هو “لاغ وباطل” في 21 ديسمبر 2017 في مدينة نيويورك. (Spencer Platt/Getty Images/AFP)

نتيجة محتملة آخرى لردود ترامب، من المنظور الإسرائيلي، هي أنه خلال مفاوضات السلام يجب على إسرائيل أن “تدفع أكثر” بسبب إعلانه بشأن القدس.

عقب خطاب الرئيس اكد مسؤولون في واشنطن والقدس انه لم يتعين على اسرائيل أي شيء مقابل الاعلان. فعلا، طالما أن عملية السلام مجمدة، فإن نتنياهو ليس لديه ما يدعو للقلق.

عندما يقرر الفلسطينيون الدخول في مفاوضات ترعاها الولايات المتحدة، يعرف رئيس الوزراء أنه سيطلب منه أن يكون مستعدا بشكل خاص. لكن الذين يتابعون تصريحات ترامب حول الشرق الأوسط لن يفاجأوا بذلك.

نهج ترامب

بالنسبة للرئيس، كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دائما شيء يتعين حله على يد مفاوض جيد يعرف كيف يجعل كلا الطرفين ينخرطان في عملية أخذ وعطاء. انه فن الصفقة، في نهاية الأمر.

يقول أعضاء فريق ترامب في الشرق الأوسط إنهم توقعوا رد فعل الفلسطينيين الغاضب على الاعتراف بالقدس. عاجلا أم آجلا ستعترف رام الله بأنه لا توجد عملية سلام بدون الولايات المتحدة، وتخرج من الزاوية التي رسمتها لنفسها وتدرس الدخول في مفاوضات تحت الوصاية الأمريكية، كما يقولون. هذا الحساب لا يزال ثابتا في مكانه، على الرغم من تغريدات الرئيس غاضبة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل اجتماع في فندق القصر خلال الدورة ال 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 سبتمبر 2017 في نيويورك. (AFP PHOTO / Brendan Smialowski)

قال ترامب الثلاثاء عبر تويتر انه أخرج القدس “من على الطاولة”، متعارضا مع تأكيده في السادس من كانون الاول / ديسمبر على ضرورة ان يحدّد الطرفان وضع المدينة وحدودها النهائية.

وصرح انذاك في بيان كرّره مسؤولون أمريكيون في مناسبات لا حصر لها منذ ذلك الحين: “نحن لا نتخذ أي موقف من قضايا الوضع النهائي، بما في ذلك الحدود المحددة للسيادة الإسرائيلية في القدس، أو حل الحدود المتنازع عليها”.

كيف سيجيبون الآن على أسئلة حول تغريدة ترامب؟ الرجوع عن تصريحات القائد العام على وسائل الاعلام الاجتماعية هو شيء دقيق يقوم به موظفي الخدمة المدنية. لكن المسؤولين الإداريين لديهم طرقهم للتحوط، شرح، تناسب، وتأهيل وتخفيف تصريحات سياسة رئيسهم، مهما كانت قاطعة ومثيرة للدهشة.