تجاهل إدارة ترامب للهجوم الإيراني الغير مسبوق في 15 سبتمبر على منشآت وحقول النفط السعودية يذكرنا بالخطوات – أو انعدامها – التي اتخذها الرئيس السابق باراك أوباما ردا على الهجوم الكيميائي الذي شنه الرئيس السوري بشار الأسد في عام 2013 في الغوطة الشرقية جنوب غرب سوريا، والذي خلف مئات القتلى.

في ذلك الوقت، كان من الواضح أن الرد الأمريكي كان وشيكا لأن أوباما بنفسه حذر من أن اي هجوم يتم فيه استخدام أسلحة غير تقليدية، وبالأخص ضد مدنيين، سيُعتبر اجتيازا لـ”خط أحمر”، لن تقبل الولايات المتحدة به. ولكن ياللعحب، امتنع الأمريكيون عن الرد، وفضلوا بدلا من ذلك إبرام اتفاق يقلص بشكل كبير من مخزونات سوريا الكيميائية.

من الصعب انتقاد هذه السياسة لأنها أتت بإنجازات حقيقية. ومع ذلك، كان لعدم الرد الأمريكي ثمن دفعته سوريا والشرق الأوسط بأكمله: أدرك نظام الأسد أن بإمكانه الاستمرار في ذبح الشعب السوري دون ازعاج طالما أنه لا يستخدم أسلحة كيميائية. بعد فترة، أصبح من الواضح أن الهجمات الكيميائية لا تزال مستمرة، لكن حتى في ذلك الحين امتنعت الحكومة الأمريكية عن الرد.

بعد مرور ست سنوات تشن إيران هجوما واسعا على صناعة النفط السعودية. استهدفت مجموعة من صواريخ الكروز والطائرات المسيرة المقاتلة منشآت معالجة النفط المملوكة للدولة في بقيق وخريص شرق المملكة، مما تسبب بأضرار جسيمة وارتفاع حاد بأسعار النفط.

الرئيس الأمريكي حينذاك باراك أوباما يلتقي بالرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، لإطلاعه على إجراءات نقل السلطة في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، 10 نوفمبر، 2016 في العاصمة الأمريكية واشنطن. (AFP/Jim Watson)

سارعت واشنطن إلى الإعلان عن أن الولايات المتحدة تستعد للرد نيابة عن حلفائها السعوديين، وأوضح الرئيس دونالد ترامب أنه يعرف بالضبط من المسؤول عن الهجوم. بصمات إيران كانت في كل مكان في مسرح الجريمة كما يبدو، ولكن حتى الآن، لم يكن هناك رد أمريكي.

خلال جولة نظمتها وزارة الاتصالات السعودية، عمال يصلحون الأضرار التي لحقت بمنشأة تكرار نفط تابعة لشركة ’آرامكو’ بعد الهجوم الذي وقع في 14 سبتمبر في بقيق، بالقرب من الدمام في في المنطقة الشرقية للمملكة ، 20 سبتمبر 2019. (AP Photo / Amr Nabil)

هذه ليست بالمرة الأولى التي تمتنع فيها الولايات المتحدة عن الرد على العدوان الإيراني ضد حلفائها في الشرق الأوسط، حتى عندما شملت هذه الهجمات مواطنين أو جنود أمريكيين.

سنوات الثمانينيات تقدم أمثلة وافرة على هذه السياسة: عندما ضربت تفجيرات انتحارية ضخمة أهدافا أمريكية في الشرق الأوسط – الهجوم على السفارة الأمريكية في بيروت في عام 1983، وفي أكتوبر من العام نفسه، الهجوم ضد قاعدة المارينز في العاصمة اللبنانية، اللذان خلفا معا أكثر من 300 قتيل – تمكنت المخابرات الأمريكية بسهولة من تحديد أن إيران هي القوة الدافعة التي وقفت وراء الهجومين.

في وقت لاحق، عندما تم في عام 1985 اختطاف وقتل مواطنين أمريكيين، من ضمنهم مدير مكتب وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ويليام باكلي، في لبنان على أيدي عملاء تابعين لإيران، اختارت الولايات المتحدة دفن رأسها في الرمال وتجاهلت النشاط الإيراني المعادي بشكل واضح.

مبنى مكون من 10 طوابق، تم تصويره في 16 مارس، 1984 في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث أقام المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية، ويليام باكلي، في الطابق العلوي. (AP/Don Mell)

هذا التجاهل لم يدفع إيران إلى الامتناع عن الانخراط في أنشطة إرهابية في المستقبل. على العكس من ذلك، فإن صناعة الإرهاب الإيرانية حاضرة في كل ركن في العالم تقريبا، وهي متفشية بشكل خاص في الشرق الأوسط.

ولكن حتى الآن، يبدو أن إدارة ترامب – الذي يهدد بالتحرك ولكن لا يفعل ذلك عادة – تعاني من الشلل مجددا.

هنا أيضا بالإمكان تفهم الاعتبارات لتجنب رد عسكري – الرغبة في تجنب حرب والتخوف من الرد الإيراني في شكل هجمات إرهابية.

ومع ذلك، كما حدث في حالة لبنان في الثمانينيات ومؤخرا في سوريا، فإن قرار عدم فعل أي شيء يأتي بتكلفة، وقد تصبح تداعياته واضحة في صراع محتمل مع إسرائيل.

تكمن هذه التداعيات في جذور المخاوف الإسرائيلية من تصعيد عسكري مع إيران ووكلائها في المنطقة في المستقبل القريب. هناك في إسرائيل من يعتقد أن التقاعس الأمريكي سيدفع طهران إلى تطوير شهية أكبر للعدوان وقد يغريها لأعمال عدائية مماثلة ضد إسرائيل، على الأرجح ردا على الضربات الإسرائيلية المزعومة المستمرة ضد الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في سوريا والعراق.

ولكن يجب التعامل مع هذا التقييم أيضا بتحفظ: قد لا يكون الإيرانيون على عجلة في أمرهم لدخول ما قد ستكون على الأرجح حربا معقدة مع إسرائيل. تدرك إيران أن السعودية تختلف إختلافا جذريا عن إسرائيل وأن القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي تفوق إلى حد كبير قدرات الجيش السعودي. حتى لو أخذنا بالحسبان الترسانة الصاروخية الكبيرة لمنظمة “حزب الله” في لبنان، فمن المستبعد أن يكون الإيرانيون راغبين في “إهدار” هذه الترسانة على مهاجمة إسرائيل دون سبب حقيقي.

قد لا تخلو إسرائيل من مشجعين لإدارة ترامب، وخاصة في صفوف “الليكود” والناخبين من اليمين؛ ومع ذلك، تنتهج هذه الإدارة سياسة ضبط النفس نفسها التي اتبعتها سابقاتها من قبلها. المشكلة هي أن بإمكان طهران، كما يدرك الجميع، اشتمام الضعف من بعيد.