أ ف ب – عندما اثار فلاديمير بوتين في اواخر حزيران/يونيو فكرة تحالف اوسع ضد “الإرهاب” مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم شكك الاخير بالأمر قائلا انه يحتاج الى “معجزة كبيرة جدا”، وبعد ثلاثة اشهر قطع اقتراح الرئيس الروسي اكثر من نصف الطريق.

ورغم عدم قبول اقتراح ائتلافه ضد تنظيم الدولة الاسلامية حتى الآن، بات الرئيس الروسي الذي يقاطعه الغرب بسبب دوره في الازمة الاوكرانية، بالفعل في قلب لعبة دبلوماسية كبيرة.

عندما بدأت حركة الاحتجاج ضد بشار الاسد في اذار/مارس 2011 وقف الكرملين منذ البداية مع الرئيس السوري، فالحلف قائم منذ الحقبة السوفياتية مع الاب ومن ثم الابن. وروسيا التي لم تحبذ الاحتجاجات في جورجيا واوكرانيا، لا تنظر بعين الرضى الى اي “ثورة”، ان كان ذلك في تونس او مصر او سوريا.

هناك ثلاثة مبادئ توجه تحرك الكرملين: معارضة اي “ثورة” او تدخل عسكري يمكن ان يؤدي الى تفكك المؤسسات والدولة، كما حدث في العراق وليبيا، والتحذير من خطر “الارهاب” الاسلامي ودعم لا يتزعزع للنظام “الشرعي” في دمشق.

وخلال اكثر من عامين تعرضت روسيا للتهميش. ولكن في حزيران/يونيو 2012، تمخض المؤتمر الاول في جنيف عن بيان ينص على “حكومة انتقالية”. لكن القوى الكبرى اصرت على وضع جدول زمني لرحيل الاسد.

في 21 اب/اغسطس 2013 ، هجوم بالاسلحة الكيميائية على مشارف دمشق ادى الى 1429 حالة وفاة. وفي أعقاب ذلك، ارادت باريس وواشنطن ولندن توجيه ضربات بغية “معاقبة” الاسد.

لكن الرئيس الروسي تقدم بخطة لتدمير الاسلحة الكيميائية السورية. فتحصن باراك اوباما وراء راي الكونغرس وتخلى عن الضربات، وبالتالي نجا الاسد. وظهر بوتين حينها كوسيط يعتمد عليه.

وعندما اصدر اوامره في شباط/فبراير 2014 للقوات الخاصة باقتحام برلمان القرم، قطع بوتين جسور العودة، واقدم على ضم شبه الجزيرة ومن ثم اندلعت الحرب في شرق اوكرانيا ما جعل منه منبوذا ومعزولا تئن بلاده تحت تأثير العقوبات الغربية.

الا ان موسكو لم تتخل عن الامل في التأثير في النزاع السوري. توالت زيارات جماعات المعارضة السورية في المنفى او تلك التي تتغاضى عنها دمشق الى موسكو، يليها ممثلون عن النظام السوري. وفي الوقت نفسه، ازدادت اهمية الجماعات الجهادية بشكل متزايد في سوريا. وسيطر احدها وهو تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من الاراضي.

وفي موسكو، ترسخت لديهم نظرية انه من دون الاسد، سيتم تسليم سوريا الى “ارهابيين” اسلاميين.

وقال اليكسي مالاشينكو من معهد كارنيغي “منذ البداية، كان من الواضح بالنسبة لروسيا ان القذافي او الاسد او صدام حسين افضل من الدولة الاسلامية”.

وفي 29 حزيران/يونيو، استقبل الرئيس الروسي في موسكو وزير الخارجية السوري واثار معه فكرة التحالف الموسع لدول المنطقة مع الدعم الارضي من الجيشين العراقي والسوري.

وقال “كل اتصالاتنا مع دول المنطقة تظهر انه عندما يتعلق الامر بمحاربة ما يسمى الدولة الاسلامية، فان الجميع على استعداد لمحاربة هذا الشر” من تركيا الى الاردن والسعودية.

لكن المعلم شكك بإمكانية قيام هذا التحالف. وقال حينها خلال مؤتمره الصحافي مع لافروف “اعرف عن الرئيس بوتين انه رجل يصنع المعجزات.. لكن التحالف مع تركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة لمكافحة الارهاب يحتاج الى معجزة كبيرة جدا”.

الا ان سيرغي لافروف لم يتوان طوال الصيف عن مضاعفة المشاورات والاجتماعات. وفي الوقت نفسه، كان الرأي العام، خصوصا في أوروبا، بدا بالتحول نتيجة تدفق المقاتلين الاوروبيين الى سوريا وازمة المهاجرين.

واضاف مالاشينكو ان الامر لا يتعلق فقط بالنزاع السوري. “يسعى بوتين الى الخروج من عزلته ووجد ذريعة كبيرة: المعركة ضد الدولة الاسلامية”، في حين ان الاوضاع لم تكن بهذا الهدوء في اوكرانيا.

في غضون ذلك، بدات السفن الحربية الروسية تمخر عباب مياه مضيق البوسفور، وقام الروس بتعزيز وجودهم في ميناء طرطوس السوري وبناء قاعدة جوية قرب اللاذقية، معقل الموالين للاسد شمال غرب سوريا.

وسجلت الاقمار الصناعية الاميركية زيادة في النشاط العسكري الروسي مع دبابات وطائرات ومروحيات، ونحو الفي جندي بحسب الصحافة الروسية، وتكثفت عمليات تسليم الاسلحة للجيش السوري والتقى مسؤولون عسكريون من روسيا وسوريا وايران والعراق في بغداد.

واخذت روسيا الجميع على حين غرة، وخصوصا الاميركيين. ومع اقتراب موعد الجمعية العامة للامم المتحدة، على واشنطن ان تعلن بوضوح ان التحدث مع فلاديمير بوتين، اصبح امرا لا مفر منه، وربما التفكير في ان رحيل الاسد ليس مطروحا في الوقت الحالي.