في أكتوبر 2013 توجهت MV Rhosus (ام في روسوس)، وهي سفينة أبحرت تحت العلم المولدوفي، من جورجيا إلى موزامبيق محملة بكمية كبيرة من نترات الأمونيوم، وهي مادة كيميائية متفجرة تُستخدم عادة في الأسمدة. ثم وبشكل غير متوقع انحرفت “روسوس” عن مسارها وتوجهت إلى بيروت لما كان من المفترض أن يكون محطة قصيرة.

بدلا من ذلك، احتجزت سلطات الموانئ السفينة بسبب مخالفات، في ما تطور إلى معركة قانونية استمرت لأشهر بين السلطات والمالك الروسي للسفينة، وأطلقت سلسلة من الأحداث التي يبدو أنها أدت الآن إلى انفجار مميت يوم الثلاثاء أدى إلى تدمير العاصمة اللبنانية.

على الرغم من أن الحكومة اللبنانية لا تزال تحقق في الأسباب الدقيقة للانفجار ولم تصدر أي حكم رسمي، إلا أن تقارير إعلامية متعددة تم جمعها كشفت عن الطريقة التي سارت فيها الأحداث التي سبقت الكارثة، مسلطة الضوء على الإهمال المزعوم على جميع المستويات وعبر الجدول الزمني للأحداث .

وقالت السلطات اللبنانية إن 2,750 طنا من نترات الأمونيوم التي اشتعلت في مستودع بميناء بيروت كانت وراء الانفجار الهائل الذي أودى بحياة 135 شخصا على الأقل وإصابة حوالي 5000 آخرين، وأدى إلى تشريد حوالي 300 ألف شخص أصبحت منازلهم غير صالحة للسكن بسبب الانفجار وموجة الصدمة التي أعقبته.

صورة تم التقاطها من طائرة مسيرة لموقع الانفجار الذي هز مرفأ بيروت، لبنان، 5 أغسطس، 2020.(AP/Hussein Malla)

وأشارت مصادر في الحكومة في وقت مبكر إلى أن المادة المتفجرة كانت مخزنة في الميناء منذ سنوات بعد ضبطها من السفينة. وقد تعقبت تقارير وسائل الإعلام مسار النترات ووصلت إلى روسوس وانحرافها المشؤوم إلى بيروت قبل حوالي سبع سنوات.

سفينة روسوس كانت مملوكة لرجل الأعمال الروسي إيغور غريشوشكين خلال قيامها بالرحلة من ميناء “باتومي” في جورجيا على البحر الأسود إلى موزمبيق – حيث كانت تحمل 2750 طنا من نترات الأمونيوم.

وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، كانت سفينة روسوس سفينة متداعية، ربما يصل عمرها إلى 40 عاما، وبحالة سيئة. وبحسب ما ورد فشل غريشوشكين في دفع أجور الطواقم في الماضي.

وكانت هناك تقارير متضاربة حول سبب تغيير روسوس لمسار رحلتها. وأشارت بعض التقارير الإعلامية إلى صعوبات تقنية، في حين قال آخرون إن غريشوشكين لم يعد قادرا على مواصلة التمويل وأمر الطاقم، الأوكراني بمعظمه، بالتوجه إلى لبنان لتحميل حمولة إضافية من أجل تمويل الرحلة.

لكن عند رسو السفينة في بيروت واجهت مشاكل أخرى. وقال اتحاد البحارة في روسيا لشبكة CNN إن ذلك يرجع إلى اعتبار السفينة غير صالحة للإبحار، بالإضافة إلى الشكاوى ضد المالك من قبل الطاقم وعدم دفع رسوم الموانئ. وذكرت نيويورك تايمز أن ثقبا في هيكل السفينة تتطلب ضخ المياه باستمرار.

وقال قبطان السفينة في ذلك الوقت، بوريس بروكوشيف، إن غريشوشكين تخلى بعد ذلك عن السفينة والطاقم، ولم يقدم لهم أي مساعدة مالية أو غير ذلك، ووصف الإقامة في الميناء بأنها شكل من أشكال “الحبس”.

وقال بروكوشيف لإذاعة “إيكو موسكو” الأربعاء: “كنت أكتب إلى بوتين كل يوم … في النهاية اضطررنا لبيع الوقود واستخدام المال لتوكيل محام لأنه لم تكن هناك مساعدة، والمالك لم يقدم لنا الطعام أو الماء”.

وذكر موقع متخصص بالملاحة على الإنترنت الذي غطى الخبر في ذلك الوقت إن الطاقم كان يجلس على “قنبلة عائمة”. في مرحلة معينة قال بروكوشيف لصحافيين روس: “لقد تخلى المالك عن السفينة. الشحنة هي نترات الأمونيوم، وهذه مادة متفجرة، وقد تم التخلي عنا. إننا نعيش منذ عشرة أشهر على برميل بارود”.

في نهاية المطاف، سُمح للبحارة بالمغادرة والعودة إلى منازلهم، بينما بقيت السفينة وحمولتها في مرفأ بيروت. تشير التقارير إلى أنه تم تفريغ شحنة نترات الأمونيوم في وقت ما في عام 2014 وتم وضعها في المستودع رقم 12 بالميناء، حيث قبعت الحمولة دون احتياطات السلامة اللازمة حتى حريق الثلاثاء والانفجار الذي تلاه.

ظهرت صور غير مؤرخة الآن يُزعم أنها تظهر أكياس النترات مكدسة على بعضها البعض داخل المستودع.

في غضون ذلك، ظلت روسوس منسية في المرفأ ويُعتقد أنها غرقت قبل نحو سنتين أو ثلاث سنوات. وذكرت إذاعة “أوروبا الحرة” أن أعضاء الطاقم يدعون أن غريشوشكين لا يزال مدينا لهم بعشرات آلاف الدولارات من الأجور غير المدفوعه. وأفادت تقارير أن غريشوشكين يقيم حاليا في مدينة ليماسول القبرصية، وحتى الآن لم يعلق على الأحداث التي وقعت في الأيام الأخيرة.

في أعقاب الانفجار، وضعت السلطات اللبنانية مسؤولي المرفأ الحاليين والسابقين قيد الإقامة الجبرية.

لكن مسؤولي الجمارك في الميناء قالوا إنهم حذروا مرارا وتكرارا المسؤولين الحكوميين من الخطر الكبير الذي تشكله آلاف الأطنان من المواد المتفجرة الموجودة في المرفأ.

وتظهر الوثائق أن مسؤولي الجمارك قدموا في السنوات الأخيرة ما يصل إلى ستة طلبات للمسؤولين القضائيين يطلبون فيها نقل نترات الأمونيوم محذرين من الخطر الذي تشكله المادة على سلامة المرفأ.

وورد في إحدى رسائل عام 2016 التي اطلعت عليها قناة “الجزيرة”: “في ضوء الخطر الجسيم المتمثل في إبقاء هذه البضائع في حظيرة الطائرات في ظروف مناخية غير مناسبة، نعيد تأكيد طلبنا بمناشدة الوكالة البحرية بإعادة تصدير هذه البضائع على الفور حفاظا على سلامة المرفأ والعاملين فيه أو النظر في الموافقة على بيع هذا الكمية لشركة المتفجرات اللبنانية”.

في رسالة مزعومة أخرى متداولة على الإنترنت ، حذر مدير الجمارك في لبنان منذ عام 2017، بدري ضاهر، من “مخاطر بقاء المواد في مكانها، مما يؤثر على سلامة موظفي [المرفأ]” وطلب من القاضي الحصول على توجيه بشأن ما الذي يجب فعله حيال المواد.

وقال ضاهر لقناة LBCI اللبنانية يوم الأربعاء “طلبنا إعادة تصديرها لكن ذلك لم يحدث”، مضيفا “نترك الأمر للخبراء والمعنيين لتحديد السبب”.

وقال حسن قريطم ، المدير العام للميناء، لنيويورك تايمز: “قيل لنا إن الشحنة ستباع في مزاد، لكن المزاد لم يحدث قط والقضاء لم يتصرف”.

وذكرت وكالة “رويترز”، نقلا عن مصدر في الميناء، أنه قبل ستة أشهر حذر فريق من المفتشين من أن النترات المخزنة قد “تفجر بيروت كلها”، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء.

على الرغم من أن نترات الأمونيوم قد تكون مدمرة للغاية، إلا أنها لا تنفجر عادة بسهولة وتتطلب مصدر اشتعال آخر.

وفقا لـ LBCI، قد يكون هذا ما حدث يوم الثلاثاء عندما جاء عمال اللحام لسد فجوة في المستودع 9. ويُعتقد أن مفرقعات كانت مخزنة في هذا المستودع، ويشتبه في أن شرارة من شعلة آلة لحام أدت إلى اشتعال المفرقعات، مع انتشار الحريق الذي تلا ذلك من المستودع 9 إلى المستودع 12 وإشعال النترات، مما أدى إلى الانفجار الأكبر والأكثر تدميرا في تاريخ البلاد.

انفجار يهز مرفأ بيروت، 4 أغسطس، 2020. ( screen capture: Twitter)

ساهمت في هذا التقرير وكالات.