سمير القنطار كان رجلا ميتا.

من اللحظة التي إستعاد فيها حريته ضمن صفقة الأسرى بين إسرائيل وحزب الله عام 2008 (أو لوضع ذلك بصورة أكثر دقة، صفقة تبادل أسرى أحياء بجثث)، تحدى القنطار دولة إسرائيل، فلم يكتفي بقتله لدانييل هران وطفلته إبنة الرابعة عينات في نهاريا عام 1979 – خلال ذلك حطم رأس عينات مرار وتكرارا بصخرة – هذا الإرهابي البغيض قرر دفع دينه لحزب الله، المنظمة المسؤولة عن تحريره من السجن، من خلال العمل معها.

بعد بدء الحرب الأهلية في سوريا، أرسل حزب الله القنطار لوضع بنى تحتية عسكرية في القرى الدرزية في هضبة الجولان السورية، وخاصة في منطقة لا تزال تحت سيطرة النظام حول بلدة الحضر. ولكن القنطار لم ينجح كثيرا في منصبه الجديد، بعبارة ملطفة. جهود حزب الله وإيران لإعطائه الدعم من خلال جهاد مغنية – نجل عماد مغنية، القيادي في حزب الله الذي قُتل في تفجير سيارة عام 2008 – وأعضاء في الحرس الثوري الإيراني فشلت بعد القضاء على هذه المجموعة في غارة جوية نُسبت لإسرائيل في أوائل عام 2015.

خلال العام الماضي ارتبط القنطار بالإيرانيين، الذين تعاملوا مع هضبة الجولان السورية وكأنها المحافظة الـ -15 لإيران (البحرين هي الـ -14). محاولتهم لإستخدام المنطقة كقاعدة لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل كان معناها أن القضاء على القنطار كان مسألة وقت فقط.

القنطار أدرك ذلك. في شهر مارس الماضي كتب وصيته، التي نشرها حزب الله فورا بعد إغتياله. “منذ إختياري لطريق النضال والجهاد في سبيل رفع الظلم عن فلسطين وأهلها، ولدفع الظلم والموت عن أهلنا وشعبنا في لبنان، كنت على يقين أن هذه الطريق الذي إخترته بقناعة تامة نهايتها النصر أو الشهادة… النصر الكامل وإزالة هذا الكيان الصهيوني من الوجود يحتاج إلى تضحيات أكثر من التي قدمت حتى الآن”.

كما توقع هو إذن، كانت النهاية “الشهادة”.

رد حزب الله لن يتأخر. كل ما تبقى هو رؤية بأي شكل سيأتي هذا الرد.

كان من الواضح أيضا أنه سيكون هناك رد على القضاء على جهاد مغنية. بعد 10 أيام فقط من غارة الطائرة بدون طيار بالقرب من القنيطرة، التي قُتل فيها معه جنرال إيراني، أطلق حزب الله صواريخ على قافلة من المركبات العسكرية الإسرائيلية. قُتل في الهجوم جنديان إسرائيليان، ولكن كان يمكن لهذه الحادثة أن تكون أكثر دموية.

الرجل ضد الطبيعة و(حزب الله)

لم يتم رصد أية تحركات إستثنائية على الجانب اللبناني من الحدود بعد ظهر الأحد، حوالي 12 ساعة بعد مقتل القنطار على مشارف دمشق.

على الجانب الإسرائيلي، سُمعت أصوات شككت في قيام حزب الله بالرد على الإغتيال (بالطبع، لا يقر أحد رسميا بأن إسرائيل هي التي تقف وراء ذلك).

الحدود الشمالية تبدو وكأنها في سبات شتوي عميق، على الرغم من أن هذا الهدوء هو هدوء وهمي. بالإمكان رؤية بضعة مركبات عسكرية إسرائيلية على الطريق السريع الشمالي، ربما في محاولة لتجنب منح حزب الله أهدافا لمهاجمتها.

بالإمكان رؤية مواقع الجيش اللبناني بوضوح بالعين المجردة من هذا الجانب من السياج. مواقع حزب الله ومقاتليه هي مسألة أخرى.

حزب الله غير منخرط في أنشطة مرئية. مقاتلوه يتنقلون بزي مدني مع أسلحة مخبأة، وفقط من حين لآخر بالإمكان رؤية سيارات مدنية تحمل أعلاما لحزب الله.

مع ذلك، بإمكان العيون الإسرائيلية التي تراقب الجانب اللبناني رؤية نشاط من الصعب رصده بالقرب من الحدود: مراقبون متنكرون كرعاة؛ مزارعون يقتربون “ببراءة” من الجانب الإسرائيلي ومن ثم يختفون من هناك.

ولكن هذه الأيام، الرد العسكري ضد إسرائيل ليس بالأمر السهل بالنسبة لحزب الله.أولا، عليه التأكد من ألا تؤدي العملية، أيا كانت، إلى صراع شامل مع إسرائيل في الوقت الذي فيه حزب الله غارق حتى أخمص قدميه في القتال في سوريا. على سبيل المثال، إطلاق صواريخ قد يؤدي إلى رد حاد من إسرائيل؛ وكذلك الأمر بالنسبة لتسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية.

ماذا بالنسبة لهجوم لحزب الله على هدف في بلد أجنبي؟ من ناحية عملياتية وإستخباراتية، تبدو مهمة كهذه أكثر تعقيدا. فشلت البنى التحتية التابعة لحزب الله في تنفيذ هجمات للإنتقام لمقتل عماد مغنية أكثر من مرة – قبل تفجير الحافلة التي كانت تقل سياحا إسرائيليين في بورغاس ببلغاريا في 2012، والتي أسفرت عن مقتل 5 أشخاص، من بينهم سائق الحافلة، وإصابة 32 آخرين.

لذلك فإن سيناريو مشابه لذلك الذي حدث في 28 يناير، 2015 – والذي تم خلاله إطلاق صواريخ مضادة للدبابات على مركبات عسكرية إسرائيلية – يبدو الأكثر إحتمالا. لكن ما زال الحديث يدور عن حزب الله، ومن الصعب، إن لم يكن مستحيلا، تقديم توقعات دقيقة حول أنشطته.

أيا كان الأمر، تنتظر إسرائيل خطوة حزب الله القادمة. طُلب من المزارعين في منطقة المطلة الأربعاء بالإبتعاد عن الحدود. التحضيرات الهندسية لبناء حاجز ضد هجوم محتمل لحزب الله لا تزال جارية في المقطع الغربي من الحدود. الجرافات المدنية والعسكرية على حد سواء مستمرة بعملها، على الرغم من التوتر ومستوى التأهب الشديدين. تم بناء كيلومترات من حاجز ترابي لمنع هجوم مفاجئ.

المسؤول عن المشروع هو الكولونيل ألون ميندس، قائد لواء 300، الذي خرج بهذه الفكرة في صباح أحد الايام (أول من كشف عن ذلك كان أمير بوحبوط من موقع “اللا” الإخباري): حفر شيء يشبه جرف إصطناعي داخل الجبل في المناطق الإشكالية، لمنع مقاتلي حزب الله من الوصول إلى منطقة الحدود من دون أن ترصدهم إسرائيل.

من دون حاجز، ستكون فرقة من مقاتلي حزب الله قادرة على الإقتراب من السياج بإستخدام نباتات محلية كغطاء، ومهاجمة هدف إسرائيلي من هناك.

تخطي هذا الحاجز يتطلب إستخدام سلالم، وكذلك تحرك مكشوف على الأرض، ولذلك فأي قوة نخبة ستضطر للتأخر دقائق على أرضية منخفضة حيث يكون بإمكان إسرائيل رصدها.

هل سينجح الجرف من صنع الإنسان بمنع حزب الله من الرد على إغتيال سمير القنطار؟ سيجعل الأمور أصعب عليه – ولكن على الأرجح لا، لن ينجح بوقفه.