ترسم سجلات مسربة لنقاشات بين مسؤولين اسرائيليين رفيعين خلال حرب غزة عام 2014 صدرت يوم الثلاثاء صورة لقيادة منقسمة، مع وزراء مختلفين حول السعي لهجوم حاد ام مجرد احتواء حماس قبل وخلال الحرب الدامية التي استمرت 50 يوما.

وتقدم السجلات، التي نشرتها صحيفة “يديعوت احرونوت”، لمحة غير مسبوقة الى العمل الداخلي للمنظمة السرية، المسؤولة على الاشراف على اتخاذ القرارات خلال الحرب.

ويأتي النشر، الذي قد يخالف قوانين امن المعلومات، بينما يفكر المشرعون بإمكانية نشر تقرير لمراقب الدولة ينتقد الحكومة لعدم تجهيزها بتهديدات حركة حماس خلال الحرب.

وفي السجلات، التي تبدأ قبل اندلاع الحرب، يقود وزير الاقتصاد حينها نفتالي بينيت يدفع لخطوات فورية وحادة ضد غزة، بالرغم من احتمال الثمن الانساني العالي.

“كونوا خيول عادية، وليس ثيران كسولة”، قال بينيت لرئيس هيئة اركان الجيش، بدفعة لخطة لتدمير شبكة انفاق استخدمتها حماس لمهاجمة جنود اسرائيليين في كل من القطاع وداخل اسرائيل.

وأصر آخرون، في مباحثات الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) وعلى رأسهم وزير الدفاع حينها موشيه يعالون، ومن ضمنهم أيضا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية حينها يئير لبيد، على رد منضبط، حتى بينما كان يتم قصف المدن الإسرائيلية بصواريخ صادرة من غزة، وكان جنود اسرائيليون يُقتلون في معارك نارية في غزة.

وقُتل اكثر من 70 اسرائيليا في الحرب، معظمهم من الجنود، وقُتل اكثر من 2,000 شخصا في الطرف الفلسطيني في حملة غارات جوية واجتياح ميداني لقطاع غزة، الذي تحكمه حماس.

وتدعي اسرائيل، التي اطلقت الحملة – بإسم عملية الجرف الصامد – من أجل توقيف اطلاق الصواريخ وبعدها لتدمير الأنفاق، أن اكثر من نصف القتلى في غزة كانوا مقاتلين.

وتبدأ السجلات التي نشرتها صحيفة “يديعوت احرونوت” في 30 يونيو، اكثر من اسبوع قبل الحرب وساعات بعد عثور الجيش الإسرائيلي على ثلاثة الشبان الإسرائيليين الذي اختطفوا وقُتلوا على يد خلية تابعة لحماس من منطقة الخليل، وهو الهجوم الذي اشعل الحرب.

وفي أشهر قبل الاختطاف، كشف الجيش عدة انفاق تمتد بين غزة واسرائيل، ما أدى الى التقدير بأن حركة حماس تخطط لهجوم كبير.

وبينما أجرت القوات الإسرائيلية حملة ضد اعضاء حماس في الأراضي الفلسطينية ردا على اختطاف وقتل ثلاثة الشبان، وهو هجوم صدم معظم الجماهير الإسرائيلية، اشتد اطلاق الصواريخ من غزة باتجاه اسرائيل وتعزز الضغط العام للرد.

’الأنفاق ليست موجودة كي تصدأ’

وتظهر السجلات أنه بينما كان بينيت يدفع للرد على الانفاق، الآخرون كانوا قلقين من اثارة حرب جديدة.

“الرد على [القتل] مان ضعيفا ومخزيا حتى الآن”، قال بينيت في السجلات. “يوجد في غزة عشرات الانفاق المخصصة للخطف. انها ليست موجودة كي تصدأ”، قال. “علينا اتخاذ زمام الامور”.

ووفقا لصحيفة يديعوت، على الأرجح ان تكون ملاحظة “الصدأ” موجهة ليعالون، الذي قال قبل حرب لبنان الثانية عام 2006 ان صواريخ حزب الله سوف “تصدأ” في مخازنهم. واطلق تنظيم حزب الله الاف الصواريخ على المجن الإسرائيلية خلال الحرب.

وعارض جميع الوزراء اقتراح بينيت للتصعيد في غزة.

“الانفاق تهديد حقيقي لدولة اسرائيل”، قال نتنياهو، “ويمكنها تغيير التوازن [الاستراتيجي] بيننا وبينهم”. بوجي”، قال متوجها ليعالون، مستخدما لقبه، “اريد ان تقدم خطة غدا تتضمن السيطرة على المداخل”.

“لدينا خطة كهذه”، رد يعالون.

“لا اعلم بأمرها”، قال نتنياهو.

وفي 1 يوليو، عاد السؤال لمجلس الامن.

حذر يعالون من الرد المتهور. “حماس لا تنوي تشغيل من انفاقها بمبادرتها الشخصية”، قال للوزراء. “علينا توخي الحذر”.

“في حادث جلعاد شاليط، هل لمحوا [الى نيتهم بالاختطاف]؟” رد بينيت، متطرقا الى اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط على حدود غزة في عام 2006.

“لا”، اعترف يعالون.

ويستمر نتنياهو بالدفع لسياسة الاحتواء.

“تعتقدون انه إن لا نفعل شيئا، سوف يحتوون [انفسهم]؟” سأل بينيت.

“نعم”، قال يعالون.

وقال جلعاد اردان، الذي تولى حقبة الاتصالات حينها، ليعالون ان الجيش قدم خطة “لقهر غزة، ولكن ليس التعامل مع الانفاق”.

“لقد قدمناها”، قال يعالون.

ودفع رئيس هيئة اركان الجيش بيني غانتس للاحتواء.

“حماس لا تريد القيام بخطوات”، قال. “لقد قالوا على اذاعتهم، ’لقد اقترفنا خطأ بالاختطاف’”.

وفي اليوم التالي، في 2 يوليو، قال يعالون للوزراء أنه يعارض اتخاذ خطوات ضد الانفاق خشية من التصعيد.

وأكد في هذه المرحلة رئيس الاستخبارات العسكرية افيف كوخافي على انه “يوجد عشرات الادلة على ان حماس غير معنية بالقتال”.

وغانس يوافق: “انا اوصي باستراتيجية كشف برنامج انفاق حماس”، على ما يبدو مناديا للكشف عن حجم تهديد الانفاق للجماهير.

وبينيت يطرح مرة اخرى الى امكانية العملية العسكرية.

“كم ستستغرق عملية ميدانية ضد الانفاق؟” سأل الجنرالات.

“يومين او ثلاثة ايام”، قال غانتس.

العملية ضد الانفاق استغرقت 19 يوما، بعد اكتشاف السلطات الإسرائيلية حجم شبكة عشرات الاتفاق في انحاء القطاع.

يمكننا العيش مع الأنفاق

في 3 يوليو، كان نتنياهو لا زال يسعى لتحييد تهديد الانفاق بدون الاجتياح.

وسأل غانتس إن “تفجير المداخل قد يحيد استخدام الانفاق”.

“لا اعلم”، أجاب غانتس. “قد يعرقل الامر”.

“هل يمكن لذلك انقاذنا من دخول الانفاق؟” سأل نتنياهو.

“نجاعة تفجير [المداخل] ضئيلة جدا”، قال غانتس.

وملاحظا ان الامكانيات تتقلص، حذر الوزراء أنه “على الارجل أن تؤدي عملية ضد الانفاق الى اجتياح غزة بأكملها”.

وقال يعالون أنه يمكن لإسرائيل العيش مع الانفاق. “نحن نعيش مع عدد كبير من التهديدات. اقترح عدم اتخاذ خطوات ضد الانفاق”.

وبعد أربعة ايام، في 7 يوليو، وسط تصعيد اطلاق الصواريخ من غزة ورد سلاح الجو الإسرائيلي، بدا ان حماس اتخذت قرارها: لا يمكنها التهدئة، لذا عليه التصعيد. وسقط اكثر من 100 صاروخ من غزة على بلدات ومدن اسرائيلية. وقرر مجلس الأمن بشكل رسمي اطلاق عملية الجرف الصامد.

وكان يعالون في هذا الوقت لا زال يريد تحديد العملية. “يمكننا التوصل الى اتفاق وقف اطلاق نار. من الخطأ الوصول الى مرحلة حرمانهم من الانفاق”.

واتخذ بينيت مرة أخرى موقف اكثر عدائي. “اوصي بخطوات لتحييد الانفاق”.

“واضا تحظى بالهدوء للسنوات الثلاث القادمة بدون هدم الانفاق، ما السيء بذلك؟” سأل يعالون.

“واذا نواجه هجوم ارهابي استراتيجي، سيكون اسوأ من جلعاد شاليط بمئة مرة. من الافضل منعه، ولم ارى خطة لتحقيق ذلك”، قال بينيت.

“وبعد الدخول، لن يبنوا المزيد من الانفاق؟” سأل يعالون.

الدفع لغزو غزة

في اليوم التالي، 8 يوليو، مع انطلاق عملية “الجرف الصامد” بشكل رسمي، بدأ الوزراء بالمطالبة بالعمل بشكل أقوى وحاسم أكثر.

وقال يوفال شتاينتس، وزير الشؤون الإستراتيجية في ذلك الوقت “علينا غزو غزة وإزالة التهديد بشكل شامل”.

وردت عليه وزيرة العدل حينذاك تسيبي ليفني: “دعونا لا نهتاج أكثر من اللزوم”.

وقال وزير الخارجية في ذلك الوقت، أفيغدور ليبرمان، أن “المخابرات العسكرية كانت مخطئة في تقييماتها حتى هذه المرحلة. علينا أن نغزو غزة”.

وزير المالية لابيد وافق يعالون: “أنا أعارض توغلا بريا”.

في 10 يوليو، بينما استمرت الجبهة الداخلية في التعض لوابل من الصواريخ من غزة، أصبح العملية البرية الخيار المفضل بشكل متزايد بين الوزراء.

قائد المنطقة الجنوبية، الميجر جنرال سامي ترجمان، عرض على الحكومة خطة أطلق عليها “الدفاع إلى الأمام”، والتي شملت توغلا محدودا يصل إلى مسافة كيلومتر واحد وراء السياج الحدودي بهدف تحييد الأنفاق.

ومع ذلك، استمر يعالون وغانتس في معارضتهما للخطوة، ورفضت الحكومة الموافقة عليها.

وأكد ترجمان على أن “هناك تهديد إستراتيجي يمكن نشره ضدنا في أي لحظة”، وأضاف “هناك على الأقل 9 أنفاق تمتد إلى أراضينا [ويمكن إستخدامها في هجمات داخل إسرائيل”.

وسأل نتنياهو: “هل سنستمر في [إطلاق النار من خارج غزة] أو [نتحول] إلى عملية برية”.

وقال غانتز: “أعارض عملية برية. حققنا الكثير حتى الآن. لحق الضرر ب’حماس’ إتن الأنفاق خطر مقبول”.

وسأل بينيت عن اقتراح ترجمان: “ما مدى حجم عملية ضد الأنفاق؟”

فقال ترجمان “سيكون هناك احتكاك”، وهو مصطلح عسكري لوصف مقاومة متوقعة من العدو، “ولكن نعرف كيفية التعامل مع ذلك”.

فسأله بينيت: “ما الذي كنت ستفعله لو كنت في مكاننا؟”

فقال يعالون متهكما: “هو ليس في مكانك، إنه حصان جار”.

فرد ترجمان: “في مكاني وفي مكانك، سأدخل مع معركة ثلاث فرقة لتحييد تهديد الأنفاق”.

وأكد كوخافي: “لدينا الظروف لخلق قوة ردع”، مؤيدا كما يبدو موقف ترجمان.

لكن يعالون واصل الإصرار على ضبط النفس. “ارى بتهديد الأنفاق باعتباره مشلكة لم تحل، ولن نحلها في هذه العملية أيضا”.

فقاطع ليبرمان الحديث وعرض نهج كل شيء أو لا شيء: “اختاروا عملية واسعة في غزة”، كما قال وأضاف: “ولكن إذا كان [الخيار] بين عملية ضد الإنفاق [فقط] أو هدنة، فاختاروا الهدنة”.

“هل تريد إدارة الجيش بدلا مني”

في 18 يوليو، بعد أن اعترض الجيش الإسرائيلي ومنع ما وصفته صحيفة “يديعوت” في تقريرها مداهمة واعة النطاق مخطط لها ضد إسرائيل من قبل “عشرات المسلحين من حماس” عبر نفق بالقرب من معبر كيريم شالوم، قررت الحكومة أخيرا على عملية برية.

بحلول 27 يوليو، بعد مقتل العشرات من الجنود وضغوط دولية كبيرة من أجل وقف إطلاق النار، وصلت الإنشقاقات الداخلية في الحكومة إلى ذروتها.

يعالون انتقد بينيت بسبب زياراته غير المصرح بها إلى الميدان ولقاءاته مع ضباط من وراء ظهره.

وقال يعالون/ “هل تريد أن تدير الجيش بدلا مني. لن أسمح لك بالعودة من زيارات إلى الميدان وأن تقول لي ’أفعل هذا’ أو ’إفعل ذاك’، هل تسمعني؟”

لكن بينيت لم يهتز ورد عليه: “سأفعل ذلك، إذا لم يتم ذكر الحقيقية [للمجلس الوزاري الأمني]”.

فرد عليه يعالون: “أنا أقول الحقيقة”.

“حتى الآن لم نسمع عن الهدنة [التي يجري العمل عليها] مع حماس”.

يعالون: “هل أقدم التقارير لك؟”

بينيت: “بالطبع”.

بعد ذلك توجه بينيت بالحديث إلى رئيس الأركان. “أتوقع منك أن تأتي إلى الحكومة مع الخطط العملياتية وروح قتالية. لست أنا من يفترض أن يأتي بخطط [للحكومة] لتدمير الأنفاق. كونوا خيول جامحة، لا ثيران كسلى”.

بعد خمسة أيام من ذلك، في 1 أغسطس، بعد انتهاك “حماس” للهدنة وتنفيذها لعملية أسفرت عن مقتل اللواء بينايا سارئيل والملازم هدار غولدين والرقيب ليئل غدعوني، ازداد الإستياء من الخط المنضبط الذي اتبعه نتنياهو ويعالون.

وسأل إردان كوخافي، رئيس المخابرات العسكرية، عن سبب إعطاء أوامر للمقاتلين في لواء “غيفعاتي” في غزة خلال وقف إطلاق النار تحد من قدرتهم علىالدر بصورة تعرض حياتهم للخطر. “لو كنت أعرف أن الوضع سيكون على هذا النحو خلال وقف إطلاق النار، لكنت عارضت ذلك”.

البحث عن ’لايكات’ على الفيسبوك

نشر فحوى الجلسات أثار انتقادات شديدة من الوزراء الذين شاركوا في النقاشات.

في اتهام غير مباشر لبينيت، قال يعالون الثلاثاء، “للأسف، أرى هذا الصباح أن سياسيين يقومون بالتسريب من داخل نقاشات [الكابينت]، فقط للحصول على بعض ’اللايكات’ الإضافية على الفيسبوك”.

متحدثا أمام “معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب، قال يعالون إن الحكومة تصرفت بشكل جيد خلال هذه الحرب: “قمنا بتحديد أهداف الحمل بدقة مسبقا، وحققناها. حققنا وقف لإطلاق النار. والأهم من ذلك، ’حماس’ ضعيفة ومردوعة، والجنوب [في إسرائيل] يتمتع بهدوء غير مسبوق. هذا مثال على قيادة مسؤولة وحذرة مع يد ثابتة على عجلة القيادة حتى عندما يكون هناك سياسيون [يعملون عل تقويض القيادة] سواء خلال العملية وبعدها”.

شتاينتس، وزير الطاقة في الوقت الحالي، وصف التسريب بأنه “ضرر بحت لدولة إسرائيل”.

ليفني، التي تحدثت هي أيضا في مؤتمر “معهد دراسات الأمن القومي”، قالت إن الشكوى الرئيسية التي طرحها بينيت وآخرين حول الأنفاق لم تكن الإخفاق الرئيسي الذي انكشف في حرب غزة، بل عدم وجود إستراتيجية شاملة.

وقالت: “المشكلة في ’الجرف الصامد’ كانت أكبر من الأنفاق. لا توجد للكابينت سياسة فيما يتعلق بغزة، والجيش والمؤسسة الدفاعية يتوسلون من أجل سياسة كهذه. هل غزة هي جزء من الدولة الفلسطينية؟ هل هي جزء من إسرائيل علينا غزوه أو إعادة مستوطنات غوش قطيف، مثلما اقترحت [عضو الكنيست من ’البيت اليهودي] شولي معلم؟ نحن فقط نعمل من الناحية التكتيكية، ونقوم بإخماد النيران واحدة تلو الأخرى. لا يمكننا إدارة عملية عسكرية أو أي شيء آخر بهذه الطريقة. هذا هو الإخفاق الحقيقي”.

وأضافت: “هناك أنفاق اليوم أيضا – والكابينت لم يتخذ قرارا بشأن عملية”.

وانتقدت ليفني أيضا “عدم التنسيق بين الجيش و[السلك] الدبلوماسي”.

وقالت “كان يمكن لعملية ’الجرف الصامد’ أن تنتهي بقرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد ’حماس’، ونزع سلاح غزة ومحادثات مباشرة من السلطة [الفلسطينية] من دون شروط مسبقة، لكن نتيناهو لم يتجرأ على اتخاذ هذا القرار لأنه لم يتم وضع أهداف دبلوماسية لهذه العملية”.