لدى بنيامين نتنياهو الكثير مما يستحق الثناء عليه في السنوات العشر الأخيرة له كرئيس لوزراء إسرائيل. في منطقة لا يمكن التبنؤ بها حافظ على هذا البلد الصغير – الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة فيه 9 أميال – ليس سليما وآمنا نسبيا فحسب، بل مزدهر اقتصاديا أيضا، وبحسب تقييمات مواطنيه، سعيد جدا.

لقد واجه إيران في الوقت الذي تسعى فيه إلى توسيع قبضتها على هذه المنطقة، ولعب واحدا من أكثر الأدوار العالمية حيوية في إبقاء نظام آيات الله الإيراني بعيدا عن هدفه ببناء ترسانة نووية. من خلال استراتيجيته مع قادة الأمن الإسرائيليين، منع خروج الصراع مع الفلسطينيين عن السيطرة في الضفة الغربية، وأحبط هدف حركة “حماس” المعلن المتمثل في تدمير دولة إسرائيل من غزة.

قام ببناء علاقات شخصية قوية مع رئيس أمريكي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته – وتمت مكافأته باعتراف دونالد ترامب بقسم لم يتم تحديده من القدس كعاصمة لإسرائيل، وبسلسلة هضبة الجولان الاستراتيجية التي تم الاستيلاء عليها من سوريا في 1967 كأرض إسرائيلية.

وأقام أيضا علاقات فعالة مع رئيس روسي محنك – حيث حافظ على التنسيق مع فلاديمير بوتين في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى منع إيران من ترسيخ وجودها في سوريا التي تهيمن عليها روسيا، حتى بعد أن فقدت موسكو طائرة تجسس مع طاقمهما الـ 15 في حادثة كان من الممكن أن تؤدي بسهولة إلى تدهور العلاقات. وقد تمت مكافأته في الأسبوع الماضي بتوقيت مثالي – لأغراض نتنياهو السياسية – بعد أن قامت روسيا بإعادة رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل، الذي قُتل في حرب لبنان قبل 37 عاما.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلتقي بأوسنا هابرمان، شقيقة الرقيب القتيل من الدرجة الأولى زاكاري بوميل، في القدس في 3 أبريل 2019 (Haim Zach/GPO)

كل ذلك وأكثر يمكن أن يفسر، وفقا لاستطلاعات رأي أظهرت أنه لا يمكن الإعتماد عليها، السبب الذي يضع نتنياهو في وضعية جيدة للفوز بالإنتخابات الإسرائيلية يوم الثلاثاء – ربما بصفته رئيسا لأكبر حزب، وبصورة أساسية بصفته السياسي القادر على تشكيل إئتلاف متعدد الأحزاب ذات أغلبية.

لكن سجل نتنياهو مليء بالآفات أيضا. فلقد قام بإنشاء علاقات قوية غير مريحة مع زعماء عالميين بغيضين، من ضمنهم الرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي، الذي كان يجب أن تطغى ميوله المتطرفة وغير المستساغة على قيمته السياسة بالنسبة لإسرائيل. وقام أيضا بتنفير أجزاء واسعة من يهود الشتات من خلال تضحيته بمصالح جميع التيارات الدينية من أجل احتياجاته الإئتلافية الضيقة، لا سيما تخليه عن اتفاق تفاوضي رسمي كان سيضفي الشرعية على دور يهودي غير أرثوذكسي في الإشراف على الصلاة التعددية في قسم محدد في الحائط الغربي.

ومع زيادة حدة المناخ السياسي الأمريكي، جعل من مسألة عرض إسرائيل كقضية خاصة بترامب وبالحزب الجمهوري أمرا في غاية السهولة – سوء تقدير ضيق الأفق بالنظر إلى السرعة التي تتأرجح بها القيادة الأمريكية عادة من جانب سياسي إلى آخر.

كما أصبح مصدر قوة انقسام داخل إسرائيل وبشكل متزايد. في الرواية التي أدار وخاض فيها معاركه الإنتخابية – لا سيما الحالية – فإن نتنياهو وأولئك الذين يصوتون له هم وطنيون صهاينة واضحو الرؤية، في حين أن خصومه السياسيين هم ضعفاء ومتشائمون مرتبكون، يقفون إلى جانب أعداء إسرائيل في السعي إلى حملة مطاردة ساحرات غير شرعية بهدف الإطاحة به.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين) يجتمع مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المنتهية ولايته، بيني غانتس، في القاعدة العسكرية، هاكريا، في تل أبيب، 12 فبراير 2015. (Haim Zach / GPO)

منافسه الرئيسي في إنتخابات يوم الثلاثاء، رئيس الأركان الأسبق بيني غانتس، أشار في مقابلة أجراها معه كاتب هذا المقال في الأسبوع الماضي إلى أن الجيش الإسرائيلي والموساد والشرطة وجميع المؤسسات الهرمية الأخرى تقوم بتغيير قائدها كل بضعة سنوات، ما يضمن تطورها بشكل فعال مع ضخ مستمر لتفكير حيوي ونشط فيها. على النقيض من ذلك، فإن ادعاء نتنياهو هو أنه هو الوحيد القادر على قيادة إسرائيل، وقد اتخذ خطوات غير سليمة بشكل كبير في محاولة لضمان استمراره القيام بذلك.

من أبرز هذه الجهود كان جهده المستمر في نزع الشرعية عن الناخبين العرب في إسرائيل. في يوم الإنتخابات نفسه قبل أربع سنوات، في خطوة ساخرة ومدروسة لحض مؤيديه على الخروج للتصويت، أكد على أنه يتم نقل الناخبين العرب الإسرائيليين بحافلات إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، وقد روج لهذه المزاعم من خلال صفحته على “فيسبوك” التي تحظى بمتابعة كبيرة، وتم الترويج لها أيضا لعدة ساعات على الصفحة الرئيسية لموقع “واللا” الإخباري، بحسب الإدعاءت التي نُشرت ضد نتنياهو في قضية “بيزك-واللا”، المعروفة بالقضية 4000، والتي يواجه فيها تهمة بالرشوة.(في مسودة لائحة الاتهام التي نُشرت في 29 فبراير، كتب النائب العام لنتنياهو “لقد أوعزت لمستشارك الإعلامي حينذاك الذي أصبح شاهد دولة نير حيفتس بتمرير مقطع الفيديو لمالك شركة بيزك وموقع واللا، شاؤول إلوفيتش… إلوفيتس بدوره أمر الرئيس التنفيذي لموقع واللا إيلان يشوعا بنشره مع عنوان، ’نتنياهو: العرب يأتون بأعداد كبير للتصويت’”. نتيجة لهذه المراسلة “تُرك الفيديو كعنوان رئيسي في الموقع لساعات عدة”.

بنفس النهج الساخر من دون أن يأبه بالعواقب في الفترة الإنتخابية لهذا العام، توسط نتنياهو شخصيا في تحالف بين عدد من أحزاب اليمين، خشية عدم نجاحها باجتياز نسبة الحسم (3.25%) التي تسمح بدخولها للكنيست إذا خاضت الانتخابات منفصلة، وأعطى بذلك الشرعية لحزب يقوده أتباع الحاخام العنصري مئير كهانا (الذي تم حظر حزبه “كاخ” في إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي واعتباره منظمة إرهابية في إسرائيل والولايات المتحدة). هذه الحزب، الذي يُدعى “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية)، يهدف إلى توسيع حدود السيادة الإسرائيلية من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن وإعادة توطين غير اليهود في هذه الدولة الموسعة في أي مكان آخر من العالم العربي، ومن بينهم مواطنو إسرائيل العرب، الذين يصفهم الحزب بـ”أعداء إسرائيل”. وقد منعت محكمة العدل العليا قائد الحزب من خوض الإنتخابات، لكن من المتوقع أن يفوز رقم 2 في الحزب بمقعد في الكنيست.

وقد شن نتنياهو حملة من الانقسام والتضليل أكثر استدامة ضد الركائز الأساسية للديمقراطية الإسرائيلية. سعيا منه مع تزايد احباطه إلى تخليص نفسه من مزاعم الفساد، هاجم نتنياهو على مدار العامين الماضيين خصومه السياسيين ووسائل الإعلام الإسرائيلية بشكل متواصل بوصفهم بالبلاشفة واليساريين الذين يعملون بعزم على إسقاطه. مع تقدم التحقيقات ضده، وانتهائها بتوصيات الشرطة بتقديمه للمحاكمة، قام بتوسيع أهدافه لتشمل رجال الشرطة ومفوضهم العام، وهو رجل عينه هو بنفسه، ووضعهم في خانة المنحازين العازمين على تلفيق التهم له.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت في مؤتمر عُقد في جامعة بار إيلان في رمات غان، 28 مارس، 2019.(Flash90)

وبينما تبنى النائب العام العديد من تلك التوصيات وأعلن في نهاية المطاف في أواخر فبراير أن نتنياهو سيحاكم بتهمة الرشوة والاحتيال وخرق الأمانة، في انتظار جلسة استماع، أكد رئيس الوزراء أن النيابة العامة كانت جزءا من المؤامرة ضده ايضا وأن المدعي العام أفيحاي مانديليت، الذي عينه أيضا، تقاسم أجندة اليسار نفسها مع بقية اليسار.

قد يفسر بعض ذلك السبب وراء حملة غانتس – التي جعلته يبتعد عن خطاب المرشح التقليدي والقيام بهجمات مضادة ضد جهود نتنياهو لتشويهه على أنه غير كفء وغير مستقر؛ على أن حزبه يهيمن عليه الذكور بالأساس (كما هو الحال بالطبع مع حزب نتنياهو)؛ بالإضافة إلى تسريبات المحادثات الخاصة والمسلسل الغريب المتعلق بهاتفه الذي يبدو أنه تم اختراقه على يد إيران – ومع ذلك فقد أحرز تقدما كافيا لإثبات أنه أقوى تحد لنتنياهو منذ عام 2009.

إلى حد كبير، في بلد يكون للسياسة فيه آثار مباشرة على حياة المواطن – حيث يمكن لاختيار الحكومة أن يحدد حجم البلد، مزيج سكانها، وتواتر مخاطرة أطفالها المجندون فيها للدفاع عنها – إنتخابات يوم الثلاثاء يدور حول سؤال واحد: هل نتنياهو مفيد لإسرائيل؟

بالنسبة لبعض الناخبين، فإن الإجابة هي ببساطة نعم أم لا. قد يحبونه أو يكرهونه هو وسياساته؛ قد يثقون به أو لا يثقون به تماما؛ قد يصوتوا له دائما او قد لن يصوتوا له أبدا؛ إنهم سعداء او معارضون تمام لأنه يتحدث عن فرض السيادة على المستوطنات؛ قد يستمتعوا بشراكته مع الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة وقد يعارضونها… لا يواجه هؤلاء الناخبين أي معضلة.

بالنسبة لكثيرين آخرين، فإن السؤال معقد للغاية. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، يعتبر تصويت يوم الثلاثاء خيارا مؤلما بين جانبي رئيس وزرائنا طويل الأمد، وقد يفضي استنتاجهم إلى قطع شوط طويل نحو تحديد ما إذا كان يستطيع أن يحتفظ بالسلطة. هل ينتصر احترامهم وتقديرهم لإنجازات نتنياهو في الحفاظ على أمن البلاد على مخاوفهم من الضرر الذي يلحقه بنسيج الأمة؟

وبينما يحلون هذا اللغز، فإن هؤلاء الناخبين سوف يسألون أنفسهم، إذا كانوا واثقين من أن غانتس وبقية قيادته في حزب “أزرق-أبيض”، الذين يعملون على تعزيز الوحدة الداخلية في إسرائيل، قادرون على حماية البلاد والحفاظ على كل العلاقات الدبلوماسية المهمة في جميع أنحاء العالم. ومن المثير للنظر به هو أنه في حين أن “أزرق-أبيض” يضمن قائدين سابقين في الجيش الإسرائيلي في صفوفه، فإن الاستطلاعات تشير إلى أن السيد نتنياهو بإعتبار نفسه “سيد الأمن” يضع الأمن كأكبر تحدي على منافسيه مواجهته.

من اليسار إلى اليمين: قادة الحزب “أزرق-أبيض موشيه يعلون، بيني غانتس، يئير لبيد وغابي أشكنازي يستعدون لصورة بعد إعلان تحالفهم الانتخابي الجديد في تل أبيب في 21 فبراير 2019. (Jack Guez/AFP)

ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للقلق في كفاح نتنياهو للبقاء في السلطة، هو الشك في أنه إذا أعيد انتخابه، فسوف يسعى للحصول على تشريع لمنح نفسه الحصانة من المقاضاة في قضايا الفساد الثلاثة التي يواجه فيها تهما حاليا. وقد حذر غانتس من أن نتنياهو يضع إسرائيل على طريق التحول إلى دولة مثل تركيا، حيث اكتسب الرئيس رجب طيب أردوغان سيطرة أكبر على تطبيق القانون والإعلام و “يحمي نفسه من التحقيقات ومن الجهود الأخرى الرامية إلى منع الفساد”.

عندما سئل نتنياهو مرارا عما إذا كان سيبادر أو يدعم أو يشجع ضمنيا أي نسخة إسرائيلية من القانون المسمى “القانون الفرنسي”، كان نتنياهو غير واضحا. في إحدى المقابلات التلفزيونية التي أجريت قبل أسبوعين، قال إن الفكرة “غير واردة”، لكن بعد ثوان قليلة قال إنه لا يعرف، ثم قال أنه لا يعتقد ذلك.

تمت مقابلة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من خلال القناة 12 في 23 مارس 2019. (لقطة شاشة: القناة 12)

إن تسمية “القانون الفرنسي” المختصرة مضللة للغاية. ولكي يكون مفيدا لنتنياهو، يجب تطبيق هذا التشريع بأثر رجعي – وهي خطوة غير ديمقراطية إلى حد كبير. علاوة على ذلك، في فرنسا، حيث يتمتع رئيس الدولة بالحماية من المقاضاة أثناء وجوده في منصبه، هناك حدود لفترات الولاية؛ لا يمكن لأي رئيس أن يخدم أكثر من فترتين مدة كل منهما خمس سنوات. في إسرائيل، يمكن لرئيس الوزراء أن يعمل لفترة طويلة طالما يتم انتخابه للقيام بذلك. يمكن لنسخة موازية إسرائيلية للقانون الفرنسي أن تمكّن نتنياهو باستمرار من تجنب الملاحقة القضائية.

وقال العديد من حلفائه المحتملين وزملاؤه في حزب الليكود إنهم سيعارضون أي تشريع من هذا القبيل. إذا نجح الأمر، فإن خطف نتنياهو لركائز الديمقراطية الإسرائيلية سوف يتحول إلى تكسير تلك الركائز وأنهيارها.

قد لا يكون هذا السيناريو محتملا للغاية في أذهان الناخبين عند إنتخابهم. وهذا عادل بما فيه الكفاية. بعد كل شيء، نحن ديمقراطية. يوم الثلاثاء، سيقرر الناخبون الإسرائيليون إلى أين نتجه.