هذا الأمير لم يكن ميكافيليا.

في الوقت الذي أكد فيه المسئولون البريطانيون مرات لا تُعد ولا تُحصى قبل وصول دوق كامبريدج إلى المنطقة في وقت سابق من الأسبوع على أن زيارته هنا تهدف إلى الإحتفاء بالعلاقات الثنائية البريطانية مع الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، لكن عدا ذلك ستكون الزيارة بعيدة عن السياسة.

فهو لن يعترف بالدولة الفلسطينية أو يعتذر عن “وعد بلفور”، كما تكهنوا، لكنه لن يقوم أيضا بأي خطوة يمكن تفسيرها كاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أي جزء من القدس.

وهذا ما كان.

رئيس الدولة رؤوفين ريفلين تحدث مع ويليام حول الحاجة إلى أن يتقبل الفلسطينيون أخيرا كون إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي. رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أكد على التزامه المستمر باتفاق السلام مع إسرائيل بالاستناد على حدود عام 1967. لكن الأمير رفض أن يتم استدراجه والتزم بنقاط حديث مبهمة تم تجهيزها مسبقا. وبدا أن لسانه زل عندما أشار إلى الأراضي الفلسطينية كدولة عند لقائه بعباس، ولكنه لم يعلن حتى تأييده لحل الدولتين.

ومع ذلك، كانت زيارة الملك المستقبلي ذات أهمية كبيرة لإسرائيل، على الرغم من بعض الإزعاجات على طول الطريق.

الأمير ويليام (من اليسار) يلتقي برئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وزوجته سارة في منزل رئيس الوزراء في القدس، 26 يونيو، 2018. (AFP Photo/Pool/Thomas Coex)

تكمن أهمية زيارته في الأساس في حقيقة أن فردا من العائلة المالكة، بعد سبعة عقود من مقاطعة غير رسمية، جاء أخيرا في زيارة رسمية إلى دولة إسرائيل.

إنها ضربة موجعة لأولئك الذين يسعون إلى نزع الشرعية عن دولة إسرائيل عندما تقوم بريطانيا العظمى – التي لم تمتنع في التصويت في عام 1948 على خطة التقسيم في الأمم المتحدة فحسب، بل رفضت مرارا وتكرارا التصويت لصالح انضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة، لتعترف بالدولة اليهودية الوليدة فقط في أبريل 1950 – بإرسال ممثل عن صاحبة الجلالة أخيرا إلى القدس لإجراء لقاءات مع كبار قادة إسرائيل.

لا بد كذلك من أن مؤيدي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) حكوا رؤوسهم بحيرة بعد أن علموا أن الرجل الذي يتواجد في المرتبة الثانية في ولاية العرش البريطاني اختار المكوث في فندق “الملك داوود” في القدس، الذي قامت مسلحون يهود في عام 1946 بتفجيره، ما أسفر عن مقتل عشرات الجنود البريطانيين.

النشوة التي شعر بها نشطاء الBDS بعد إلغاء منتخب الأرجنتين لمباراته الودية في في القدس سرعان ما تبخرت هذا الأسبوع بعد أن رأوا الأمير يصافح رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو في شارع على اسم آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني الأسبق الذي مهد الطريق لإقامة دولة إسرائيل الحديثة.

يوم الثلاثاء، اشاد الدوق ب”الطابع الفريد لتل أبيب، ذوقها وتنوعها”، وشبّه “ابتكار (إسرائيل) وتنوعها وموهبتها وامتيازها” بالمزايا التي تتمتع بها بلاده، مشيرا إلى أن العلاقات الثنائية – بما في ذلك العلاقات التجارية والتعاون الأمني – في أعلى مستوياتها.

وقال الأمير خلال حفل استقبال في مقر السفير البريطاني لدى إسرائيل، ديفيد كواري، في مدينة رمات غان في ضواحي تل أبيب “هناك… حيوية جوهرية لهذا البلد”.

الأمير ويليام (من اليمين) يصافح لاعب كرة طائرة شاطئية خلال زيارة قام بها برفقة رئيس بلدية تل أبيب في المدينة الساحلية، 26 يونيو، 2018. (AFP PHOTO / POOL / MENAHEM KAHANA)

وكان قد استوعب هذه الحيوية قبل ساعات من ذلك في لقاء مع أطفال يهود وعرب في لعبة كرة قدم، وفي جولة قام بها على شاطئ تل أبيب، عندما نقل طبعه الهادئ شعورا بالراحة في وجوده في إسرائيل سيصنع المعجزات للطريقة التي يُنظر فيها إليها.

لكن في الخطاب نفسه في منزل السفير، وجّه ويليام نداء للسلام سيكرره عدة مرات بعد ذلك. “لهذه المنطقة تاريخ معقد ومأساوي – في القرن الماضي عانت شعوب الشرق الأوسط أسى وخسارة عظيمين. هناك حاجة إلى الأمل والمصالحة أكثر من أي وقت مضى”، كما قال ويليام، الذي أضاف “أعرف أنني اشاطركم جميعا، أنتم وجيرانكم، الرغبة بسلام عادل ودائم”.

وكرر آخر ثلاث جمل، حرفيا، في اليوم التالي في حفل استقبال للفلسطينيين أجري في القنصلية العامة البريطالنية في القدس.

الأمير ويليام يلقي خطابا خلال حفل استقبال في القنصلية البريطانية في القدس، 27 يونيو، 2018. (AFP Photo/Pool/Debbie Hill)

وهذه هي الشوكة في الجانب الإسرائيلي، الألم الملكي الصغير الذي رافق هذا المكسب: هذه الأجزاء من زيارة الأمير التي كانت وراء حدود عام 1967، بما في ذلك تلك التي كانت في القدس الشرقية، والتي لم يتم تنظيمها من قبل السفارة البريطانية في تل أبيب، وإنما تمت تحت إشراف قنصلية بريطانيا في القدس ومقرها في حي الشيخ جراح في الشطر الشرقي من المدينة.

وقال الأمير ويليام في حفل الاستقبال الذي أقيم في القنصلية مساء الأربعاء في جزء من القدس يعتبره الإسرائيليون جزءا من عاصمتهم الأبدية، إن “قصة الشعب الفلسطيني يتم سردها في كثير من الأحيان من خلال عدسة الصعوبة والصراع – ولكن هناك قصة أخرى كان لي الشرف بأن أكون شاهدا عليها اليوم”.

وأضاف “رسالتي الليلة هي أنه لم يتم نسيانكم. لقد كانت مقابلتكم ومقابلة الفلسطينيين الآخرين الذين يعيشون في الضفة الغربية وسماع قصصكم تجربة قوية”.

وهكذا خاطب الأمير الإسرائيليين في بعثة دبلوماسية في تل أبيب، والفلسطينيين في بعثة دبلوماسية في القدس.

يوم الخميس، قام الدوق ب”زيارات خاصة” إلى قبة الصخرة ومسجد الأقصى والحائط الغربي وكنيسة القيام، التي تقع جميهعا في القدس القديمة – والتي، بحسب الإعلان الرسمي عن مسار رحلة الأمير، هي جزء من “الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

القنصلية في القدس، التي يعبر بيان مهمتها الرسمية عن الدعم ل”دولة فلسطينية ديمقراطية بالاستناد على حدود 1967، تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل، مع القدس عاصمة مشتركة للبلدين وإنهاء الاحتلال من خلال اتفاق”.

قبيل الزيارة، دافع مسئولون بريطانيون عن استخدام عبارة “الأراضي الفلسطينية المحتلة” وقالوا إن وصف أي موقع خارج الحدود المعترف بها لإسرائيل بهذه الصيغة هي سياسة بريطانية متبعة منذ فترة طويلة.

قد يكون ذلك دقيقا، ولكن قد يُغفر للإسرائيليين شعورهم بالإستياء من وضع مثل هذه التسمية على الحائط الغربي – وهو مكان تقول القنصلية البريطانية في القدس إنه “جزء من الحائط القديم للهيكل الثاني، مركز العبادة اليهودية منذ آلاف السنين”.

الأمير ويليام يلمس حائط المبكى، اقدس مكان يمكن لليهود الصلاة به، في القدس القديمة، 28 يونيو 2018 (AFP PHOTO / Menahem KAHANA)

إسرائيل لن تكتفي أبدا من زيارات الشخصيات الهامة إلى الحائط الغربي. على الرغم من إصرار الأمير على الذهاب إلى هناك من دون مرافقة رسمية إسرائيلية، فإن اللحظة الرصينة التي وقف خلالها هناك في استبطان صامت يُنظر إليها على أنها بادرة عظيمة تدل على احترام لعلاقة الشعب اليهودي بهذه الأرض وهذه المدينة.

ومع ذلك، حتى ممارسة دبلوماسية راسخة لا يمكنها إخفاء عدم انسجام معين – قد يصفه البعض بعدم إنصاف – في الجهود الحثيثة التي بذلها الملك المستقبلي لكي لا يبدو أنه يعترف بالسيادة الإسرائيلية على أي جزء من القدس (بحسب تقارير رفض لقاء رئيس بلدية المدينة نير بركات)، و في الوقت نفسه اعتبار البلدة القيمة بكاملها جزءا من الأراضي الفلسطينية.

في حين أن أيا من هذا لا يمكنه أن يحكم على نتيجة مفاوضات سلام محتملة على الوضع النهائي في المستقبل، وفي حين أن المسئولين الإسرائيليين يعتبرون وبحق أن زيارة الأمير ويليام الغير سياسية ظاهريا كانت ناجحة، إلا أن ذلك يسلط الضوء أيضا على بعض الشذوذات الدبلوماسية التي لا تزال تشكل تعقيدا ملكيا للدولة اليهودية.