في خريف عام 1986، كانت ريكي إيال والذي كان آنذاك خطيبها في ليلة رومانسية على شاطئ تل أبيب عندما طرح خطيبها سؤالا غريبا.

“لو علمتِ أن أحدهم كان أحد عملاء الشين بيت، هل تتزوجينه؟” سأل عميت (ليس الإسم الحقيقي). مشيرا على وجه التحديد إلى العملاء الذين يتم تجنِيدهم للعمل في ما يسمى “القسم اليهودي” في جهاز الأمن لجمع معلومات استخباراتية عن القوميين المتطرفين الإسرائيليين (المستوطنين).

“بالطبع لن أتزوجه”، أجابت إيال بصراحة، متسائلة عما إذا كان خطيبها يختبر ولاءها لقضية الناشطين اليمينيين المتطرفين، الذين تم استهداف العديد منهم من قبل الشاباك في مستوطنتهم، كريات أربع.

تغير موضوع المحادثة بسرعة. مرت سنوات عديدة قبل أن فكرت إيال في هذا السؤال مرة أخرى.

“لسوء الحظ، كانت إجابتي عديمة القيمة”، قالت إيال (52 عاما) في مقابلة أجرتها معها التايمز أوف إسرائيل مؤخرا من منزلها في مدينة عراد الجنوبية. “في ذلك الوقت، كان الشاباك قد جنده، وكان يعمل كعميل فيه”، قالت.

ريكي إيال تقف أمام باب منزلها في عراد، يناير ، 2019. (Johanna Chisholm/Times of Israel)

بعد أربع سنوات كشف عميت، الذي حُظر نشر اسمه الحقيقي، عن وظيفته الإضافية كعميل شين بيت إلى زوجته، ووعد بالانسحاب من الوكالة. لكنه في الواقع لم يغادر وإستمر في تلقي مدفوعات سرية لعمله مع الشين بيت – أموالا لم يتقاسمها مع عائلته أبدا.

في عام 2001، انفصلت إيال عن عميت، ثم تطلقوا فيما بعد. لكن خلال 15 سنة تقريبا من الحياة الزوجية، عانت من إساءة معاملة بشكل إعتيادي وبأشكال مختلفة وربّت سبعة أطفال في فقر مدقع، على حد قولها.

قصتها هي قصة مذهلة من المعاناة والخداع. هذا الخداع هو شيء يبرره الشين بيت على أنه ضروري لمصلحة الدولة الأوسع في التصدي للإرهاب اليهودي. لكن بالنسبة إلى إيال، فإن “المصلحة الأوسع” تترجمت إلى تدمير حياتها وحياة عائلتها.

هل طلبت وكالة المخابرات على وجه التحديد من العملاء الزواج من السكان المحليين في مستوطنات مثل كريات أربع من أجل جمع المعلومات الاستخبارية؟ جهاز الشين بيت يقول إنه لم يفعل ذلك. لكن هل كانت أجهزة الأمن على علم بتدمير العائلات التي تسبب بها خداع عملاء مثل عميت؟ تؤكد إيال أن الإجابة هي نعم بشكل لا لبس فيه.

شاركت إيال لأول مرة قصتها في عام 2004، لكنها بدأت الآن في اكتساب مكانة بارزة بعد فيلم وثائقي بثته قناة “كان” العامة الشهر الماضي. بعد إجراء مقابلة مع إيال، قامت التايمز أوف إسرائيل بالتواصل مع عميت في محاولة لسماع جانبه. وبينما لم ينكر أنه عمل كمخبر، أنهى المكالمة قبل طرح أسئلة إضافية.

إيال، التي تعمل الآن كسائقة سيارة أجرة في الوقت الذي تحاول فيه سداد الديون التي تركها عميت، لم يكن لديها ما يكفي من الجوانب الإيجابية عن “البؤس” الذي كان زواجها، لكنها لا تزال مصرة للغاية أن اللوم لا يقع على عاتق زوجها السابق فقط – بل يصل إلى أعلى جهاز الأمن الذي كان قد جنده خلال خدمته العسكرية.

“لست مهتمة بالحارس عند البوابة. أريد الضابط القائد”، قالت بحزم. “زوجي السابق كان مجرد رهان في كل هذا. لقد قاموا بتوجيه الأمر برمته وكانوا على دراية كاملة بوضعنا في البيت”.

ووفقا لإيال، فقد استهدفت الوكالة كريات أربع، وهي مستوطنة مجاورة للخليل متشددة إيديولوجيا، مدركة أن عملائها كانوا يتزوجون من نساء دون أن يكشفوا أنهم يعملون لدى الشين بيت. عندما حاولت الطلاق من عميت بعد إثبات الحقيقة عن عمله السري، وضع الشين بيت الزوجين في علاج واستشارات زواج “زائفة” حيث تم الضغط عليها لإبقاء العلاقة مستمرة.

رجال الشرطة يعتقلون مستوطنا متشددا يشتبه في قيامه بالتحريض على العنف بعد أن رفع ملصق للمتظاهر اليميني المتطرف مئير كهانا، في مستوطنة كريات أربع في الضفة الغربية يوم 3 مارس 2007. (Michal Fattal/Flash90)

في عام 2004، رفعت ايال دعوى على الشين بيت بسبب الأضرار، وفي النهاية تمكنت من الحصول على مبلغ صغير – “شواقل بالمقارنة بما مررنا به أنا وأولادي. إمتلكوا آلة محاماة جيدة النفوذ واضطررنا إلى التنازل”.

لقد مضى ما يقارب عقد من الزمن منذ التوصل إلى الاتفاق، وما زالت إيال تتكلم ضد “الشاباك”، وهي وكالة ينظر إليها الإسرائيليون على نطاق واسع باعتبارها واحدة من الركائز الأمنية للدولة. “لقد دمروا حياتي. أضرار عاطفية ومالية تتبعني حتى يومنا هذا”، قالت. “ولكن ما لن أسمح لهم بفعله هو إسكاتي”.

بالنسبة لإيال، ليس هناك شك في أن الشاباك استفاد بشكل كبير من اندماج عميت الكامل في مستوطنة كريات أربع، حيث انتقلت للسكن هناك قبل أشهر قليلة من لقائه.

مضيفة: “لقد عشت كذبة. لم أكن متزوجة فقط من رجل لم أكن أعرفه، ولكنه أحضر معه – إلى بيتي – وكالة استغلتني بأكثر الطرق سخرية”.

والأكثر من ذلك، تدعي إيال أن قصتها بعيدة كل البعد عن كونها فريدة من نوعها، وأن هناك “عشرات” من النساء الأخريات اللواتي لا يعرفن أنهن متزوجات من رجال الذين يعملون لجمع المعلومات عن الجيران والأصدقاء وحتى الأسرة.

وكالة الأمن، إلى جانب عملاء سابقين تحدثوا دفاعا عنها، قالت ردا على شكاوى إيال من أنها تزوجت عميت وليس الشين البيت، وأنها تسيء توجيه اللوم على الوكالة بشأن ما مرت به. علاوة على ذلك، فقد جادلوا بأن قضية إيال كانت استثنائية، وهي قصة مختلفة تماما عن تلك التي شهدتها معظم الأسر التي يعمل فيها الزوج مع وكالة الاستخبارات.

لقد استثمرت الوكالة موارد كبيرة لمكافحة الإرهاب اليهودي في كريات أربع، التي كانت نوعا ما بمثابة محورا لمجموعة “التنظيم اليهودي السري” في أوائل الثمانينيات. لقد تم الكشف عن المجموعة في عام 1986 بعد اعتراض الشين بيت محاولة من أعضاء المجموعة لإشعال حرائق في خمس حافلات عربية في القدس الشرقية. تمت إدانة خمسة عشر فردا من المجموعة، وعددهم 29 فردا بالمجمل، وحكم عليهم بالسجن. أحد قادة المجموعة الأصولية كان موشيه ليفني، من سكان كريات أربع. في عام 1984، داهمت قوات الأمن البلدة وعثرت على مخبأ للأسلحة والمتفجرات العسكرية التي كانت تنوي المجموعة استخدامها في تفجير قبة الصخرة. بعد عقد من الزمن، قام باروخ غولدشتاين، وهو طبيب ومقيم في كريات أربع، بقتل 29 فلسطينيا خلال صلاة في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

ريكي إيال (يسار) أثناء زواجها من عميت (إسم غير حقيقي) في فبراير 1987. (Courtesy)

مستهدفة منذ البداية؟

تعرفت إيال على عميت بعد وقت قصير من إنتقالها إلى كريات أربع في بداية عام 1986. كانت تبلغ من العمر 19 عاما وكان أكبر منها بثلاث سنوات. كانت في حب شاب آخر في ذلك الوقت، لكنها أنهت العلاقة بعد ثلاث سنوات.

“كنت حزينة عندما وصلت إلى كريات أربع وأنا متأكدة من أن عميت علم بذلك. ربما حتى استغل ذلك”، تكهنت إيال.

تطرقت إيال إلى محادثة جرت قبل بضع سنوات مع ذلك الشاب التي كانت في علاقة معه مسبقا، والذي تساءل بصوت عالٍ عما إذا تم إستهدافهما على يد عميت. بينما رفضت إيال الكشف عن هوية عشيقها السابق، قالت إنه كان واحدا من ثلاثة مراهقين جندهم الناشط اليميني المتطرف يوئيل ليرنر للقيام بعملية لتفجير قبة الصخرة. ألقي القبض على ليرنر وأرسل إلى السجن، في حين أن القاصرين الثلاثة الذين جندهم بالكاد أعتقلوا وأرسلوا إلى بيوتهم دون عقاب.

كانت إيال نفسها قد نشأت في نفس الشارع الذي نشأ فيه ليرنر في البلدة القديمة في القدس، وكانت تقضي وقتا مع عائلته بشكل منتظم. كما شاركت لفترة وجيزة في حركة شباب “حشمونئيم”، التي تأثرت بفكر مئير كهانا. حُظر حزب كاخ اليميني المتطرف في اسرائيل بموجب قوانين مكافحة الارهاب في الثمانينات.

إلا أن إيال رفضت الفكرة القائلة بأنها أصبحت متطرفة، موضحة أن علاقتها بالقوميين المتطرفين نبعت من مطاردتها لشاب كانت تحبه.

يوئيل ليرنر، 63 عاما، يقرأ في منزله في القدس القديمة، 7 سبتمبر 2004. (AP Photo / Lefteris Pitarakis)

على الرغم من أنها كانت تعاني من رفض حبها الأول، فقد اعترفت بأنها كانت متيمة بعميت، الذي لم يشبه الفتيان الآخرين الذين وصلوا إلى المستوطنة للدراسة في المعاهد الدينية القريبة.

“كان لديه شعر طويل مجعد، وقرط، وهالة نضوج واضحة”، قالت إيال.

وحسبما قالت، أعلن الاثنان خطوبتهما بعد ثلاثة أشهر فقط من اللقاء – وهو أمر مألوف وسط الأزواج في المجتمع الديني الذي يعيشون فيه.

وتزوجا في فبراير 1987، على الرغم من أن والدة إيال لم تحضر حفل الزفاف. “إنها لم توافق عليه على الإطلاق. قالت إن لديها شعور بشيء ما، لكنها لم يستطع تحديده”، قالت إيال.

“لا تسألي”

قالت إيال أنه في ذلك الوقت، كل ما أرادته هو بناء بيت وبدء عائلة “مثل أي شخص آخر.”

بعد تسعة أشهر من زفافها، أنجبت طفلها الأول. تبع الطفل الثاني بعد عام.

ومع ذلك، ومع نمو الأسرة، فإن ما تذكرته بشكل بارز هو “الشعور بالوحدة المطلقة”.

وفقا لإيال، لم يكن عميت في البيت. “يختفي لساعات وساعات، وأحيانا لأيام، دون أن يفصح عن مكانه”.

عندما بدأت بطرح الأسئلة، كان عميت يعطيها إجابات غامضة تتعلق بالانشغال في العمل. “لكن لم يكن هناك مال يحضره!”، قالت بأسف.

لم يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن أدت استفساراتها البريئة حول مكانه إلى تفاقم غضب عميت، وسرعان ما كان الجواب الوحيد الذي كان بإمكانه قوله هو: “لا تسألي”.

بينما كان هناك الكثير الذي تجهله عن زوجها، فقد أدركت أنه كان يتسكع في دوائر “المتشددين” في كريات أربع.

ريكي إيال في حوالي عام 1993. (Courtesy)

“أعلم أنه أصبح صديقا للشباب الذين تم اعتقالهم لاحقا. أعلم أنه كان يغادر المنزل وعندما يعود في الصباح، تكون هناك بعض التقارير في الإذاعة حول إحراق حقول لعرب في حلحول”، قالت إيال مشيرة إلى قرية فلسطينية متاخمة للخليل.

“الكشف”

عندما اقتربوا من ثلاث سنوات من الزواج، عاد عميت إلى المنزل في أحد الأيام وأخبر زوجته بأن اجتماعا يننظرهم في القدس.

كان في انتظارهم عند وصولهم إلى غرفة في فندق رجلان، فهمت إيال فيما بعد أنهما مديرا عميت في الشين بيت.

استقبلوا إيال بحرارة وبدأوا على الفور بمدح زوجها. “’إنه يحمي شعبنا. إنه يتأكد من أنهم لا يواجهون مشاكل‘”، قالت أنهم أخبروها مرارا وتكرارا.

وفقا لإيال، فإن الكلمات “الشين بيت” لم تنطق أبدا خلال الاجتماع. ما قاله مديري زوجها للزوجين هو أنهم مُنعوا من الحصول على المال في حسابهم البنكي؛ وإلا فإن جيرانهم سيشككون في الأمر.

مستوطن إسرائيلي مسلح يحمل طفلا في مستوطنة كريات أربع في الضفة الغربية في 3 آذار 1994، بينما ينتظرون حافلة لنقلهم إلى القدس. (AP Photo/Eyal Warshawsky)

كان ذلك في ذروة الانتفاضة الأولى، وبينما كان يحاول وقف الهجمات الفلسطينية ضد الأهداف الإسرائيلية، كان الشين بيت يعمل أيضا مع عشرات العملاء اليهود في جميع أنحاء الضفة الغربية لجمع معلومات استخبارية حول هجمات انتقامية محتملة قد يقوم بها اليهود ضد الفلسطينيين.

“حينها، كان هناك جو شديد من عدم الثقة في كريات أربع. الجميع إشتبه في أن أحد الجيران هو عميل في الشين بيت”، تذكرت نفتالي فرزبرغر، وهي من سكان المستوطنة السابقين والمحامية التي مثلت إيال في الدعوى المرفوعة ضد وكالة الاستخبارات.

في ذلك الوقت، عاش في كريات أربع 3000 شخص تقريبا، من العلمانيين والمتدينين. لكن المجموعة المتدينة هيمنت على المدينة وشملت نشطاء قوميين متطرفين مطلوبين من قبل الشين بيت لإرهابهم للفلسطينيين ردا على الهجمات القاتلة التي تستهدف الإسرائيليين. في أحد هذه الهجمات، في عام 1980، قُتل ستة من طلاب المدرسة الدينية اليهودية بينما كانوا عائدين إلى كريات أربع من موقع الحرم الإبراهيمي.

وقالت فرزبرغر إن عددا من كبار أفراد المستوطنة كانوا على علم، بدرجة كبيرة من اليقين، بعمل عميت كعميل. “لكنها ما زالت شائعات ولم نكن تعرف ما يجري خلف الأبواب المغلقة. لم يكن لأي شخص المكانة لوضع نفسه بين الزوجين”.

وقالت إيال إنها غادرت الاجتماع في القدس مع انزعاج كبير، ولكنها لم تدرك بشكل كامل أهمية الرجلين وتشعبهما، وما الذي كانا يطلبانه.

في هذه المرحلة، كانت الأم الشابة تناضل من أجل إطعام أطفالها، بالاعتماد بشكل كبير على مجموعات من الأغذية الأساسية التي يضعها الجيران على بابهم بشكل دوري.

بعد وقت قصير من ولادة طفلها الثالث في عام 1990، بدأت حالتها العقلية بالتراجع. “لم يكن لدي أحد لأتحدث معه حول ما كان يحدث. ماذا يمكنني أن أفعل؟ زيارة منزل أحد الأصدقاء لأخبرها أني أعتقد أن زوجي عميل في الشين بيت؟”

ريكي إيال في حوالي عام 1990. (Courtesy)

أدت العزلة إلى محاولتها إنهاء حياتها. “وضعت مسدسا في فمي، لكن في كل مرة حاولت أن أضغط الزناد أسمع ابنتي تبدأ في البكاء في الغرفة المجاورة”، تذكرت إيال.

وبينما أوصلت النقاط المظلمة في زواجها ببعضها البعض، انخفض صوتها وبدأت في التأرجح ذهابا وإيابا، واستحوذت يديها على ركبتيها بإحكام. حتى أن شدة الذكريات منعتها من الاستلقاء على الأريكة طوال معظم المقابلة التي استمرت لمدة ثلاث ساعات.

طلبت إيال الطلاق من زوجها. وافق عميت في البداية، لكنه عاد إلى المنزل في اليوم التالي وأخبر زوجته بأنهم سيبدأون العلاج الإستشاري بشأن الزواج بدلا من ذلك.

أكد دفير كريف، الذي عمل كوكيل في “القسم اليهودي” في الشين بيت من عام 1994 إلى عام 2012، أن جهاز الأمن يمول استشارات الزواج لمخبريه عند الضرورة، لكنه أكد أن المستشارين يعملون بشكل مستقل عن الوكالة. “من مصلحة الوكالة أن تكون هناك علاقة سليمة”، أوضح.

رفضت ايال هذه الرواية. “كانوا مهتمين بالحفاظ على الزواج، وليس من أجل مصلحتي”.

كانت الأم الشابة تتوقع الآن طفلها الرابع. أخبرها مستشار الزواج أن فترة الحمل لم تكن الوقت المناسب لمناقشة أمور خطيرة مثل الطلاق.

“هل تريديني أن أترك الشين بيت؟”

عند نهاية عام 1990، إقترح عميت على إيال نقل العائلة إلى مستوطنة سوسيا الجنوبية في الضفة الغربية، حيث كان سيعمل كحارس أمن للموقع الأثري على مشارف المستوطنة.

رفضت إيال في البداية، ولم تكن تريد العيش على قمة تل معزولة بعيدا عن بقية المستوطنة.

ريكي إيال في منزلها في عراد، يناير، 2019. (Johanna Chisholm/Times of Israel)

“هل تريدني أن أترك الشين بيت؟”، نقلت عن عميت الذي رد بعصبية. كانت هذه هي المرة الأولى التي نطق فيها زوجها الكلمات “الشين بيت”.

بأمل أن توفر هذه الخطوة فرصة لتحويل حياتهم، أجابت إيال بسرعة “نعم”.

انتقلت العائلة إلى سوسيا – ولكن ليس كما اعتقدت، لأنه كان قد إستقال من الشين بيت. “ما تعلمته في الآونة الأخيرة فقط هو أن السبب وراء رغبته في مغادرة كريات أربع هو أن غطائه قد كشف”، أوضحت إيال. “لكن في ذلك الوقت، أخبرني أنه قد إستقال من الشين بيت، لذلك صدقته”.

على مدى السنوات الثلاث التالية، إنتقلت العائلة حول المستوطنات في جنوب الضفة الغربية بسبب وضعها المادي.

وبينما جربت إيال أشكالا مختلفة من وسائل منع الحمل – بما في ذلك الحبوب والأدوات المزروعة – وحتى الفشل في الإجهاض، لم تستطع التوقف عن الحمل. “بعد ولادة طفلي الثاني، كان هناك حمل بالرغم من وسيلة أو أكثر لمنع الحمل”.

وقالت إيال أنها عندما أنجبت طفلها الرابع، توسلت للممرضات لأخذه منها. “الطفل المسكين! ماذا كنت سأفعل به؟ كنا نعيش في بيت متنقل صغيرة وكان ذلك في منتصف الشتاء المتجمد”.

“لكن الأطباء وزوجي قالوا أن كل شيء سيكون على ما يرام. بالطبع لم يكن الأمر على ما يرام”، قالت.

شاركت بذكرى مروعة أخرى من اليوم الذي اقتربت فيه إحدى بناتها الصغيرة، جائعة، طالبة قطعة من الفاكهة. “كان علي أن أنظر إليها في العين والقول أنه لم يكن لدي أي شيء لأعطيه لها. إنه شعور لن أتمكن من نسيانه أبدا”.

خلال هذه الفترة، قالت إيال إنها كانت تتلقى مكالمات هاتفية بشكل منتظم من مدير عميت الذي سأل عن وضعه. اعتقدت أنه من الغريب أن يكون العميل لا يزال على اتصال بمديره على الرغم من أنه لم يعد يعمل في الوكالة، لكنه كان ينقل الرسائل إلى زوجها رغم ذلك.

“كنت في غاية السذاجة في ذلك الوقت، بشكل شبه إجرامي”، قالت. “في الوقت نفسه، لا أستطيع ان أحكم ولن أحكم على الشخصية التي كنتها آنذاك”.

“لقد كبرت بنفسي وربيت الأطفال في نفس الوقت. كانت حياتي كلها عبارة عن حفاضات، زجاجات، لهايات، دون نوم في الليل، رضاعة طبيعية، ورعاية. لم يكن هناك وقت للتفكير في عملاء ومؤامرات الشين بيت”، قالت.

امرأة فلسطينية وأطفالها يبحثون عن الطعام والمعدن في نفايات مستوطنة كريات أربع في 15 يوليو 1996. (Nati Shohat Flash90)

في عام 1993، نقلت إيال وزوجها أطفالهم الخمسة إلى نحوشا، وهي بلدة متدينة صغيرة في وسط إسرائيل. قبل وصولهم، تواصلت لجنة القبول في البلدة مع إيال بسبب بعض المخاوف بشأن ماضي زوجها.

“لقد أكدت لهم ببراءة أنه تم توظيفه من قبل الوكالة لبضع سنوات فقط، وأنه تركها منذ فترة طويلة”.

تم قبول العائلة في البلدة. وبعد عام، اختبأ ناشط قومي متطرف يدعى يهويادا كهلاني في منزلهم لعدة أيام، دون أي تفسير من عميت الذي أحضره.

بعد وقت قصير من مغادرة كهلاني، سمعت إيال نبأ اعتقاله هو وشقيقه بسبب محاولة قتل رجل فلسطيني خارج القدس.

بدأت إيال بربط المعلومات معا، والعمل تدريجيا نحو إدراك أن زوجها ما زال منخرطا مع الشين بيت، لكنها قالت إن الفكرة ما زالت لم تستقر في ذهنها.

سقوط تام

في عام 2001، بعد ولادة طفلهما السابع، إنهار ما تبقى من الزواج.

“لقد تحولت عدوانية عميت إلى عنف ضدّي أنا والأولاد”، قالت إيال. “لقد كنت امرأة معنفة. ليس بمعنى أنه كان يضربني كل يوم، لكن الإساءة كانت بكل أشكالها – المادية، العاطفية، والمالية”.

في إحدى الحالات، غضب عميت عندما كان يقود سيارته فأسرع بها نحو حافة منحدر في الضفة الغربية، وخرج من السيارة بينما كانت تترنح على الحافة، وترك زوجته وابنته الصغيرة في الداخل.

“شاركت هذه القصة مع مستشارة قانونية في منظمة ياد سارة غير الحكومية، وسألتها عما إذا كانت تعتبر عنفا من جانب عميت. نظرت إلي في حالة صدمة وصرخت: هل تسأليني عن العنف؟ إن ما وصفته هو محاولة قتل”. اعترفت إيال بأنها لم تكن قادرة على فهم درجة الإساءة التي تحملتها عائلتها.

بعد ذلك بوقت قصير، قررت الأم لسبعة أطفال والبالغة من العمر حينذاك 34 عاما أنها ستختبر مرة واحدة وإلى الأبد ما إذا كانت مشاكل زواجها لها علاقة بها. “لقد كان ذلك مساء يوم خميس وقررت أن أقوم بتنظيف المنزل إلى أن أصبح نظيفا لامعا. قمت بتحضير الأطفال للنوم بعد إستحمامهم في وقت مبكر”.

بعد أن وصل عميت مع بعض الأصدقاء، بدأ بمسح المنزل ببطء للتأكد من عدم وجود أي شيء في غير مكانه. عندما وصل نظره مع إيال، لاحظ أنها كانت تمسك طفلهما الأصغر بين ذراعيها.

“لماذا هو مستيقظ؟ ضعيه للنوم في هذه اللحظة!”، قالت واصفة صراخة أمام أصدقائه.

في هذه المرحلة، قالت إيال إنها أدركت أخيرا أنه بغض النظر عما تفعله، فإن عميت سيواصل عدوانيته.

هجمات “تدفيع الثمن” في مسجد بالقرب من رام الله في الضفة الغربية في حزيران. (Yossi Zamir/Flash90)

“قبل ذهابه إلى النوم في تلك الليلة، نظرت إليه في عينيه وقلت بهدوء: ’تحقق عندما تستيقظ في الصباح أنك لا تزال على قيد الحياة، لأني لست متأكدة من أنك ستكون كذلك”.

“نظر إلي في حالة صدمة وسألني إذا كنت أهدده. عندما قلت ’نعم‘، أجاب أنه سيتصل بالشرطة”.

“أخيرا! اتصل بالشرطة، حتى أتمكن من إخبارهم بما تفعله هنا كل ليلة!”، ردت عليه إيال.

على ما يبدو فهم أن زوجته كان جدية في كلامها، فنهض عميت وغادر المنزل إلى الأبد.

مطاردة ضابط القيادة

خلال إجراءات الطلاق التي تلت ذلك، علمت إيال أن زوجها السابق تلقى ما لا يقل عن 250,000 شيقل (68,779 دولار) من الشين بيت على مر السنين. وقالت إن هذا الاكتشاف يمثل المرة الأولى التي أدركت فيها بشكل قاطع أن عميت لم يترك الشين بيت.

“ما زلت لا أستطيع فهم كيف يمكن لرجل أن يسمح لأطفاله بالنمو دون خبز يأكلونه”، قالت.

قالت إيال أنها منذ الطلاق والدعوى ضد جهاز الشين بيت عملت على ضمان أن يتمكن أطفالها – البالغين الآن – من إعالة أنفسهم. الآن وهي تعيش في عراد في عمر 52 سنة، تعمل لساعات طويلة كسائقة سيارة أجرة.

“بسبب الديون الهائلة التي تركها لي زوجي السابق، لا يمكنني أن أكون الجدة التي أود أن أكون لأحفادي. أنا أعمل دائما وليس لدي أي وقت للرعاية بالأطفال”، تنهدت.

وبمساعدة جمعية خيرية محلية، تمكنت إيال من تعلم دورة والحصول على شهادة كمرشدة حياتية ملهمة. “أود أن أكون قادرة على إعطاء محاضرات للشابات حول تمكين المرأة، ولكن ليس لدي أي وقت بسبب العمل”، قالت.

“هو أيضا ضحية”

ومع ذلك، فإن إيال تضع المسؤولية حول حياتها الزوجية الكئيبة إلى حد كبير على الوكالة التي جندت عميت، بدلا من زوجها السابق.

“من المحتمل أنه هو أيضا ضحية في كل هذا”، قالت، مضيفة أن ضغوط الحفاظ على سرية العمل بشكل يومي يمكن أن تثير جنون الشخص.

“أنا لا أنكر أنه دمر حياتي. هذه حقيقة. ولكن لو سألني من هو المسؤول بشكل أكبر، فأنا أقول إنه الشين بيت هو المسؤول. هم من أرسلوه”، أكدت.

وكيل الشين بيت السابق دفير كريف. (Courtesy)

خلال الدعوى التي رفعتها ضد الوكالة، تذكرت إيال قاضي المحكمة الذي سألها لماذا لم تدرك أن جميع العملاء الذين يعملون في جهاز “الشاباك “هم هكذا” – على ما يبدو ملمحا أن العملاء معروفين بأن لديهم حياة منزلية مضطربة.

“إذا كان هذا هو الوضع، من تظن يقوم بتجنيد هؤلاؤ الأشخاص الذين هم ’هكذا‘ بالتحديد؟”،ردت، مستخدمة كلمات القاضي ذاتها.

وفي مقابلة في إطار الفيلم الوثائقي لمحطة “كان” الشهر الماضي، أكد رئيس جهاز الأمن الداخلي السابق يعكوف بيري أن وكالة الاستخبارات “لا تتدخل في المسائل الشخصية لعملائها أو تطلب منهم أن يكذبوا على زوجاتهم”.

ايال رفضت الفكرة تماما. “هم الذين أرسلونا إلى مستشار الزواج الزائف. ألم يكن هذا تدخلا؟”

وعلاوة على ذلك، قال رئيس القسم اليهودي السابق في الشين بيت مناحيم لانداو لقناة “كان” أن نصف العملاء الذين قاموا بتجنيدهم كانوا متزوجين من زوجات اللاتي كنّ، في البداية على الأقل، غير واعيات بعمل أزواجهن لدى الوكالة.

كريف، وكيل القسم اليهودي السابق الآخر، رفض رفضا قاطعا الادعاء بأن الشين بيت يأمر عملائه بالزواج وإنجاب الأطفال في المجتمعات التي يعملون داخلها من أجل دمجها بشكل أكثر نجاحا.

وأشار كريف إلى أن عميت تطلّق مرتين منذ تركه ريكي إيال وأنه يبدو أنه قرر بنفسه عدم مشاركة الأموال التي حصل عليها من الوكالة مع عائلته. “يبدو أنه هو الذي تسبب في انهيار الزواج، وليس الشين بيت. الوكالة ليست مسؤولة عن حملها سبع مرات. هذا هو فعل الرجل الذي اختارت أن تكون معه”.

فعلا، أصر مسؤول الاستخبارات السابق على أن الشاباك لديه مصلحة ثابتة في صحة الحالة الزوجية في حياة عملائه. “عندما تكون حياتهم في المنزل في حالة جيدة، فإنهم قادرون على العمل بشكل أكثر فعالية”، قال كريف.

“في الغالبية العظمى من الحالات، يصبح زواج العميل أقوى عندما يتم إبلاغ زوجته بما يفعله زوجها، لأنها تدرك أنه يساهم في الأمن القومي”، أضاف.

ضحكت إيال بصوت عال عند سماع إدعاء كريف. “أي نوع من النساء تكون سعيدة لمعرفة أنه كُذب عليها لسنوات؟ أساس كل علاقة صحية هو الصدق والثقة. كانوا يعرفون جيدا وضعي في البيت وإلى أي مدى لم تكن هذه العناصر موجودة فيه”.

صورة ملف: متطرف شاب يهودي برفقة الشرطة في محكمة الصلح في القدس حيث تم إحضاره للاشتباه به في إحراق منزل في سنجل، قرية في الضفة الغربية، نوفمبر / تشرين الثاني 2013. (Flash90)

لكن كريف أكد أنه خلال عقوده الثلاثة من الخدمة في الشاباك، كان على دراية “بحالة أو حالتين فقط التي شكلت فيها [حقيقة أن أحد الزوجين كان عميلا] ضررا على الزواج، على عكس عشرات الحالات الأخرى التي عززت فيها هذه الحقيقة العلاقة الزوجية”.

لسوء حظ الشين بيت – كما هو الحال مع أي وكالة مخابرات – فإن نجاحاته صعبة النشر. رفض كل من كريف ووكالة الأمن تقديم أمثلة لعملاء القسم اليهودي السابقين الذين لا يزالون متزوجين بسعادة.

ليست الوحيدة

في حين أنها متأكدة من أن هناك “العشرات” الأخريات، قالت إيال إنها تعرف ما لا يقل عن ست نساء أخريات تطلقن من أزواجهن بعد أن عرفن أنهم عملاء في الشين بيت. واحدة منهن هي “هاء”، التي تزوجت رجل يدعى أفيشاي رافيف في عام 1990، أيضا في كريات أربع.

تم تجنيد رافيف قبل الزواج بعامين للعمل في الشين بيت لمراقبة نشاطات المتطرفين اليمينيين.

بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحق رابين في عام 1995، أتهم رافيف بأنه علم عن خطط يغال عمير لقتل رئيس الوزراء وفشله في إبلاغ الشين بيت مسبقا. تمت محاكمة رافيف وتقرر أنه غير مذنب.

وفي حكمها، قالت محكمة الصلح في القدس “لن يكون من المبالغ فيه القول إنه خلال الثماني سنوات التي قضاها في العمل كعميل، عاش المدعى عليه في ’عالم من الأكاذيب‘. كذب على من حوله، على والديه، على زوجته في ذلك الوقت، وحتى على الشاباك”.

أفيشاي رافيف، أحد عملاء جهاز الأمن العام الشين بيت، الذي كانت مهمته مراقبة أنشطة المتطرفين اليمينيين. (Moshe Shai/Flash90)

وفقا لتقارير وسائل الإعلام العبرية من ذلك الوقت، عانت “هاء” كثيرا خلال زواجها لأنها سرعان ما علمت أن رافيف كان شخص مختلف تماما عن الرجل الذي اعتقدت أنها تزوجته. لم يكن متدينا ولم يرغب في أن يكون لديه أطفال.

“هاء” تطلقت منه بعد ثلاث سنوات. لكن خلال محاكمة رافيف فقط علمت بالتأكيد عن انتماءه للشين بيت.

لقد مر أكثر من عقدين من الزمن، لكن “هاء” ما زالت ترفض التحدث علنا عن التجربة.

ويبدو أن اختيارها للصمت هو القاعدة السائدة بين النساء اللواتي تزوجن من عملاء القسم اليهودي في الشين بيت دون علمهن.

تمكنت التايمز أوف إسرائيل من الوصول إلى امرأتين أخريتين طلّقتا أزواجهما بعد أن علمتا بطبيعة عملهما في الشين بيت. رفضت كلتاهما التحدث على الملأ، وقالت واحدة منهما إنها تخشى الانتقام من وكالة الاستخبارات إذا تحدثت علنا.

“أفهم سبب خوفهن، لكنني ببساطة لن أسمح لهم بسلب صوتي أيضا”، قالت إيال.

ريكي إيال في منزلها في عراد، يناير 2019. (Johanna Chisholm/Times of Israel)

وفي رده على قصة إيال، أصدر الشين بيت بيانا زعم فيه أن “عرض حالة واحدة وقعت قبل ثلاثة عقود، وعرضها كتوجه عام، هو افتراء ضد جهاز الأمن الشين بيت، ويساعد، حتى وإن لم يكن عن قصد، أولئك الذين حاولوا مؤخرا نزع الشرعية عن أنشطة مكافحة الإرهاب ضد الجماعات الإرهابية اليهودية”.

جهاز الأمن كان يشير إلى انتقادات من قادة المستوطنين وأعضاء الكنيست اليمينيين الذين اتهموا الوكالة بتعذيب المشتبه في أنهم إرهابيون يهود. آخر قضية كانت ضد مراهقين يشتبه في تورطهم في قتل عائشة الرابي في أكتوبر/تشرين الأول، وهي أم فلسطينية (47 عاما)، قُتِلَت بصخرة قذفت على السيارة التي كانت فيها برفقة زوجها وإبنتها.

“الشين بيت سيستمر في التصرف بعزم ومسؤولية ضد أي شخص متورط في نشاط إرهابي، وسيقوم بذلك باستخدام الأدوات الموجودة تحت تصرفه بموجب القانون”، ذكرت وكالة الاستخبارات الإسرائيلية في بيان.