حاول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هذا الأسبوع تفسير الدوافع التي تقف وراء الظاهرة الغير مسبوقة – التي يشير إليها الكثيرون ب”الإنتفاضة الثالثة” – التي نشهدها خلال الشهرين ونصف الشهر الماضية.

حتى اليوم، قُتل أكثر من 130 معتد شارك في هجمات أو محاولات هجمات ضد إهداف إسرائيلية. إذا قمنا بإضافة عدد منفذي الهجمات الذين نجحوا في تنفيذ هجماتهم لأولئك الذين تم إعتقالهم مسبقا على يد السلطة الفلسطينية وأجهزة الأمن الإسرائيلية، سنصل بتقدير سريع إلى حوال 200-250 فلسطيني كانوا على إستعداد للموت من أجل قتل اليهود – خلال فترة 75 يوما فقط.

إذا، بمعدل تقريبي 3 منفذي هجمات في اليوم – وهو رقم لا يمكن تخيله وخطير في الوقت نفسه. ادعى عباس أن اليأس من الإحتلال الإسرائيلي وآفاق حل الدولتين المحطمة هما اللذان دفعا بهؤلاء الشبان لفعل ما فعلوه؛ إسرائيل تلقي باللوم على التحريض.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو سارع هذا الأسبوع إلى مهاجمة عباس واستعان بإستطلاعات رأي أُجريت في الضفة الغربية تظهر معارضة الجمهور الفلسطيني لحل الدولتين. لكنه لم يشر إلى أن السلطة الفلسطينية بذاتها تمنع هجمات من كل الأشكال ضد الإسرائيليين بشكل شبه يومي.

تكمن المشكلة في أن تفسير عباس (“الإحتلال) أو نتنياهو (“التحريض”) لا ينجحان حقا بتفسير هذه الظاهرة السقيمة. قد يكون أيضا أنه من خلال عيوننا الغربية، لا يمكننا أن نفهم على الإطلاق كيف يظهر مئات الشبان إستعدادهم للموت من دون أي تفكير من أجل طعن إسرائيليين.

طه كتاني، والد أشرقت، فتاة تبلغ من العمر 16 عاما حاولت في الشهر الماضي بطعن مارة يهود عند حاجز حوارة في نقطة خروج من نابلس – والتي دهسها غرشون ميسيكا، الذي كان مارا من هناك عن طريق الصدفة، وبعدها أطلق الجنود النار عليها وقتلوها – هو شخصية معروفة في منظمة الجهاد الإسلامي. في السنوات الأخيرة يعمل إماما لأحد المساجد في مخيم عسكر للاجئين على مشارف نابلس.

في مقابلة مع قناة تلفزيونية فلسطينية مقربة من الجهاد الإسلامي، قال إن ابنته قالت له قبل وفاتها أنه في حال مقتلها (“إستشهادها”)، “إذا حاول المحتلون المقايضة بجثتي، لا توافق على ذلك”.

وتابع واصفا لقاء تبع العملية جمعه مع مسؤولين إسرائيليين أمنيين في حوارة. “حاولوا فهم إذا كانت هناك أزمة، إذا كانت تعاني من أزمة، أو أنا، أو ياسين (عمها) … بكلمات أخرى، حاولوا فهم الدافع”.

وأضاف الوالد بينما إغرورقت عيناه بالدموع، “ولكن الإحتلال لا يفهم، هم مخدوعون. عاشت أشرقت في بيتها في مستوى معيشة عال، وفعلت ما تشاء. كل من يعرفنا – الجميع يعرف العلاقات الدافئة بيني وبين أولادي. الجميع يتأثر عندما يرون طريقتي وعلاقتي بهم”. بإختصار، أشرقت لم تعاني من مشاكل أسرية أو نفسية.

الكثير من المحللين حذروا من حدوث إنفجار، لكن أحدا منهم لم يتوقع الطريقة التي تتطور فيها هذه “الإنتفاضة الثالثة”. وبالتأكيد ليست القيادة السياسية، التي ما زالت تعيش في فقاعتها، منتظرة مرور العاصفة… التي تأبى المرور. إحتجاز جثث منفذي الهجمات والتهديد بتدمير منازل عائلاتهم من المفترض أن يمنعا الهجوم القادم. ولكن هذه التقنيات لا تنجح في إمتحان الواقع.

فيضان الهجمات لا يتوقف للحظة. وهو بالتأكيد لا يتعلق دائما بأزمات عائلية، أو ما يظهر كمشكلة نفسية.

إن هذا على الأقل بشكل جزئي هو تعبير عن اليأس والإحباط، كما قال عباس، ولكنه متعلق أيضا بالسلطة الفلسطينية وجميع الفصائل الفلسطينية وحتى بالجيل الأكبر بشكل عام، الذين خيب أمال الجيل الشاب.

الغالبية العظمى من منفذي الهجمات لم تنتم إلى أي نوع من المنظمات، ولم يكونوا معروفين لأجهزة الامن، ولم يتلقوا أومرا بتنفيذ الهجمات.

معظم هؤلاء الشبان جاءوا من المدن الفلسطينية، البعض منهم أكثر تدينا والبعض الآخر أقل تدينا، معظمهم غير متزوجين. التحريض الذي يتلقونه لا يأتي ببساطة من مواقع التواصل الإجتماعي وبكل تأكيد ليس من الشبكات الإعلامية الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية. فالكراهية تأتيهم أيضا عن طريق الوريد تقريبا، في مقاهي الإنترنت والمساجد ونوادي البلياردو ومن العائلة – من كل مكان تقريبا.

ولظاهرة كهذه، من الصعب إيجاد تفسير مقنع واحد – أو حل لوقف هذا الوباء.

على الجانب الإسرائيلي، لا توجد هناك خطة حقيقية لتهدئة التوتر. خلال إجتماع بين مسؤولين أمنيين إسرائيليين وفلسطينيين كبار، طالب الفلسطينيون ب”خطة طريق سياسية” قالوا بأنها ستساهم في تهدئة الشارع. الإسرائيليون طالبوا السلطة الفلسطينية بوقف العنف أولا.

خطوات سياسية دراماتيكية قد تكون ضرورية في تحقيق هدوء طويل الأمد. ولكن ما الذي يطالب به الفلسطينيون في إطار “خطة الطريق”؟ تجميد للبناء الإستيطاني وإتفاق مبدئي على التفاوض على أساس إقامة دولة فلسطينية داخل حدود 1967. هذه المطالب لا تبدو واقعية على ضوء الإئتلاف الحكومي الحالي في إسرائيل وسياسة الشخص الذي يقف على رأسها. إنه طريق مسدود: السلطة الفلسطينية غير قادرة على تهدئة الشارع من دون خطوات سياسية دراماتيكية والتي لا تعتزم إسرائيل إتخاذها.

ما الذي يقوله ذلك للسلطة الفلسطينية وعباس؟ أنه في جميع الإحتمالات، هم في الوقت الضائع. أو، كما قال مسؤول رفيع المستوى من السلطة في مكتبه في رام الله، “انتهت اللعبة”. هل يعني ذلك حل أو انهيار السلطة الفلسطينية في المستقبل القريب؟ يبدو الأمر كذلك.

التنسيق الأمني يصبح أضعف مع مرور كل يوم وبعد كل هجوم فلسطيني وكل عملية إسرائيلية في الميدان (مثل العملية التي تم تنفيذها ليلة الثلاثاء في قرية قلنديا، خلالها قامت القوات الإسرائيلية التي كانت تبحث عن مطلوبين بقتل فلسطينيين إثنين اللذين، وفي حادثين منفصلين، حاولا دهس الجنود الإسرائيليين بسيارتيهما). يبدو ذلك مثل العد التنازلي الذي من الصعب التكهن بنهايته ولكن من الواضح بأنها سيتوقف في نقطة ما. بالتالي فإن زوال السلطة الفلسطينية هو مسألة متى وليس إذا.

على الجانب الفلسطيني أيضا لا توجد هناك خطط حقيقية.

كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة حول لجنة منظمة التحرير الفلسطينية التي من المفترض أن يتم عقدها لمناقشة وقف التنسيق الأمني والإقتصادي مع إسرائيل. هل سيجمع عباس قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بحلول نهاية العام ويقودها إلى قرار دراماتيكي ومفاجئ حول العلاقات مع إسرائيل أو التعاون الأمني؟ في الفترة التي تسبق “يوم فتح” في 1 يناير، ستحاول شخصيات رفيعة من الحركة بدو شك إتخاذ خطوات من هذا النوع أو غيره لإعادة الأجندة الفتحاوية والفلسطينية إلى الصدارة العالمية.

صائب عريقات، الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، يقوم بنثر التهديدات في كل الإتجاهات على مدى الأيام الأخيرة، ويتحدث مرارا وتكرارا عن إلغاء الإعترف بإسرائيل وإتفاق أوسلو.

ليس واضحا ما إذا كان ذلك سيحدث. ولكن لا بد من القول بأن عددا ليس بقليل من توصيات عريقات غير الناجحة على مدى العام المنصرم – على سبيل المثال، الإنضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، في الذكرى السنوية لتأسيس فتح – قوبلت بترحيب حار من قبل الرئيس.