روسيا لا تتوقف. تحدثت تقارير في وسائل الإعلام العربية مساء السبت عن قصة تيار الآلاف من اللاجئين الذي لن يهدأ، جميعهم فارين من المناطق الشمالية الغربية من سوريا باتجاه الحدود التركية. يفرون من الهجوم البري من قبل الجيش السوري، بمساندة تفجيرات روسية ضد مدينة حلب وقرى اللاذقية ومناطق أخرى قرب حمص.

ووفقا للتقارير الواردة من روسيا، فقد نجح الجيش السوري في السيطرة على بعض القرى في شمال اللاذقية، وهي منطقة في الجزء الغربي من سوريا. وغزا جيش بشار الأسد أيضا مناطق شمال حلب. يوم الجمعة، ادعى جيشه أنه استولى على قرى تسيطر على العديد من الطرق الإستراتيجية بالقرب من الحدود التركية.

كما يقول المثل العبري: “أثيرت الشهية عندما تم تقديم الطعام”. الأسد المشجُع أدلى بمقابلة يوم الجمعة لوكالة فرانس برس، متعهدا بعدم وقف القتال حتى يستعيد السيطرة على البلاد بأكملها. في حين بدا هذا وكأنه خيال منذ بضعة أشهر فقط، الآن، مع مساعدة من القاذفات الروسية، لم يعد ذلك يبدو ضربا من الخيال.

قد يستغرق سيناريو كهذا أشهرا أو حتى سنوات، ولكن تقدم الجيش السوري المدعوم من حزب الله والحرس الثوري الإيراني، متسق تماما – على الأقل على الجبهة الشمالية الغربية.

إذا نجح الأسد وحلفائه الإيرانيون والروس بالإستيلاء على “علويستان”، من المرجح أن يتحولوا شرقا إلى إدلب ومن ثم جنوبا إلى مرتفعات الجولان. فقط بعد هذا “التمشيط” من المرجح أن يحاول المحور العلوي مواجهة تنظيم “داعش” في الجزء الشرقي من البلاد.

وبالتالي، فإن الإستراتيجية الروسية لهزيمة “داعش” تكشف نفسها: أولا، هزيمة كل ما هو ليس “داعش” ويعارض الأسد، وذلك أساسا في الجزء الشمالي الغربي من سوريا. ثم, التغلب على “داعش”.

الروس، كما هم معتادون لا يأخذون رهائن معهم. فهم حتى لا يتظاهرون بتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. على العكس من ذلك: كل ما يتحرك في الأراضي التي تسيطر عليها قوات المعارضة يُعتبر هدفا مشروعا، سواء كان ذلك مستشفيات أو مدارس – وغيرها.

وفي الوقت نفسه، ماذا يفعل الأميركيون والأوروبيون؟ يتحدثون عن وقف إطلاق نار، والذي لن يشمل وقف القصف على “الجماعات الإرهابية” أو مكافحة “داعش” و”جبهة النصرة”، وبالتالي ذلك يمكن إستمرار ذبح المدنيين الأبرياء.

يمكن تصور كيف كانت إجراءات مجلس الأمن للأمم المتحدة ستبحث قصفا اسرائيليا لقرية في غزة أو الضفة الغربية، وحتى عن طريق الخطأ. في سوريا، حتى عندما يكون القصف متعمدا، تظهر معظم دول العالم العجز والغياب الكامل للإرادة لمواجهة موسكو.

تظهر المملكة العربية السعودية وتركيا كإستثناء في هذا الصدد، وخاصة الأولى. يوم الجمعة، كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن المملكة العربية السعودية تقوم بإيفاد طائراتها إلى قاعدة في شرق تركيا وأن البلدين يستعدان لإطلاق غزو بري على سوريا من أجل محاربة “داعش”.

وقال جاويش أوغلو لصحيفة محلية، أن المسؤولين العسكريين السعوديين قد وصلوا إلى القاعدة ودرسوا الأراضي. وقال وزير الخارجية التركي، “أعلنت المملكة العربية السعودية عزمها على محاربة داعش، وقالت إنها مستعدة لارسال طائرات وقوات برية”.

ومع ذلك، اعترف جاويش أوغلو بأن ليس لديه خطط حقيقية لغزو بري في هذه المرحلة. “في كل اجتماع لدول التحالف المحاربة لداعش، أكدنا دائما على الحاجة إلى استراتيجية موجهة نحو تحقيق نتائج في النضال ضد هذه المنظمة المتطرفة”، كما أوضح الوزير. “إذا امتلكنا مثل هذه الإستراتيجية، قد تشن تركيا والمملكة العربية السعودية هجوما بريا”.

من ناحية أخرى، أشار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أكثر من مرة إلى أن التوغل البري السعودي في سوريا أمر لا مفر منه. وقال الجبير لصحيفة ألمانية في مطلع الأسبوع إن الأسد لن يكون جزءا من مستقبل سوريا وإن “التدخل العسكري الروسي لن يساعده على البقاء في السلطة”.

تظهر تعليقات الجبير بوضوح الخلاف بين الرياض والسياسة المتعثرة والمرتبكة في البيت الأبيض حول جميع المسائل السورية. ترى المملكة العربية السعودية عجز أميركا، فهي ترى محاولة أمريكا لتجاهل الحقيقة أن الروس قد يهزمون معارضي الأسد المعتدلين. ويبدو أن الرياض قد قررت عدم الاعتماد على الأمريكيين لفترة أطول. بالنسبة للسعوديين، فإن احتمال استيلاء المحور الإيراني-الروسي على سوريا ولبنان هو خطوة واحدة أبعد مما ينبغي.

بدت المعارك السعودية-الروسية حتى وقت قريب وكأنها سيناريو مستحيل. ولكن في الشرق الأوسط اليوم، وخصوصا في سوريا، قد يحدث ذلك أيضا، مع تلاشي الدور الأمريكي في المنطقة.