لم تتوقف روسيا يوم عن التدخل في كثير من المناطق في العالم مسببة الكثير من النزاعات والتوترات، ويعد إرسال موسكو إلى سوريا تعزيزات عسكرية وأسلحة وذخائر ليس حسب بل وجنود أيضاً، كأحدث فصول هذا التدخل، وتأتى هذه الخطوة كتتويج للاستراتيجية الروسية الغير منقطعة لما يزيد عن 4 سنوات هي عمر الأزمة السورية لدعم نظام الأسد في قمع الثورة السورية، والتي تدل على فشل إيران وميلشيات حزب الله في الحفاظ على نظام الأسد المتهالك من السقوط.

ومن المؤكد أن تلك الاستراتيجية التي تنتهجها موسكو ستساهم بشكل كبير في تأجيج الصراع الدائر في سوريا وانتقاله إلى بلدان أخرى في المنطقة والعالم، وسط حالة من الانهيار الذى سيكون له أثار مدمرة، قد تعيد رسم خارطة المنطقة مرة أخرى، وفى ردود أفعال القوى السورية حول هذه الخطوة، استنكر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، التدخل الروسي المباشر في سوريا، قائلاً ان روسيا انتقلت بهذه الخطوة من مرحلة الدعم لنظام مجرم يقوم بإبادة جماعية لشعبه، إلى مرحلة العدوان والاحتلال المباشر، كما وصف العقيد مصطفى فرحات المتحدث باسم هيئة أركان الجيش السوري الحر، الحديث عن تدخل عسكري روسي في سوريا بـ”الخطير”، داعياً دول الخليج وتركيا والمجتمع الدولي إلى التدخل لإيقاف روسيا عند حدها.

ولكن لم تكن روسيا تقدم على عمل مثل هذا بدون التنسيق مع دول أخرى في المنطقة غير إيران، فقد راينا مؤخراً في أب/أغسطس من العام الجاري زيارات واجتماعات بين كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، العاهل الأردني الملك عبدالله، الشيخ محمد بن زايد ولى عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، ويأتي هذا التقارب بين بعض العواصم العربية وموسكو نتيجة لوجود نوع من التوترات بين تلك العواصم والولايات المتحدة، على خلفية عدد من الموضوعات ابرزها الاتفاق النووي الإيراني والأزمة السورية.

وبالنظر إلى العلاقات الروسية-المصرية تحديداً فمنذ إعلان الجمهورية المصرية في 1952حتى الأن، نجد ان العلاقة ما بين مصر وروسيا “الاتحاد السوفياتي”، غير ثابتة وتمر بمراحل من الصعود والهبوط، على حسب شكل العلاقة بين القاهرة وواشنطن، فعند تولى جمال عبد الناصر السلطة في مصر كان متجها نحو الولايات المتحدة، ولكن عقب رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي بضغوط امريكية في العام 1955، اتجه ناصر تلقائيًا للقطب الشرقي “الاتحاد السوفياتي” المعادي لأمريكا.

وساهم الاتحاد السوفيتي في الحقبة الناصرية في إنشاء المؤسسات الإنتاجية عبر الخبراء السوفييت، من بينها بناء السد العالي بأسوان ومصنع الحديد والصلب بحلوان، ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، ومد الخطوط الكهربائية (أسوان: إسكندرية) إلي جانب مشروعات صناعية اخرى كثيرة، بالإضافة إلى إرسال البعثات المصرية العسكرية للاتحاد السوفيتي، لتزويد الخبرات العسكرية السوفيتية للجيش المصري.

وفى عهد الرئيس انور السادات ساءت العلاقات بين القاهرة وموسكو، بسبب بعض الشروط التعسفية من قبل السوفييت حول استخدام السلاح قبل حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، مما دفع السادات إلى طرد الخبراء الروس الذى كان يقدر عددهم ب”15000″ خبير وإعادتهم إلى بلادهم، وتم قطع العلاقات المصرية – السوفيتية نهائياً في العام 1976، إلى ان عادت مرة أخرى في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وفى أيام الرئيس محمد مرسى الذى كان محسوب على جماعة الإخوان المسلمين والذى شهدت فترة حكمه البسيطة أيضا فتور مع موسكو نتيجة لموقف القاهرة من الأزمة السورية ونظام الأسد الأمر الذى وصل إلى قطع القاهرة لعلاقتها الدبلوماسية بدمشق.

ولكن بعد الإطاحة بمرسى في تموز/يوليو 2013 عادت التوترات بين القاهرة وواشنطن مرة أخرى للسطح ولجأ السيسي إلى الاستراتيجية القديمة التي انتهجها أسلافه من قبل في مثل هذا الموقف وهى الاتجاه صوب موسكو، التي مازالت تكن العداوة للولايات المتحدة والغرب بالرغم من تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الكتلة الشرقية، في محاولة لتنوع مصادر التسلح وتقليل الاعتماد على واشنطن، الأمر الذى وصفه الفريق حمدي وهيبة رئيس الأركان الأسبق للجيش المصري في حوار له مع جريدة “المصري اليوم” قائلا: ” بانها لا يمكن الاستغناء عن الولايات المتحدة أو قطع علاقتنا معها، لان معظم اسلحة الجيش المصري أمريكية ونحن نحصل على قطع الغيار اللازمة لصيانتها من أمريكا، وبدون قطع الغيار ستصبح هذه الأسلحة عديمة الفائدة (خردة) ” على حد وصفه، كما ذكر وهيبة بالمعونة العسكرية الأمريكية التي تحصل عليها القاهرة من واشنطن كل عام والتي تقدر 1.3 بليون دولار مشدد على أهميتها لمصر خاصة في هذه الظروف التي تمر بها البلاد.

وتحاول موسكو لعب الدور القديم للاتحاد السوفياتي في مصر من خلال تنفيذ مشروعات كبرى تساعد على التنمية، وفق ما أعلن في الزيارة الأخيرة للسيسي في أب/أغسطس عن الاتفاق بين مصر وشركة روزاتوم الروسيّة، المتخصّصة في تصنيع المحطّات النوويّة، لإقامة محطّة الضبعة النوويّة لتوليد الكهرباء في محافظة مطروح شمال مصر، ولم يختلف الحال كثيرا مع الأردن والأمارات، وحتى السعودية التي كان لا يوجد لديها أي علاقات بروسيا من ثلاثينيات إلى تسعينيات القرن الماضي بدأت تتجه إلى موسكو بالرغم من الخلاف حول الملف السوري، وذلك بسبب الشعور بخيبة الأمل من الحليف الاقدم والأقوى “الولايات المتحدة” بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران.

ووصل الحال بموسكو إلى التهديد الصريح لستوكهولم بأعمال عسكرية في حال انضمام السويد إلى حلف الناتو، وأن صح القول بأن التهاون الغربي، والأوروبي على وجه الخصوص في التعامل مع موسكو في الأزمة الأوكرانية هو الذى دفع موسكو لمزيد من التطاول وانتهاج سياسات عدوانية تجاه أوروبا ومناطق أخرى من العالم تضر بالمصالح الغربية وليس حسب بل و بالسلم والأمن الدوليين.

فالاستراتيجية التي بدأت روسيا في أنتهجها في سوريا مؤخراً، هي استراتيجية مكتوب لها الفشل لأنها ستأجج الصراع وتعمق البعد الطائفي له [السنى/الشيعي]، الذى قد يصنع من سوريا أرض أخرى للجهاد ضد السوفييت الجدد بقيادة بوتين على غرار ما شهد العالم في أفغانستان في الفترة ما بين 1979-1989، وسوف يتخطى تأثير المغامرات الروسية هذه المرة أوروبا ويمتد إلى العالم بأثره، حتى روسيا لن تسلم من أفعالها الغير محسوبة وهى تواجه مشكلات مع مسلمي شمال القوقاز الذى ينضم عدد كبير منهم إلى صفوف المقاتلين في تنظيم الدولة الإسلامية/داعش.

واخيراً تتدخل روسيا عسكرياً في سوريا بحجة محاربة الإرهاب، وهى من أوجدته في الأصل بدعمها لنظام الأسد الذى قتل مئات الألف من شعبه باستخدام كل الوسائل البشعة من قتل وتدمير، ومن قبل في أفغانستان بأفعال غير محسوبة نتج عنها وجود ظاهرة المجاهدين، فتكونت لدينا العديد من الجماعات الإرهابية تحت مسمى الجهاد وكان على رأسها تنظيم القاعدة الذى عانى العالم من هجماته والتي أتى على رأسها تفجير 11 أيلول/سبتمبر، نتيجة الاستراتيجية الروسية الخاطئة في افغانستان.

فلذا وجب على أوروبا والولايات المتحدة العمل سوياً بوتيرة اكثر فعالية لإيقاف التهور الروسي الذى قد يعصف بالعالم ويقودنا إلى حرب عالمية جديدة، لان الأجواء التي يعيشها العالم اليوم تنذر بمواجهات عسكرية ساخنة على أكثر من جبهة