بالرغم من العناوين والتقارير الهستيرية في وسائل الإعلام العالمية حول خطورة إقتراب “داعش” (منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام، المرتبطة بالقاعدة) من غزو الأردن والتمركز عند الحدود الشرقية لدولة إسرائيل، يبدو أن إنتشار الجهاد العالمي إلى خارج حدود العراق وسوريا لن يكون بهذه البساطة وحتى في هذه البلدان بدأ يظهر علامات تباطؤ. يظهر الجيش العراقي والميليشيات القبلية في مناطق مثل تكريت وشمال العراق، إلى جانب الأكراد، علامات إستعداد للتعاون لوقف تقدم “داعش”. في سوريا لا يظهر هذا “الوحش” التابع للقاعدة، أية إنجازات بارزة في المجال العسكري. بيت القصيد هو أنه عندما واجهت “داعش” مقاومة عسكرية منظمة وحتى شبه منظمة مثل الحالة السورية (وبالطبع مثل الحالة الأردنية إذا حدث ذلك)، فهو لا يبدو مهددا وقويا مثلما بدا في العراق. تجدر الإشارة إلى أن مسألة “داعش” تحتل عناوين الصحافة العربية وخاصة القنوات التلفزيونية الفضائية. ولكن بالنسبة لإسرائيل، هناك الآن قضايا أكثر أهمية وإلحاحا تتطلب حلا: غزة والخليل.

من الممكن أن نعزو التصعيد التدريجي أمام قطاع غزة إلى عاملين: الأول، تداعيات الخليل والإختطاف هناك على المنظمات الإرهابية في غزة. وليست حماس المقصودة هنا، بل مجموعات أصغر مرتبطة مع القاعدة والتي تسعى إلى لفت الأنظار الفلسطينية والعربية إليها وإلى القطاع. هذه المجموعات لا تحظى بتعاون من حماس، التي قامت حتى في الأسبوع الماضي بإعتقال جزء من الخلية التي أصيبت يوم الجمعة جراء هجوم إسرائيلي في مخيم “الشاطئ” للاجئين. هذه الجماعات وفي هذه الحال “لجان المقاومة الشعبية”، هي التي تريد جر غزة إلى تصعيد الوضع. العامل الثاني هو شهر رمضان. تقريبا مثل كل مرة في رمضان، فإن نشطاء الأرهاب هؤلاء، والذين يحصلون على وحي من الشهر الكريم، ينتظرون حتى نهاية الصوم، حتى وجبة الإفطار وعندها يخرجون “للعمل”، بكلمات أخرى، محاولة إطلاق صواريخ تجاه إسرائيل. مشكلة إسرائيل هي ان رد فعل واسع النطاق من جهتها سيؤدي إلى تصعيد كبير أمام كيان يملك مئات الصواريخ التي لديها القدرة على الوصول إلى تل أبيب وشمالها. ولن يؤدي الإمتناع عن الرد إلى هدوء أيضا. من جهتها، فإن حماس غير معنية بحرب مع إسرائيل حاليا ولكنها مترددة في العمل بصورة حازمة أكثر من اللازم ضد إطلاق الصواريخ حتى لا يُنطر إليها على أنه متعاونة مع إسرائيل، في الوقت الذي تقوم فيه بمهاجمة السلطة الفلسطينية بسبب تنسيقها الأمني مع إسرائيل. وفي هذه الأثناء، الوضع الإقتصادي في غزة سيء للغاية. وصلت نسبة البطالة إلى 44% ويمكن أن يضاف إلى هذه النسبة 40 ألف مستخدم في حكومة حماس الذين لم يحصلوا على رواتب كاملة منذ شهر نوفمبر الماضي. الأنفاق مغلقة ومن هنا فإن أسعار السلع مرتفعة نسبيا. قد تكون لهذا الإحباط الإقتصادي تداعيات وخيمة على إحتمال تصعيد كبير.

القضية الثانية هي طبعا الخليل والفتيان الإسرائيليين الثلاثة. في الأمس أيضا شوهد جنود كتيبة المظليين وهم يقومون بتمشيط الوديان شمالي الخليل، ومرة أخرى من دون أية نتائج. ما زالت قوى الأمن الإسرائيلية تبحث عن معلومات توصلها إلى المختطفين و/أو الخاطفين، ولكن لا تظهر معلومات كهذه في الأفق. المدينة مفتوحة وبإمكان سكانها التنقل بحرية إلى مدن أخرى في الضفة، ولكن آلاف العمال غير قادرين على الخروج للعمل في إسرائيل ولا يبدو رمضان إحتفاليا مثل أعوام سابقة. ومع ذلك، لا حاجة للقيام بوصف دراماتيكي أكثر من اللازم، فالحياة اليومية في المدينة مستمرة. لا يزال الناس يقومون بالتسوق، ولكن بشكل أقبل من سنوات سابقة. إلى جانب محطة الوقود التابعة لعائلة الجعبري، على الخط الفاصل بين حلحول والخليل، عُلق علم كبير باللون الأخضر على واجهة مطعم “الخليل”. هذه المرة العلم هو ليس علم حماس، وليس لافتة تضامن مع الأسرى الأمنيين، ولكنه علم البرازيل. فبالرغم من كل شيء، هناك مونديال.