حوالي أسبوعين بعد اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل، شارك الآلاف في المظاهرات الفلسطينية التي دعت اليها السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس وحركة حماس، في شوارع مدن الضفة الغربية والسياج الحدودي في غزة. ولكنها لم تصل مستوى المشاركة والعنف التي خشي البعض منه، وأمل آخرين اليه.

ولكن حادثين آخيرين خلقا رموزا قوية قد تعزز المظاهرات الفلسطينية في الأيام والأسابيع القادمة.

في أول “جمعة غضب” في اعقاب اعلان ترامب في 6 ديسمبر، تم اعتقال فوزي الجنيدي (16 عاما) في الخليل من قبل جنود اسرائيليين.

واثناء توقيفه، التقط مصور صورة يظهر فيها الجنيدي محاط بـ -23 جنديا اسرائيليا مسلحا، يرتدي سروال ممزق، واعينه مغطاة بشريط ابيض.

وبعد عشرة ايام، لا زالت هذه الصورة منتشرة في الإعلام الفلسطيني.

وقد تم الإحتفاء بصورة الجنيدي، وقد تم تخيله من جديد من قبل البعض في صور ابطال خارقين، مثل سبايدر مان أو باتمان، او حتى يسوع المسيح على الصليب. انه يعرض كرمز للقوة والنضال.

وتصر عائلة الجنيدي انه لم يلق حجارة، وأنه لم يشارك بالمظاهرة. وقال عمه لقناة الجزيرة ان المراهق كان يشتري البقالة للعائلة. ونظرا لمعاناة كلا والديه من الاصابات او الامراض، قالت العائلة ان الجنيدي هو المعيل الوحيد في العائلة.

وقال ناطق بإسم الجيش الإسرائيلي لتايمز أوف اسرائيل في بيان يوم الأحد، أنه تم توقيف الجنيدي لرشقه الحجارة.

“هذه الصورة لا تعرض بشكل كامل ودقيق الأوضاع”، قال بيان للجيش بخصوص الصورة، الذي أضاف أنه “تم اعتقال عدة محرضين” لرشق الحجارة والزجاجات الحارقة باتجاه الجنود.

وبينما ورد أنه تم نقل الجنيدي الى سجن عوفر بعد اعتقاله، قال الجيش انه قد تم اطلاق سراحه وأنه لا يوجد تحقيق جاري ضده.

وأحد الرسومات الشعبية لاعتقال الجنيدي انتجتها الفنانة الايطالية اليسيا بيلونزي، التي ابرزت الجنيدي في المشهد في الخليل، وحولته الى العلم الفلسطيني، مستخدمة ملابسه وكم الجندي الأخضر.

وقالت بيلونزي لوكالة الأناضول التركية أنها لم تظهر وجود الجنود حول الجنيدي بلان “اللوم على السياسيين، وليس الجنود”.

ولاحظ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي يتخذ دورا قياديا في المعارضة الإسلامية الدولية لقرار ترامب بخصوص القدس، قوة صورة الجنيدي أيضا.

وقد استخدم اردوغان الصورة مرتين لمساعدته في وصف اسرائيل بدولة إرهابية.

الرئيس التركي طيب اردوغان يلقي خطابه الافتتاحي خلال قمة استثنائية لمنظمة التعاون الاسلامي حول اعتراف الولايات المتحدة الاسبوع الماضي بالقدس عاصمة لاسرائيل في اسطنبول في 13 ديسمبر 2017 (Screenshot YouTube)

المرة الأولى خلال مظاهرة لحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه. وقال امام الاف المشاركين بينما كانت صورة الجنيدي على الشاشة، “اسرائيل دولة ارهابية. لن نهجر القدس لرحمة دولة تقتل الاطفال”.

ومرة أخرى، خلال قمة دول منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول الاسبوع الماضي، التي دعا اليها اردوغان من اجل تجنيد الدعم لمعارضة قرار الولايات المتحدة بخصوص القدس، وضع اردوغان صورة الجنيدي على الشاشة.

“اي شخص انساني ولديه ضمير يجب ان يستخلص العبر من هذه الصورة”، قال اردوغان امام القادة الإسلاميين.

إبراهيم مبتور القدمين أصبح ملاكا

بينما اصبح الجنيدي رمزا نتيجة صورة واحدة، ابراهيم ابو ثريا (29 عاما)، الذي قُتل خلال مظاهرة على الحدود بين غزة واسرائيل يوم الجمعة، هو رمزا أقوى بكثير.

ابو ثريا كان مقعدا، وقد فقد رجليه بعد اصابته في ابريل 2008 بصاروخ اطلق من مروحية اسرائيلية خلال الحرب بين اسرائيل وحماس في غزة.

المتظاهر الفلسطيني المقعد ابراهيم ابو ثريا يلوح بالعلم الفلسطيني خلال مظاهرة امام السياج الحدودي مع اسرائيل، 15 ديسمبر 2017 (MOHAMMED ABED / AFP)

وفي يوم الجمعة، تم تصوير ابو ثريا خلال النهار قبل أن يتم اطلاق النار على رأسه مباشرة، وفقا لوزارة الصحة في غزة.

وفي هذه الصور والفيديوهات، يظهر في بداية اليوم يرفع العلم الفلسطيني بينما يجلس على كرسي العجلات، وأيضا يلوح بالعلم من عامود كهرباء تمكن تسلقه.

وفي فيديو تم التقاطه صباح الجمعة، يمكن رؤية ابو ثريا يحمل العلم الفلسطيني ويلوح بعلامة النصر باتجاه جنود اسرائيليين في الطرف الآخر من الحدود.

“اريد الذهاب هناك”، قال، متطرقا الى الطرف الآخر من الحدود، بينما يلوح عددا منن الشباك حوله بالأعلام الفلسطينية، وآخرون يرشقون الحجارة باتجاه الجنود.

“هذه الأرض ارضنا، لن نستسلم. على امريكا سحب قرارها”، قال ابو ثريا في فيديو آخر انتشر بشكل واسع عبر شبكات التواصل الإجتماعي.

وقال الجيش أن مقتل ابو ثريا وقع في سياق مظاهرة عنيفة، حيث كانت هناك “عدة محاولات لتدمير السياج الأمني وعبوره”. وأضاف الجيش انه قد تم اطلاق تحقيق في مقتله وانه سيتم عرض النتائج في الايام القادمة. وتم استخدام الرصاص الحي فقط في حالات “ملاحظة الجنود لتهديد خطير على حياة الجنود او على انظمة امنية حرجة”.

مهما كانت الظروف التي ادت الة مقتل ابو ثريا – الذي كان صياد اسماك قبل ان يفقد رجليه، ويعمل في غسيل السيارات بعد الحادث – فإنه اصبح الآن رمزا لدى الفلسطينيين وغيرهم ويعرض كشهيد طاهر في الدفاع عن القدس.

واكثر صورة شعبية لأبو ثريا هي صورة الملاك.

في إحدى هذه الصور، انه يصعد من كرشي العجلات للقاء مؤسس حركة حماس السيخ احمد ياسين، الذي ايضا كان مقعدا واغتالته اسرائيل في قصف صاروخي عام 2004. ويقع اللقاء على خلفية مدينة القدس.

وفي صورة شائعة أخرى لأبو ثريا، يظهر فوق شجرة بينما يلوح بالعلم الفلسطيني امام دبابة اسرائيلية في الطرف الآخر من السياج الأمني – وهو رمز للصمود الفلسطيني في الأرض.

وقد زار المئات من الجيران، الأصدقاء والمسؤولين، من ضمنهم قائد حركة حماس اسماعيل هنية، خيمة عزار ابو ثريا في مخيم الشاطئ في غزة، والتي تم تعليق صوره في كرسي العجلات وهو يحمل العلم الفلسطيني فيها. وقد تم تعليق أيضا ملصقات العديد من الفصائل الفلسطينية والمنظمات الشعبية على جدران الخيمة، ما يعكس احتضان شخصيته من قبل اجزاء واسعة من سكان غزة.

واشاد هنية، الذي شارك أيضا في تشييع جثمانه، بأبو ثريا كبطل، ونادى الى ايام غضب كل جمعة في انحاء الدول العربية الاسلامية حتى سحب ترامب لإعترافه بالقدس كعاصمة اسرائيل. وتنادي حماس الى انتفاضة جديدة لتحرير القدس منذ خطاب ترامب، وتنادي الفلسطينيين لمواجهة الجنود والمستوطنين. وقد قال مسؤولون اسرائيليون ان حماس، بصفتها القوة الحاكمة في غزة، قد سمحت لألاف الاشخاص مواجهة الجنود عند السياج الحدودي.

واسرائيل تحمل حماس أيضا مسؤولية التصعيد في الهجمات الصاروخية الصادرة من القطاع ضد اسرائيل، والتي لم تشهدها اسرائيل منذ حرب عام 2014 مع حماس.

وتبقى هناك خطورة للتصعيد في اعقاب قرار ترامب بخصوص القدس، بحسب التقديرات الإسرائيلية. ومن يأمل بذلك لديه رموز جديدة لمساعدته.