بينما نجح الجيش الإسرائيلي بصد محاولات التسلل المتعددة من حدود غزة خلال مظاهرات “مسيرة العودة” والاشتباكات الضخمة خلال سبعة الأسابيع الأخيرة، إلا أن إسرائيل خسرت المعركة على مستوى الرأي العام – بدون لبس، بحسب البعض.

“هناك حرب جارية، ونحن لسنا في أرض المعركة”، قال نائب وزير الدبلوماسية العامة مايكل اورن للتايمز أوف اسرائيل.

يبدو أن الرواية التي يتقبلها معظم العالم هي رواية متظاهرين فلسطينيين مسالمين يواجهون قوة ساحقة، غير متناسبة، وقاتلة من قبل قوات الجيش الإسرائيلي. هذه الرواية انتصرت على الرواية الإسرائيلية التي بحسبها كانت حملة عسكرية نظمتها حركة حماس، التي تنادي الى دمار الدولية اليهودية، مستخدمة دروعا بشرية كغطاء لهجماتها عمد السياج بهدف اصابة اكبر عدد ممكن من سكان القطاع برصاص الجنود الإسرائيليين، قال اورن.

لطالما كان التعاطف العالمي مع اسرائيل مستبعدا.

وقال مسؤولون اسرائيليون بشكل متكرر أن حماس تستغل الحشود عبر السياج، بما يشمل مسلحيها، ربما لتنفيذ هجمات داخل اسرائيل، وأن هدف الجيش الرئيسي كان ضمان عدم حدوث ذلك. ولكن بسبب عدم حدوث ذلك، هذا كان مجرد ادعاء من طرف اسرائيل – ووقف ذلك مقابل صور حقيقية لفلسطينيين مقتولين ومصابين.

فلسطينيون يشيعون جثمان يزن الطوباسي، الملفوف بعلم حركة حماس، بعد مقتله خلال الاشتباكات في غزة في اليوم السابق، 15 مايو 2018 (Mahmud Hams/AFP)

وقُتل أكثر من 100 فلسطينيا، بما يشمل صحفيين اثنين، برصاص الجيش منذ ابتداء الاشتباكات الحدودية في 30 مارس، بحسب وزارة الصحة التي تدريها حماس في غزة، بالمقابل كانت هناك اصابة اسرائيلية واحدة – جندي اسرائيلي، اصيب بإصابات طفيفة بواسطة حجر.

وخلال المظاهرات الأسبوعية، ابتعد معظم المتظاهرون عن السياج، وبقوا في خيام تبعد بضعة مئات الأمتار، ولكن كان هناك آلاف اقتربوا من الحدود، ورشقوا الحجارة والزجاجات الحارقة باتجاه الجنود الإسرائيليين في الطرف الآخر وألحقوا الأضرار بالسياج الأمني وحاولوا اختراقه. وتم اطلاق “الطائرات الورقية الحارقة”، المحملة باوعية وقود مشتعل، باتجاخ الأراضي الإسرائيلية أيضا، والتي تسببت بإشعال النيران بمئات الدنومات من الاراضي الزراعية والحقول.

وردا على ذلك، استخدمت القوات الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع، الرصاص المطاطي والرصاص الحي. ويدعي الجيش أن القناصين التزموا بقواعده الاشتباك الصارمة وكانوا بحاجة لموافقة القائد من أجل اطلاق النار. وقد شككت مجموعات حقوق انسان اسرائيلية بقانونية قواعد اشتباك الجيش، وتوجهوا الى محكمة العدل العليا، حيث لم يتم التحقيق وحل القضية حتى الآن.

وشهدت بعض الأسابيع أيضا اشتباكات مباشرة بين فلسطينيين مسلحين والقوات الإسرائيلية.

وقامت حركة حماس التي تحكم القطاع الساحلي منذ سيطرتها عليه عام 2007، بتوفير حافلات مجانية للوصول الى الحدود، وعرض اموال على المصابين، وارسال مقاتلين الى السياج بملابس مدنية.

شاب فلسطيني يستخدم المقلاع خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية بالقرب من حدود غزة وإسرائيل، 18 مايو 2018 (AFP Photo/Mahmud Hams)

“الفكرة كانت فكرتنا، ولكن الوضع الحقيقي قصة مختلفة”، قال أحمد أبو رتيمة، ناشط فلسطيني ينسب له عادة اطلاق المسيرة، لصحيفة “فاينانشال تايمز” في الشهر الماضي، بعد المظاهرات الأولى.

وبينما يدعي أبو رتيمة والمنظمين الأصليين أن المظاهرات من المفترض أن تكون سلمية، أوضح قادة حماس أن هذا ليس هدفهم. “سوف نهدم حدودهم ونقتلع قلوبهم من اجسادهم”، صرخ يحيى السنوار، قائد حماس في غزة، خلال مظاهرة في 6 ابريل.

وعلى الأقل خُمس الفلسطينيين الذين قُتلوا كانوا خلال اشتباكات مسلحة مع الجنود – إما باستخدام اسلحة ناريةأاو متفجرات. وبحسب الجيش، قُتل عدة فلسطينيين بالرصاص اثناء محاولتهم زرع متفجرات عند السياج الحدودي، ولكن لم يوفر الجيش عدد دقيق.

ولكن يبدو أن معظم القتلى كانوا ضحايا غير مقصودين، قُتلوا برصاصات اخطأت هدفها.

صورة تم التقاطها في 14 مايو، 2018 من كيبوتس ناحال عوز في جنوبي إسرائيل عبر الحدود مع غزة لجنود إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين يحتشدون بالقرب من السياج الحدودي مع إسرائيل. (AFP/JACK GUEZ)

وبينما الفرق في عدد الضحايا بين الطرفين هي نتيجة نشاطات الجيش لمنع التسلل عبر الحدود، وليس عدم وجود نية دامية من طرف حماس ومجموعات مسلحة اخرى في القطاع، هذه النية موجودة.

وبالرغم من الكشف أن معظم القتلى الفلسطينيين كانوا أعضاء في حركات مسلحة، إما من قبل الجيش او من القبل الحركات ذاتها، فهذه المعلومات صدرت بعد مقتلهم.

وبشكل مشابه، القصة الكلامية لإحدى الصور البارزة الصادرة عن العنف – تشييع جثمان طفلة تبلغ 8 أشهر توفيت نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع – صدرت فقط بعد ساعات من العناوين والتقارير التلفزيونية يوم الثلاثاء الماضي؛ عائلتها أعلنت أن لديها مرض في القلب، والذي قال طبيب من غزة لوكالة اسوشياتد برس أنه على الأرجح سبب وفاتها.

“مذبحة” و”مجزرة” ظهرت في عناوين الصحف الامريكية والاوروبية الكبرى في تقارير حول اشتباكات يوم الإثنين الحدودية.

“لا يمكن لحماس اختراق السياج، لذا تريد ان يُقتل شعبها لنزع شرعية اسرائيل. والصحافة تقع بالفخ، الصحافة تمكن حماس بالإنتصار”، قال أورن في مقابلة يوم الجمعة.

وفي اعقاب المظاهرات الحدودية يوم الإثنين، واجهت اسرائيل انتقادات حادة، وليس فقط في تقارير اعلامية، بل أيضا في المنتديات الدولية.

يوما بعد الإشتباكات، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة حول العنف الحدودي، وحظر من اصدار بيان ضد “قتل المدنيين الفلسطينيين الذي يمارسون حفهم بالتظاهر السلمي” بواسطة فيتو امريكي.

مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين خلال جلسة خاصة لمجلس حقوق الانسان للامم المتحدة حول ’اوضاع حقوق الانسان المتدهورة’ في الضفة الغربية وقطاع غزة في اعقاب الاشتباكات عند حدود غزة (AFP Photo/Fabrice Coffrini)

وفي يوم الجمعة، صادق مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة على تحقيق مستقل في مقتل الفلسطينيين عند الحدود، مع تصويت الولايات المتحدة واستراليا ضده.

وتواصلت السلطة الفلسطينية أيضا مع المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب مفترضة ارتكبتها اسرائيل يوم الإثنين.

وفي اعقاب هذه الضربات، بحث بعض السياسيين والمسؤولين الإسرائيليين عن طرف للوم، وعثروا على هذا الشخص في وحدة الناطق بإسم الجيش، التي لعبت دورا مركزيا في مبادرات العلاقات العامة الإسرائيلية حول الإشتباكات في غزة.

ولكن قال آخرون أن الجيش والناطق بإسمه رونين مانيليس يستخدمون “ككبش فداء”، ويواجهون انتقادات غير منصفة لخسارتهم معركة لا يمكن الفوز بها، أو، بحسب وجهة نظر أورن، استيعاب كل اللوم على مشكلة قومية أعمق.

من المذنب؟

أحد أول المعلقين على فشل العلاقات العامة كان وزير الطاقة يوفال شتاينيتس، الذي قال للإذاعة الإسرائيلية أن هناك “انتقادات يمكن سماعها” بخصوص مبادرات الجيش للعلاقات العامة.

وقال أن وحدة الناطق بإسم الجيش “كان يمكن أن تعمل بشكل افضل، ربما قبل المظاهرات”.

ونشر المراسل العسكري المخضرم رون بن يشاي أيضا انتقادا لاذعا لتعامل وحدة الناطق بإسم الجيش مع اشتباكات غزة في الأسبوع الماضي بعنوان “فشل العلاقات العامة حول سياج غزة”.

وتصاعدت الإنتقادات للوحدة بعد تسريب مكالمة هاتفية بين قائد قسم الجيش للإعلام الدولي، يونتان كورنيكوس، وممثلين عن المجتمعات اليهودية الامريكية في الأسبوع الماضي، حيث قال الضابط إن الصور الدراماتيكية الصادرة من غزة التي تظهر فلسطينيين مصابين قدمت لحماس “انتصارا ساحقا” في المعركة على الرأي العام.

القيادي في حماس اسماعيل هنية يقدم خطاب في اول يوم جمعة من شهر رمضان في مدينة غزة، 18 مايو 2018 (AFP/Mohammed Abed)

وفي يوم الجمعة، دان الناطق السابق وعضو الكنيست الحالي في حزب (العمل) نحمان شاي الوحدة لإعترافها علنا بما هو واضحا للجميع: أن حماس انتصرت في معركة الروايات.

“حماس رغبت بالضحايا، حماس رغبت بمقتل الأشخاص. حماس رغبت بصور المصابين والمستشفيات المكتظة وكل شيء آخر”، قال كورنيكوس، بحسب التسجيل.

“من الصعب جدا رواية قصتنا”، قال للقادة اليهود الامريكيين، معترفا أن “جزء من ذلك، أنا واثق، هو ذنبي”.

لا شيء مما قاله كورنيكوس مفاجئا لمتابعي التغطية لغزة، ولكنه ربما كان صريحا اكثر مما هو متوقع من الناطقين.

وانتقد شاي الضابط لـ”مدحه حماس”.