لقد كان جاريد كوشنر صادقا في كلامه. في مقابلة في الشهر الماضي، ابدى حذرا في استخدام عبارة “الدولتين” لوصف الحل الذي يزمع طرحه للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حيث قال “إذا كنت تقول ’دولتين’ فهذا يعني للإسرائيليين شيئا واحدا، وإذا قلت ’دولتين’ للفلسطينيين فإن ذلك يعني شيئا آخر. لذلك قلنا، ’دعونا لا نقول هذه العبارة’. لنعمل على تفاصيل ما يعنية ذلك”.

وبالفعل، فإن خطة “السلام والازدهار” الاقتصادية المكونة من 40 صفحة، والتي كشف عنها البيت الأبيض السبت قبيل انعقاد الورشة الاقتصادية في البحرين هذا الأسبوع، والتي سيتم التركيز فيها على الفلسطينيين، مليئة باقتراحات لإطلاق العنان للإمكانيات الفلسطينية، وهي مرفقة بوثيقة “برامج ومشاريع” مكونة من 96 صفحة والتي تعرض بالتفصيل خطة إصلاح اقتصادي إقليمية تبلغ قيمتها 50 مليار دولار من المزمع تخصيصها وصولا إلى الدولار الأخير لكل شيء بدءا من برامج إعادة تدريب إلى إصلاح طرقات، ولكنها لا تأتي على ذكر حل الدولتين، ولا تتحدث عن إقامة دولة فلسطينية.

لن يفاجأ ذلك القيادة الفلسطينية، التي قررت في ديسمبر 2017، عندما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، أن إدارته منحازة بشكل ميؤوس منه ضد الفلسطينيين ولصالح إسرائيل، ما يجعل من مسار العمل المناسب الوحيد هو مقاطعتها بالكامل. ولقد أغضب ترامب رام الله أصلا عندما قام بتعيين سفير لدى إسرائيل يدعم بقوة المشروع الاستيطاني، وعندما أصبح أول رئيس في منصبه يقوم بزيارة الحائط الغربي تحت رعاية إسرائيلية. منذ ذلك الحين زاد من غضب السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس من خلال قراره إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينيةفي واشنطن وطرد ممثلها، وتقليصه للمساعدات الأمريكية، وبالأخص المساعدات لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والتي خلصت الإدارة إلى أنها تقوم باستدامة وتعميق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بدلا من المساعدة في تخفيفها.

وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة والبحرين عن ورشة هذا الأسبوع سارعت السلطة الفلسطينية إلى الإعلان عن عدم حضورها الورشة وحضت حلفاءها على عدم المشاركة أيضا. وبالمثل، ما أن قام كوشنر وفريقه بنشر خطتهم يوم السبت أعلن الفلسطينيون رفضهم لها، ونددوا بها باعتبار أنها تسعى إلى شراء تطلعاتهم لإقامة دولة.

إذا نظرنا إليه بمعزل عن العالم الخارجي، فإن برنامج “السلام والإزدهار”، من الناحية النظرية، يعود بالفائدة الكبيرة على الفلسطينيين، ويضع حدا لتبنيهم دور الضحية ويمهد الطريق أمام تمكينهم. الخطة تضع إطارا لتحسين ثوري في الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، بما في ذلك من خلال الاستثمار بخط يربط بين الضفة الغربية وغزة عبر إسرائيل. كما تبين تعاطفا مع التطلعات الوطنية الفلسطينية. في الواقع، الخطة تقترح اعترافا بالأمة الفلسطينية – عنوان الفصل الثاني من الوثيقة الرئيسية: “تمكين الشعب الفلسطيني: أعظم مورد لكل أمة هو شعبها”، وفي حين أنها لا تعلن تأييدها لإقامة دولة فلسطينية، إلا أن الخطة لا تبطل ذلك أيضا. في الواقع، واضعو الخطة وضحوا أن حلا سياسيا مقبولا على الجانبين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو شرط مسبق لرؤية الثورة الاقتصادية هذه.

لكن خطة “السلام والازدهار” لا وجود لها بمعزل عن محيطها. فلقد ظهرت بعد 29 شهرا من بدء ترامب لولايته، في وقت لا يمكن فيه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يكون أكثر تحمسا بشأن علاقته مع الإدارة، ولا يمكن فيه للفلسطينيين أن يشعروا باستياء أكبر. وبالتالي، قد يكون من المنطقي أكثر قراءة برنامج “السلام والازدهار” أولا باعتباره رسالة “الفرصة التي ستهدرونها” التي يبعث بها ترامب لعباس، والتي تقول فيها الإدارة لعباس يمكنك العمل معنا، ومع الأطراف الأخرى ذات النوايا الحسنة، وتتويج ما تصفه الفقرة الأخيرة ب”المسعى التاريخي (للشعب الفلسطيني) لبناء مستقبل أفضل لأبنائه”، أو يمكنك حرمان شعبك من هذه الفرصة الفريدة. وهو ما سبق ورد عليه عباس، وهو الرجل الذي اختار رفض عرض رئيس الوزراء إيهود أولمرت غير المسبوق لإقامة دولة، بإجابة مدوية ومتوقعة: اذهب إلى الجحيم.

وبالتالي يصبح السؤال وبسرعة: ماذا ستفعل الإدارة الأمريكية بعد ذلك؟

مسلحة بهذه الرؤية لمستقبل أفضل للفلسطينيين، وبمساعدة بعض حلفائها الأثرياء في المنطقة، هل تسعى الولايات المتحدة إلى تجاوز السلطة الفلسطينية المتشبثة بموقفها الرافض وترعى قيادة فلسطينية بديلة؟ في هذه المرحلة، يبدو هذا المسار غير قابل للتصديق، حيث أن هناك نقص بالفلسطينيين الذي يمكن الوثوق بهم ويبدون استعدادا لتحدي السلطة الفلسطينية.

هل للإدارة إستراتيجية بديلة، وبالتالي – مسار للمضي قدما قامت بتطويره بحكمة انطلاقا من معرفة أكيدة بأن عباس لن يكون شريكا فاعلا؟ قد يرغب المرء في افتراض أن الجواب على هذا السؤال سيكون نعم، إلا أنه من الصعب تخيل شكل هذا المسار.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (على يمين الصورة) ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدثان خلال توجههما إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض لعقد لقاء بينهما في 25 مارس، 2019. (Brendan Smialowski/AFP)

وكبديل لذلك إذا، هل سنرى عاجلا أم آجلا الرئيس الأمريكي يهاجم القيادة الفلسطيني، ويعبّر في عرض درامتيكي عن فقدانه الأمل، ويسمح لنتنياهو بالمضي قدما بخطوة الضم التدريجي للمستوطنات كما وعد – وهي خطوة سبق وحصلت على شبه دعم من السفبر ديفيد فريدمان والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات؟

اذا اختارت الإدارة الأمريكية الاحتمال الأخير، فإنها لن تتجنب صيغة “الدولتين” فحسب، بل قد ترسم طريقا نحو كارثة الدولة الواحدة، والتي يكون فيها إسرائيل والفلسطينيون متناقضين ومتشابكين للغاية في آن واحد، ويكون الطابع اليهودي الديمقراطي لدولة إسرائيل في خطر.