واشنطن- التعيين الأخير للرئيس الأمريكي باراك أوباما في مجلس الأمن القومي، روبرت مالي، هو رجل لا يستطيع الكثيرون في دوائر سياسة الشرق الأوسط في واشنطن أن لا يعيرونه اهتمامًا. شكلت أخبار تعيينه، التي تم تأكيدها يوم الثلاثاء، بالنسبة لليسار علامة على الاستثمار الحكيم لأوباما في الخليج الفارسي، وبالنسبة لليمين كان ذلك بمثابة إلقاء إسرائيل تحت إطارات الحافلة.

وقام جوناثان توبين المحافظ باختيار بعض الكلمات لوصف مالي قائلًا أنه “واحد من أكثر المدافعين عن التهاون مع الإرهاب” وأنه “منتقد شديد لإسرائيل ومدافع عن الاعتراف والقبول بإرهابيي حماس الذين يحكمون غزة وكذلك بالتعامل مع إيران والدول الممانعة،” واقترح توبين في مقالته بأن تعيين مالي ككبير مستشاري أوباما ومساعد على رأب الصدع مع السعودية ودول الخليج سيؤدي إلى زعزعة الثقة بين الولايات المتحدة والسعودية بدلًا من تعزيزها.

ولكن في الطرف الآخر من الانقسام السياسي، رحب زياد عسلي، رئيس ومؤسس فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطيني، بخبر التعيين، واصفًأ مالي بأنه “مؤهل بشكل فريد لهذا المنصب مع إدراك للعبة ومعرفة وثيقة للاعبين.”

وأضاف عسلي أن “رغبة [مالي] في استكشاف أفكار وخيارات تجعله عرضة للانتقادات ولكن تعمق من فهمه،” وأضاف أنه مع وجود علاقات حساسة وحرجة على المحك كانت هذه “لحظة جيدة لانضمامه.”

قد يكون وصف مالي بأنه “عرضة للانتقادات” هو وصف لا يعطيه حقه. في عام 2008 شغل مالي منصب مستشار غير رسمي للسناتور أوباما عندما تم كشف النقاب عن اجتماعه مع ممثلي حماس من خلال عمله مع مجموعة الأزمة الدولية. وعقب مالي على ذلك بأن اللقاء لم يكن سرًا على الإطلاق ، وأنه لم يعمل كممثل لحملة أوباما بأي صفة رسمية. مع ذلك أوضح في رسالة لصحيفة ’نيويورك تايمز’ قائلًا، “أعتقد أنه من الأفضل الاستقالة من منصب لم أتمتع به أبدًا بعد أن كشفت صحيفة النشاطات التي قمت بالإعلان عنها قبل فترة طويلة،” وربما لأن التقارير عن لقاءاته شكلت “إلهاء لي ولحملة السناتور أوباما، ولتجنب أي سوء فهم- وكلمة تحريف هنا ستكون ملائمة أكثر- عن موقف المرشح من الحركة الإسلامية.”

ولكن تكن هذه المرة الأولى- ولا الأخيرة- التي يتعرض فيها مالي لانتقادات المؤيدين لإسرائيل والذين يتهمونه بأنه متعاطف مع الإرهاب.

مالي هو نجل لصحفي المصري-يهودي كان في طليعة الحركات الادبية المناهضة للاستعمار في منتصف القرن العشرين. وكباحث في ’رودس’ ولمعرفته الوثيقة بالشرق الأوسط ، تم اختياره ليشغل منصب مساعد خاص للشؤون العربية-الإسرائيلية خلال فترة إدارة الرئيس كلينتون لفترة سنتين ونصف حتى أنهت الإدارة عملها في 2001. في هذا المنصب الأخير، كان في الصف الأمامي عند محاولة كلينتون درء الأزمة الوشيكة بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسرعرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

بعد ذلك بعام واحد، نشر مالي تفسيره لما حدث هناك. في مقالة له في “نيويورك ريفيو أوف بوكس” مع حسين آغا، قام مالي بتحويل اللوم بعيدًا عن عرفات، الذي لامه الكثيرون من المشاركين بفشل المحادثات، وألقى اللوم على باراك. كانت الانتقادات التي وجهت للمقالة، التي نشرت في خضم الانتفاضة الثانية، صارخة إلى درجة أن زملائه السابقين في البيت الأبيض في فترة كلينتون- مستشار الأمن القومي صامويل (ساندي) بيرغر والسفراء مارتين إنديك ودانييل سي كيرتزروالسفير دنيس روس، المبعوث الخاص السابق للرئيس في الشرق الأوسط- وقعوا على رسالة دفاع عن مالي.

وجاء في الرسالة أن المزاعم التي عبر عنها منتقدو مالي “بأنه يخفي أجندة معادية لإسرائيل ويسعى لتقويض أمن إسرائيل، ” كانت “غير عادلة وغير مناسبة وباطلة.”

ووفقًا لصحيفة ’نيويورك تايمز’ فإنه على الرغم من أن البيت الأبيض قال أن مالي أجرى اتصالات وثيقة مع أعضاء في حكومة نتنياهو، لم يتراجع مالي عن تحليلاته.

في مقالة نشرت في مارس 2012 في مجلة “فورين بوليسي” كتب مالي أنه “من المرجح أن الإسرائيليين، وليس للمرة الأولى، يبالغون في التهديد الإيراني وقرب حدوثه،” وأشار إلى أن من مصلحة نتنياهو هي الحفاظ على تركيز العالم على إيران من اجل تخفيف الضغط على إسرائيل بشأن التوصل لاتفاق مع الفلسطينيين.

كتب مالي، “احتكرت إيران حديث الأمن الدولي بأسره تقريبًا ، مما حول هاجسًا لنتنياهو منذ 15 عامًا إلى [هاجس] عالمي.” وتابع، “هذه فائدة إضافية لرئيس الوزراء: لطالما ظل الحال هكذا، ستكون هناك مساحة أقل لصراع مزعج آخر في الشرق الأوسط- النزاع الإسرائيلي-فلسطيني- وحتى أنه ستكون هناك شهية أمريكية أقل للضغط على إسرائيل.”

عندما ظهرت الشائعات الأولى خلال الصيف أن مالي قد يعود لإضافة بعد القدرات على فريق السياسة الخارجية في الإدارة الأمريكية، احتجت الجماعات اليهودية اليمينية. حيث قال مارتن كلاين رئيس ’المنظمة الصهيونية للأمن القومي الأمريكي’ أنه “يشعر بقلق عميق من أن يتم تعيين شخص معاد لإسرائيل ومؤيد لحماس وإيران كروبرت مالي في مناصب عليا في فريق أوباما للشرق الأوسط.”

وظل مالي، الذي نشر كتابًا واحدًا والعديد من المقالات، ناشطًا في إدارة الصراعات والدوائر السياسية في الشرق الأوسط، وهو عضو في المجلس الاستشاري لمنظمة ’جي ستريت’ منذ بداياتها.

على الرغم من ذلك فإن هذا الموقف قد يشكل امتحانًا لمالي. فمع ابتعاد المملكة العربية السعودية من الولايات المتحدة وتقلبها بشأن البرنامج النووي الإيراني، سيجلس مالي مرة أخرى في المقاعد الأمامية في البيت الأبيض في دراما شرق أوسطية مع مخاطر كبيرة.