وقعت مواجهة بين سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة ورئيس منظمة حقوق إنسان يسارية إسرائيلية في مجلس الأمن يوم الخميس.

وألقى المدير التنفيذي لمنظمة “بتسيلم”، حاغاي إلعاد، خطابا انتقد فيه السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وشبهها بفترة نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) في جنوب إفريقيا، وحض المجتمع الدولي على التحرك ضدها. السفير الإسرائيلي داني دنون وصفه ب”متعاون” عليه أن يخجل من نفسه.

خلال أول خطاب له أمام جلسة رسمية لمجلس الأمن، ركز إلعاد على سياسات الإستيطان الإسرائيلية، متهما الحكومة ب”تفريق شعب بأكمله وشرذمة أرضه وتعطيل حياته” بشكل متعمد.

ولم يعترض إلعاد على حقيقة أن الخان الأحمر، وهي قرية بدوية في الضفة الغربية من المقرر هدمها من قبل السلطات الإسرائيلية، بُنيت من دون التصاريح اللازمة، “لكن هذا هو الوضع ليس لأن الفلسطينيين بحكم طبيعتهم منتهكين للقانون، كما يزعم البعض في إسرائيل. بل لأنه لا يوجد أمامهم بديل آخر”، كما قال وهو يجلس إلى جانب السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور.

وأضاف “من المستحيل أن يحصل الفلسطينيون على تصاريح بناء من السلطات الإسرائيلية لأن نظام التخطيط الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية يهدف، بحكم تصميمه، إلى خدمة المستوطنين وتجريد الفلسطينيين”.

وتابع بالقول إن حقيقة أن المحكمة العليا الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لهدم القرية المتوقع لا يجعل من ذلك “عادلا أو حتى قانونيا. إنها تجعل فقط من القضاة متواطئين، من خلال مصادقتهم على إجراء ليس أقل من جريمة حرب متمثلة في نقل قسري لأشخاص محميين في أرض محتلة”.

متطرقا إلى قطاع غزة، أشار إلعاد إلى أن محكمة العدل الإسرائيلية صادقت على عدد من السياسات الإسرائيلية تجاه القطاع الساحلي، مثل حصارها البحري أو السماح لقناصة إسرائيليين بمواصلة إطلاق النار، من مسافة، على المحتجين بالقرب من السياج الحدودي.

وقال إن “المشكلة الوحيدة مع كل ذلك هو أن أيا منها ليس قانونيا، أو أخلاقيا، أو حتى مقبولا من بعيد. ومع ذلك، ما دامت هذه العملية المنهجية التي لا هوادة فيها لا تثير غضبا دوليا وتحركا دوليا، يمكن لإسرائيل أن تواصل بنجاح تنفيذ هذا التناقض في العبارات: قمع الملايين في حين لا تزال تُعتبر ديمقراطية بشكل ما”.

وقام إلعاد، الذي تحدث بالإنجليزية، بتشبيه الوضع في الأراضي الفلسطينية بالجنوب الأمريكي في ظل “قوانين جيم كرو”، وجنوب إفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، مشيرا إلى عدم وجود تمثيل للفلسطينيين في المؤسسات الإسرائيلية التي تحكم حياتهم.

وقال “علما بأن هذه المقارنة ليست بالمثالية، لكن التاريخ لا يوفر الدقة: بل أنه يقدم بوصلة أخلاقية، وهذه البوصلة تشير نحو رفض القمع الإسرائيلي للفلسطينيين بنفس القناعة الراسخة التي رفض فيه ضمير البشرية هذه المظالم الكبرى الأخرى”.

كما رد إلعاد، الذي تم دعوته من قبل بوليفيا، الرئيسة الحالية لمجلس الأمن، على رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو الذي وصف بتسيلم ب”العار” في وقت سابق من الأسبوع.

وقال “لن تنجح بإسكاتنا – ولا إسكات مئات آلاف الإسرائيليين الذين يرفضون حاضرا قائما على الهيمنة والاضطهاد، ويؤيدون مستقبلا مبنيا على المساواة والحرية وحقوق الإنسان”.

وأضاف “أنا لست خائنا، ولست بطلا أيضا. إن الأبطال هم الفلسطينيون الذين يتحملون هذا الاحتلال بشجاعة ومثابرة؛ الذين يستيقظون في منتصف الليل ليجدوا الجنود وهم يقتحمون منازلهم؛ الذين يعرفون أنه إذا قُتل شخص عزيز، فإن الإفلات من العقاب يكون مضمونا لجميع الجناة؛ الذين يبقون على أرضهم وهو يعرفون أن المسألة هي مسألة وقت فقط قبل أن تصل الجرافات”.

وقال إن بتسيلم لا تركز على مسألة ما إذا كان حل الدولتين أو الدولة الواحدة هو الحل المطلوب للصراع لكنها معنية في الأساس ب”تطبيق حقوق الإنسان”، كما قال مضيفا “لهذا نحن نرفض الاحتلال: نرفضه لأن الواقع الحالي غير متوافق كليا مع ما هو صحيح وما هو عادل”.

المتحدث التالي كان منصور، المندوب الفلسطيني، الذي شكر إلعاد على خطابه، وألقى خطابا طويلا وجه خلاله لإسرائيل تهما عدة، من ضمنها جرائم حرب، “تطهير عرقي”، “أبرتهايد”، “تطرف ديني وتحريض وكراهية”.

بعد ذلك تكلم السفير الإسرائيلي دنون، رافضا خطاب إلعاد وواصفا إياه ب”السيرك”.

وقال إن بتسيلم ممولة من الإتحاد الأوروبي وعدد من الحكومات الأوروبية وتمت دعوتها من قبل بوليفيا، “دولة مع سجل رهيب في مجال حقوق الإنسان”، على حد تعبيره.

ولكن في حين أن إلعاد ومضيفيه البوليفيين قصدوا إهانة إسرائيل، لكنهم حققوا العكس تماما، كما قال دنون متحدثا باللغة الإنجليزية، لأن استضافة مواطن إسرائيلي ينتقد حكومته لا تثبت إلا “قوة الديمقراطية النابضة بالحياة في إسرائيل”.

وأضاف “أتحداكم جميعا في أن تجدوا فلسطينيا أو بوليفيا قادرا على تشويه سمعة حكومته في مجلس الأمن. في أحسن الحالات، قد يتم الإلقاء به في السجن. ولكن على الأرجح سينتهي به الأمر بالموت”.

منتقلا للتحدث بالعبرية، وجه السفير الإسرائيلي حديثه لإلعاد مباشرة.

وقال “يا سيد إلعاد، أنت مواطن إسرائيلي يخدم أعدائنا. إنهم يستخدمونك ضدنا. إن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يدافعون عنك وأنت هنا لتجريمهم”.

وأضاف وهو ينظر بغضب إلى إلعاد “عار عليك، أنت متعاون رديء”.

وتابع دنون حديثه مهاجما السلطة الفلسطينية على إصرارها على دفع الرواتب لعائلات منفذي هجمات قتلوا إسرائيليين.

وقال إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خصص سبعة بالمئة (355 مليون دولار) من ميزانية السلطة الفلسطينية لسياسة “الدفع مقابل الذبح”، على حد تعبيره.

وأضاف “هذا هو إرث عباس: ذبح الإسرائيليين الأبرياء والحصول على مكافأة مدى الحياة”، وتابع بالقول إن “مبلغ ال355 مليون دولار نفسه الذي يدفعه عباس للإرهابيين هو أكثر من 45% من المساعدات الأجنبية التي يحصل عليها الفلسطينيون في 2018. هذا يعني أن حوالي النصف من كل دولار تعطونه – جميعكم – للشعب الفلسطيني لبناء الطرقات والمدارس يتم وضعه في جيوب أولئك الذي يقتلون اليهود”.

وبالتالي، “إذا لم تقوموا بسحب تمويلكم، فأنتم متواطئون في سياسة ’الدفع مقابل الذبح’”، كما قال للمندوبين في الأمم المتحدة، وأضاف “لا يمكنكم توقع نتائج مختلفة عندما لا تقومون بتغيير المعادلة. إذا كنتم حقا تريدون تغيير الواقع للفلسطينيين والإسرائيليين، عليكم تغيير المعادلة. إزالة مصدر ثقافة الكراهية وكتب الإرهاب المدرسية”.

واختتم حديثه بالقول إنه فقط عندما “يرحل” عباس سيرى الإسرائيليون والفلسطينيون مستقبلا أكثر إشراقا.

ووصفت السفيرة الأمريكية نيكي هايلي، في بداية كلمتها، كلمة إلعاد ب”نوع الرواية المشوهة والإحادية” الشائع في نقاشات الأمم المتحدة حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وقالت، “هذا هو السبب الذي جعلني في كثير من الإحيان أحاول جلب بعض التنوع إلى نقاشاتنا حول التحديات التي تواجه الشرق الأوسط”، واستمرت بعد ذلك لتتحدث بإسهاب عن إيران.

ولاقى خطاب إلعاد انتقادات واسعة في إسرائيل أيضا.

وقال نتنياهو في بيان صدر في الوقت الذي كانت فيه جلسة مجلس الأمن لا تزال منعقدة “في الوقت الذي يستعد فيه جنودنا للدفاع عن أمن إسرائيل، يختار المدير العام لبتسيلم إلقاء خطاب مليء بالأكاذيب في الأمم المتحدة في محاولة لمساعدة أعداء إسرائيل. إن سلوك بتسيلم هو وصمة عار سيتم تذكرها كحلقة قصيرة وعابرة في تاريخ شعبنا”.

نائب الوزير مايكل أورن قال إن ظهور إلعاد أمام مجلس الأمن هو تجاوز “لكل خط أحمر”.

وقال إن “حقيقة أن إسرائيلي يقف إلى جانب أولئك الذي يسعون إلى تدميرنا، في حين يقف الأمريكيون على الجانب الصحيح لدولة إسرائيل في وجه أولئك الذين يسعون إلى تدميرها، تبرز فقط الوضع الذي لا يطاق”.

وأضاف “على إسرائيل اتخاذ جميع الخطوات الضرورية لحماية نفسها من هيئة تتنكر كمنظمة حقوق إنسان، ولكنها في الممارسة العملية تشوه سمعة إسرائيل وتقوي أعداءها في الوقت نفسه”.

عضو الكنيست يائير لابيد من المعارضة قال إن خطاب إلعاد “كان مزيجا متوقعا من الأكاذيب والتحريفات والدعاية. إنهم لا يمثلون إلا أنفسهم”.