عندما تم تعيين أوريت أداتو في بداية سنوات الألفين في منصب مفوضة مصلحة السجون الإسرائيلية، كان هنا 600 فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية لأسباب أمنية. عند مغادرتها للمنصب وخروجها للتقاعد بعد ثلاث سنوات من ذلك، امتلأت السجون التي أشرفت عليها بآلاف الأسرى الأمنيين نتيجة الإنتفاضة الثانية.

أحد الأسرى الذين دخلوا نظام السجون في ذلك الوقت كان مروان البرغوثي، الذي حُكم عليه بالسجن لخمس مؤبدات لتخطيطه لسلسلة من الهجمات الدامية ضد إسرائيليين. في السنوات التي تلت ذلك، قاد البرغوثي عددا من الإضرابات عن الطعام، ذروتها كانت في إضراب متواصل أطلقه في الشهر الماضي أكثر من 1,000 أسير، الإضراب عن الطعام الأكبر على الإطلاق لأسرى فلسطينيين.

البرغوثي يقول إن الإضراب يهدف إلى الإحتجاج على الظروف “غير الإنسانية” في السجون الإسرائيلية، بما في ذلك الإهمال الطبي والحبس الإنفرادي والسجن من دون محاكمة وإنعدام حقوق الزيارات العائلية.

لكن أداتو، التي تحدثت لتايمز أوف إسرائيل من بلدة شوهام الواقعة في وسط إسرائيل حيث تقيم، قالت إن المزاعم بأن الأسرى الأمنيين الفلسطينيين يعانون من ظروف غير إنسانية غير صحيحة. في الواقع بالإمكان رؤية إنزعاجها من هذا الجدل.

أداتو قالت إن “الظروف إنسانية للغاية. يتم تزويدهم بكل ما يحتاجونه – الطعام والثياب والعلاج الطبي… هم يتمتعون بظروف أفضل من أي إرهابي آخر العالم”، لكنها أقرت بعد ذلك أن الظروف في بعض الدول الإسكندنافية قد تكون أفضل.

كدليل على ذلك أشارت أداتو إلى يحيى السنوار، قائد حركة حماس المتطرف في غزة، الذي هو على قيد الحياة اليوم، كما قالت، فقط بفضل جراحة المخ التي خضع لها، بسبب وجود ورم بحسب تقارير، خلال تواجده في السجن الإسرائيلي.

وقالت: “عندما يقولون إنه لا يتم التعامل معهم بصورة جيدة، أود أن أطلب منكم إجراء محادثة هاتفية مع شخص واحد بعينه، يحيى السنوار، الذي هو على قيد الحياة اليوم فقط بفضل العملية الجراحية المنقذة للحياة التي أعطيت له”.

قائد الحركة المسيطرة على غزة قضى في السجن الإسرائيلي 22 عاما بعد الحكم عليه بالسجن لعدة مؤبدات بعد إدانته بالتخطيط لإختطاف وقتل جنديين إسرائيليين في عام 1988. وتم إطلاق سراحه في إطار صفقة تبادل أسرى مقابل الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط في عام 2011.

في شهر مارس، تم إنتخاب السنوار قائدا لحماس في غزة، الحركة الملتزمة علنا بتدمير إسرائيل والتي خاضت ثلاث حروب مع إسرائيل منذ إستيلائها على القطاع في عام 2007.

أداتو تشارك في تقييمها العديد من المحللين السياسيين الإسرائيليين، وكذلك وزير الأمن العام غلعاد إردان، بأن الإضراب عن الطعام الذي يقوده البرغوثي يتعلق بالسياسة الداخلية الفلسطينية أكثر من أن تكون له علاقة بحقوق الأسرى.

وقالت: “لماذ بدأوا بالإضراب عن الطعام؟ الصراع بين البرغوثي و[رئيس السلطة الفلسطينية] عباس”.

في ديسمبر، نجح البرغوثي، الذي يُنظر إليه على أنه الخليفة المحتمل لعباس، معظم الأصوات في المؤتمر السابع لحركة فتح. ولكن في شهر فبراير، لم يتم منحه هو ومؤيديه في الحركة مناصب رئيسية في فتح. معظم المحللين يعتقدون أن الإضراب هو محاولة ليبين البرغوثي لرام الله أنه ما زالة يتمتع بقوة في الشارع الفلسطيني.

ولكن أداتو تعتقد أن الأمور لا تتعلق فقط بالبرغوثي، بل لها علاقة أيضا بأن الأسرى بإنفسهم يشعرون في كثير من الأحيان بأنهم بحاجة إلى من يسمعهم.

وقالت: “عندما يكون هناك هدوء ويشعرون أنه تم نسيانهم، فهم بحاجة للقيام بأمر ما”.

’على السجناء أن يشكروا إسرائيل’

أداتو تصف نفسها بأنها “قصيرة جدا وصاحبة كتفين عريضين” – وهو ما يساعدها في تحمل عبء ثقيل، لكنه مناسب أيضا للنجوم الثلاثة لرتبتها كلفتنانت جنرال، كما قالت مازحة.

اليوم هي تعمل مستشارة دولية في سياسات السجون. على مدى تسعة أعوام، شغلت منصب نائبة رئيس جمعية الإصلاح والسجون الدولية، التي تعمل مع خدمات السجون من حول العالم من أجل تعزيز وتطبيق “سياسات ومعايير لسياسات وممارسات إصلاحية إنسانية وذات فعالية”.

سلوكها المهذب هو أبعد ما يكون عن أي صورة نمطية لحراس السجون. ولكن سنوات من حراسة الأسرى الأمنيين وسجناء آخرين جعلت منها شخصا جديا لا يقبل المساومة في مواضيع رئيسية.

أداتو تصر على أنه لا يحق للأسرى تقديم “مطالب”، مضيفة إن مصلحة السجون فقط يحق لها تقديم مطالب – من السجناء باتباع القوانين. “بإمكان الأسرى [فقط] المطالبة بتحسين ظروف معيشتهم”.

أحد المطالب الرئيسية للمضربين هي حقوق زيارة أفضل لأفراد عائلاتهم وأداتو تقر إن بعض الأسر الفلسطينية تمر رحلة شاقة للوصول إلى السجن حيث يقبع أقرباؤهم.

هي تدرك أن عددا من أفراد العائلة يستيقظون في رام الله في الساعة الثالثة صباحا، للتمكن من الوصول في الساعة 10:00 صباحا إلى زيارة في سجن يقع في جنوب إسرائيل، بسبب الوقت الذي يستغرقه مرورهم في المعابر الأمنية والتفتيشات الأمنية. هناك أيضا عدد من أفراد العائلة الغير قادرين على دخول إسرائيل على الإطلاق، بسبب رفض منحهم تصاريح لأسباب أمنية. أي فلسطيني تم إعتقاله في إسرائيل في السابق لن يحصل على الأرجح على تصريح دخول.

يامن زيدان، محامي يمثل لجنة الأسرى الفلسطينيين، قال لتايمز أوف إسرائيل في الأسبوع الماضي إن هذه المشكلة يشاركها أكثر من 500 من أصل 6,500 أسير أمني فلسطيني في السجون الإسرائيلية.

لكن أداتو لا تبدي أسفها بهذا الخصوص، وتشير إلى أنه لزيارة سجناء إسرائيليين عاديين أيضا، تحتاج العائلات أحيانا إلى السفر لمسافات طويلة، من حيفا إلى بئر السبع على سبيل المثال.

وقالت: “هذا هو الواقع. الأمر ليس بهذا السوء. ابذلوا جهدا. كذلك [الفلسطينيين] الأبرياء الذين يريدون المجيء إلى هنا والعمل في إسرائيل يضطرون للتعامل مع المعابر”.

أداتو ترفض أيضا الشكاوى حول أن إسرائيل من خلال نقلها للأسرى من الضفة الغربية إلى إسرائيل، تخرق بذلك اتفاقية جنيف الرابعة، التي تمنع نقل الأسرى من الأراضي المحتلة.

جمعية الصليب الأحمر، التي تربطها علاقة عمل جيدة مع مصلحة السجون الإسرائيلية، نشرت مؤخرا إنتقادا علنيا نادرا لإسرائيل متهمة إياها بإنتهاك المعاهدة الدولية، التي تُعتبر إسرائيل من الدول الموقعه عليها. وقالت جميعة الصيب الأحمر في بيانها “يجب تحسين التواصل العائلي، من دون فرض المزيد من القيود”.

إسرائيل تدعي إنها ليست قوة إحتلال في الضفة الغربية، وتعتبر الأرض بين الخط الأخضر ونهر الأردن “أرضا متنازع عليها”، وتخضع لمفاوضات مستمرة.

لكن أداتو تقول إن على الأسرى “شكر إسرائيل” لنقلهم إلى مكان مع قوانين صارمة.

وقالت: “إذا كان ذلك داخل الخط الأخضر [في إسرائيل السيادية ما قبل حدوود 1967]، علينا احترام جميع القوانين. الأمور تخضع لرقابة داخل الخط الأخضر أكبر مما كانت ستكون عليه في الأراضي [الضفة الغربية]”، مشيرة إلى السجن الأمريكي في خليج غوانتانامو في كوبا، كمثال على بلد يلتف حول القوانين من خلال وضع سجن خارج أراضيه.

بإمكان السجناء في إسرائيل تقديم إلتماسات للمطالبة بتحسين ظرفهم والإستئاف على قرارات وصولا إلى المحكمة العليا، كما تقول، مشيرة إلى قضية حدثت قبل 15 عاما طالب فيها أسير بتصريح بأن يكون لديه ترمس للماء الساخن لصنع القهوة في زنزانته – في النهاية تم رفض طلبه بسبب ما اعتبر خطرا أمينا في ما يتعلق بماء مغلي في زنزانة قد يُستعمل لرشق سجناء آخرين أو سجانين.

وتساءلت أديتو: “هل هناك دولة أخرى في العالم – بإستثناء إسكندنافيا – تسمح لأي سجين بتقديم دعوى في المحاكم حول أي مسألة يريدها، بما قي ذلك طعم الماء؟”

’الناس ترتكب الأخطاء، ولكن السياسة صحيحة’

أداتو قالت أيضا إن المخاوف من موت بعض المضربين عن الطعام مبالغ فيها، على الرغم من أن بعضهم في أوائل سنوات الستين من عمرهم.

وقالت: “على مدى 40 عاما كانت هناك إضرابات عن الطعام. في سنوات الثمانينات، توفي شخصان أو ثلاثة، وليس بسبب الإضراب عن الطعام، ولكن بسبب سوء التعامل معهم بعد الإضراب عن الطعام. عندما يتم الإبقاء على الأمر في الداخل، فأنت تعرف كيفية إدارة ذلك”.

فيما يتعلق بطلبات الأسرى حول السماح لهم في الحصول على هواتف عمومية، ادعت أداتو أن بعض الأسرى الأمنيين حاولوا تنسيق هجمات من وراء قضبان السجن ولذلك سيشكل رصد آلاف الإتصالات للأسرى كابوسا للسلطات، ويتطلب عددا كبيرا من الموظفين الناطقين بالعربية. وأشارت كذلك إلى احتمال وجود عوائق قانونية لمثل هذه المراقبة.

ظروف الأسرى تخضع لمراقبة جمعية الصليب الأحمر، التي يُسمح لها بالتواصل مع الأسرى بشكل شخصي وتقدم تقاريرا حول أي مشكلة، وهو ما تقول أداتوا إنه دليل على عدم وجود أي مشكلة في ظروفهم.

جمعية الصليب الأحمر رفضت التحدث حول ظروف الأسرى.

هل هناك أي أسير أمني قد يكون يتعرض لسوء المعاملة أو يكون ضحية لإهمال طبي؟ “الحديث هنا يدور حول آلاف الأسرى”، كما تقول أداتو مضيفة أن “طاقم الموظفين يتكون من بشر. بعضهم قد يرتكب الأخطاء، لكن السياسة صحيحة”.

وقالت أيضا إن “خطر موت الأسرى الأمنيين أقل من السجناء الجنائيين ’العاديين’”.

مع ذلك، هناك أحد المطالب الذي ترى أداتو أن على مصلحة السجون أن تنظر في منحه للأسرى: مرافق إنتظار أفضل للعائلات التي تقوم بزيارة الأسرى.

وقالت: “هذه بالفعل مسألة إنسانية [بحتة]”.

أحد المطالب المركزية للمضرين عن الطعام هو إستئناف برنامج يسمح لهم بالحصول على درجات جامعية خلال تواجدهم في السجن.

في عام 2011 قامت إسرائيل بإبطال هذه الميزة، في محاولة لممارسة ضغوطات على حركة حماس لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط.

البعض يؤيد إعادة البرنامج، ويرى أن دراسة الأسرى للغة العبرية وحول المجتمع اليهودي والإسرائيلي قد يساعد في تعزيز التفاهم.

أداتوا توافق على أن البرنامج كانت له مساهمته الإيجابية في مرحلة معينة، حيث خرج منه قادة فلسطينيون يتحدثون العبرية بطلاقة. ولكن هذه الأيام، كما تقول، تغيرت نوعية الأسرى.

ومرة أخرى أشارت إلى السنوار كمثال، مشيرة إلى أنه تعلم اللغة العبرية في السجن، لكن ذلك لم يساعد بأي شكل من الأشكال في كبح كراهية قائد حماس لإسرائيل.

وتقول أداتو أنه إذا قامت السلطة الفلسطينية بالعمل مع مصلحة السجون للمساعدة في مواصلة عملية التأهيل خارج السجن، بما في ذلك تدريب وإشراف مهني، عندها، كما تقول، قد تعمل على دعم فكرة إسئتناف البرنامج الأكاديمي.

وقالت: “منذ الإنتفاضة الثانية، نمى عدد الأسرى الدينيين. إنهم ليسوا بنفس درجة البرغماتية. وهم لا يريدون رؤية أحد سواهم”. مضيفة أن “التعليم هو جزء من عملية إعادة التأهيل. ولكن عندما لا يكون بإمكان شخص قبول حاجته إلى إعادة التأهيل، فإن [التعليم] لن يساعد بشيء”.