حصلت دمشق هذا الأسبوع على لقب “أسوأ المدن للسكن”. وهذا وفقا لبحث تجريه وحدة الإستخبارات الإقتصادية التابعة لمجموعة “الإيكونوميست” منذ عدة سنوات في 140 مدينة، والذي أفاد أن مدينة ملبورن الأسترالية هي “أفضل المدن للسكن” لعام 2015.دمشق، عاصمة سوريا، اختتمت القائمة في المرتبة 140.

البحث فحص عدة أمور كان من بينها: أمن السكان في هذه المدن، وكيفية تأثيره على جودة الحياة. من الصعب مناقشة إدعاء البحث البريطاني، على الأقل فيما يتعلق بعاصمة سوريا. في هذا الأسبوع لوحدة قتل حوالي 110 من سكان دوما، من ضواحي دمشق، التي تبعد حولي 15 كلم فقط من مركز العاصمة.

في الساعة الثانية ظهر الإثنين، قصفت طائرات السلاح الجوي السوري السوق المركزي في البلدة وخلفت مئات المصابين والقتلى. المشهد كان مروعا، وبحسب ما قاله شهود العيان في وسائل الإعلام المتعددة فإن أكوام من الجثث اختلطت بالخضار والفواكه المنتشرة في كل مكان.

في اليوم التالي، بالرغم من الإدانة الشديدة للأمم المتحدة للهجوم السوري، اثبت الرئيس السوري بشار الأسد إيمانه الشديد بالتعبير الإسرائيلي الشهير الرافض للأمم المتحدة، “أوم شموم” (أوم هي الإختصار باللغة العبرية للأمم المتحدة)، وعادت طائراته لتقصف دوما.

من الجدير بالذكر أن الضواحي الشرقية لدمشق تعتبر الأهداف المفضلة لدى الأسد. حتى في أغسطس 2013، قصف الغوطة الشرقية، التي تعتبر معقل جيش الإسلام، حركة معارضة إسلامية لا تتبع إلى داعش. وادعاء النظام كان أنه هاجم مقر جيش الإسلام، ولكن قال أعضاء هذه الحركة أن مقرهم يبعد حوالي 3 كلم عن السوق في دوما.

وجود جيش الإسلام بالقرب من دمشق ليس التهديد الأساسي على حكم بشار الأسد في العاصمة. التهديد الأساسي بالنسبة للرئيس السوري هو تقدم تنظيم “الدولة الإسلامية” بإتجاه دمشق. تقترب التنظيمات المختلفة، ومن ضمنها تنظيم “الدولة الإسلامية”، ببطء من معقل الرئيس السوري.

حتى في هذه الأثناء، التنظيم متواجد في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين المجاور للمدينة، وهو يحارب قوات النظام هناك بالشراكة مع مقاتلي “جبهة النصرة” (الذي يحارب تنظيم “الدولة الإسلامية” في جبهات أخرى في سوريا، كهضبة الجولان). الهدف بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية في نهاية الأمر هو دمشق.

وهذا ليس هدفا سريا وقد توعد التنظيم في عدة أحيان أنه سوف يستولي على العاصمة. ولكن حتى الآن، تقدمه بطيء جدا. وقد استولى قبل عدة أشهر على تدمر. والرقة، عاصمة “الدولة الإسلامية”، بعيدة جدا، ولكن المجاهدين نجحوا بالوصول الى بير قصب، التي تبعد حوالي 40 كلم جنوب شرق دمشق، وحتى الآن توقف تقدمهم هناك.

التطور السلبي من ناحية رئيس “سوريا الصغرى” سيأتي من الشرق، حيث أن الإتجاه العام لتنظيم “الدولة الإسلامية” واضح – التوجه غربا نحو العاصمة وخلع الأسد من دمشق.

ولكن هذا الهدف لا زال يبدو بعيدا بالنسبة لتنظيم “الدولة الإسلامية”. القتال في منطقة دمشق عادة لا يصل إلى مركز المدينة، ويتسرب إلى هناك فقط في أحيان نادرة. هذا ما حدث يوم الخميس الماضي، عند انفجار قذيفة في مركز دمشق والتي أسفرت عن سقطوط ستة قتلى من سكان المدينة.

تنظيم “الدولة الإسلامية” يواجه مشاكل صعبة، إدارية، عسكرية وإقتصادية. قواته منتشرة حتى أقصى حدودها في أنحاء سوريا والعراق سابقا. وتدفق المتطوعين يستمر ولكنه يتقلص بسبب حملة تركيا ضد التنظيم. ومن الجهة الأخرى، لدى الجيش السوري قوات ووسائل قتال كافية لحماية العاصمة. جيش النظام يلقى دعم ضخم من قبل إيران وحزب الله. وإضافة إلى ذلك، طائرات التحالف تقصف تنظيم الدولة الإسلامية طوال الوقت.

ولكن مع هذا، التوجه العام في سوريا واضح: تقدم تنظيم الدولة الإسلامية بإتجاه دمشق لم يتوقف.

ويجب التشديد على أنه من المستبعد أن تنتهي الحرب الأهلية السورية في حال خروج الرئيس من العاصمة. من المتوقع من الرئيس بعدها ان ينتقل الى الساحل العلوي في اللاذقية وطرطوس وأن يحاول الحفاظ على هذه المناطق والحاق أكبر ضرر ممكن لأعدائه المتعددين.

ويجب الذكر هنا أيضا انه بالرغم من ان الجيش السوري لا زال يستطيع حماية المدينة، إلا أنه من الصعب التكهن إلى متى سوف يحافظ على هذه القدرة. إذ أن هذا جيش يخوض حربا ضد أطراف متعددة منذ اربع سنوات، وفقد عشرات الآلاف من جنوده، من المصابين والقتلى، والجنود مرهقون. قد يؤدي حدث مركزي واحد، مثل سقوط قاعدة أو إصابة أحد قادة النظام أو الجيش، إلى انهيار النظام العسكري الخاص بالأسد، والى الفرار من العاصمة.

وهذا ما حصل في العراق قبل أكثر من عام عند استيلاء تنظيم “الدولة الإسلامية” على الموصل، حيث فر الجيش من ثاني اكبر مدينة في البلاد بدون قتال. وهذا ما حدث عام 2000 عند انهيار جيش جنوب لبنان وفراره من قواعده عندما اعتقد أن انسحاب إسرائيل يقترب.

أحد المحللين البريطانيين المعروفين لشؤون الشرق الأوسط، روبرت فيسك، ادعى هذا الأسبوع في صحيفة “ذا إندبندنت” أن القصف الجوي الدامي على دوما كان ردا على اطلاق القذيفة على دمشق قبل أسبوع، وعلى الخطر الذي تشكله بلدتين شيعيتين في مقاطعة ادلب. بكلمات أخرى، نظرا لتهديد “جيش الإسلام” و”جبهة النصرة” بقصف كفريا والفوعة، في مقاطعة ادلب، حيث يسكن 40,000 شخصا، فإن النظام يحاول تأسيس “توازن رعب” بدوما. النظام يحاول أن يقول لهذه التنظيمات، ابتعدوا عن تلك البلدتين، وأنا سأبتعد عن دوما.

التهديد على العاصمة لا يقتصر على التهديد العسكري القريب. المعارك الجارية الآن في الزبداني، على الحدود بين سوريا ولبنان، هامة جدا لحزب الله بسبب القرب من الأراضي اللبنانية، وهي بذات الأهمية بالنسبة للعاصمة. حيث أن مصادر المياه في دمشق تتواجد في منطقة الزبداني والنظام يخشى أن “جبهة النصرة” والتنظيمات الأخرى التي تخوض معارك في المنطقة ضد الجيش وحزب الله قد تحاول أن توقف وصول المياه إلى دمشق.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لإسرائيل

علينا التشديد من جديد أنه حتى الآن، لا يبدو أن توازن القوى، أو الأصح من ذلك توازن الرعب، في سوريا سوف يتغير عن قريب. وحتى التقارير المتعددة حول لقاءات بين السعودية، إيران وسوريا حول حل سياسي قد يؤدي إلى انتهاء الحرب الأهلية لا تبدو واقعية في الوقت الحالي. الجميع يقتل الجميع. عدد القتلى والنازحين وحده يستمر بالصعود.

وحتى في جبهة الجولان مع إسرائيل، لا يبدو أن هناك أي تغيير، بالرغم من عشق وسائل الإعلام في إسرائيل للعناوين الدرامية. مقاتلو “جبهة النصرة”، أقوى تنظيم معارضة في منطقة حوران، يخوضون العديد من المعارك الداخلية، بالأساس مع مجموعات تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” (مثل “شهداء اليرموك”). النظام، مع حلفائه الإيرانيين وحزب الله، يسيطرون على منطقة صغيرة حول بلدة حضر الدرزية، حيث يحاولون أيضا تنفيذ هجمات في الأراضي الإسرائيلية (في الوقت الحالي أهم الشخصيات في هذه الشبكة هو سمير القنطار، الذي تم اطلاق سراحه من السجون الإسرائيلية).

الأوضاع في هضبة الجولان السورية عالقة في مكانها. في العام الماضي شهدنا معارك وتقدم لقوات المعارضة. في الوقت الحالي هناك معارك فقط، بدون تقدم. في الربيع نجحت بعض حركات المعارضة بتهديد حضر، ولكن الصرخة الدرزية التي علت هناك أدت إلى توصل إسرائيل إلى اتفاق معين مع الحركات المختلفة في هضبة الجولان السورية، ما أدى إلى توقف الهجوم على حضر. وهكذا خلقت واقعا مستحيلا آخر في الشرق الأوسط الجديد: إسرائيل تتدخل لمنع هجوم سني على حضر الدرزية التي تسمح بالمقابل بأنشطة شيعية ضد إسرائيل.