في كل عام، تحتفل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية بالتقويم العبري من خلال تغيير إسم السنة، المكتوب بالطريقة القديمة مع أحرف مكان القيم الرقمية، إلى إختصار لنعمة هذا العام. بما أن كل سنة أكاديمية (الخريف إلى الصيف) تتوافق تقريبا مع التقويم العبري، فيتم ترقيم العام الأكاديمي، وبالتالي تسميته، بهذه الأحرف العبرية.

في الأسبوع الماضي، أعلن وزير التربية نعمة المطابقة لعام 5756 القادم (أو الأحرف تاف-شين-عاين-فاف). العبارة كانت غير عملية بشكل غريب، ضغط ست كلمات عبرية في إختصار من أربعة أحرف، وتقشعر لها الأبدان بشكل غير متوقع: “ليكن عاما من المسؤولية المشتركة والشخصية” (بالعبرية: تيهيه شنات عرفوت هدديت فأحريوت إيشيت)

هذا الأسبوع، قبل أيام قليلة فقط من بدء العام الدراسي الجديد، كشف وزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، عن التركيز التربوي للعام المقبل.

قال بينيت في تصريح له، “في بلد مثل بلدنا، التسامح ليس ترفا؛ إنه شرط مسبف لوجودنا. هذا العام، إحدى الطالبات لن تعود إلى المدرسة. لقد قُتلت لأنها سارت للتضامن مع أصدقائها في موكب الفخر [للمثليين في القدس]. لا يمكننا مجرد العبور على ذلك. الإختلاف بين بعضنا البعض مسموع وحتى مُشجع. ولكن أن نرفع يدا – أبدا”.

نفتالي بينيت، رئيس حزب البيت اليهودي، يتكلم في الكنيست، 15 يونيو 2015 (Yonatan Sindel/Flash90)

نفتالي بينيت، رئيس حزب البيت اليهودي، يتكلم في الكنيست، 15 يونيو 2015 (Yonatan Sindel/Flash90)

هذا الإقتباس افتتح إعلان الوزراة عن أن مئات الآلاف من طلاب الدمارس الإسرائيليين سيقضون الأسبوع الأول من العام الدراسي “في مناقشة العنف وكيفية منع العنصرية في مجتمعنا”.

قرار بينيت في تكريس هذا الأسبوع لهذا الموضوع، بحسب البيان، “يأتي في سياق أحداث العنف المروعة في الصيف الفائت، بما في ذلك جريمة قتل الرضيع الفلسطيني الذي يبلغ من العمر عاما ونصف العام، علي سعد دوابشة، رحمه الله، وجريمة قتل الشابة شيرا بانكي، رحمها الله”.

العنف “يجعل منا مسؤولين بصفتنا مربين نقدس الأخلاق وحب الإنسانية والحرية للعمل بكل طريقة ممكنة لمنع نشر روح الكراهية والدمار هذه”، بحسب ما كتبه المديرة العامة لوزارة التربية والتعليم، ميخال كوهين، في مذكرة لمدراء المدارس.

“نظام التعليم مسؤول عن العمل على تصحيح هذه الأمراض الإجتماعية وغرس قيمنا المقدسة – الدفاع عن كرامة الإنسان وجريته والأخلق والعدل ومحبة الإنسانية والمسؤولية المتبادلة”.

صورة توضيحية لأطفال في المدرسة (Yossi Zamir/Flash90)

صورة توضيحية لأطفال في المدرسة (Yossi Zamir/Flash90)

قُتل طفلان نتيجة لعدم التسامح، كما أعلن كبار المسؤولين التربويين في الأسابيع التي تلت هاتين الجريمتين. ولذلك سيكون التسامح محور تركيز العام الدراسي المقبل.

جرائم كراهية

جريمتي القتل في 31 يوليو في دوما، وفي موكب الفخر المثلي لم تكونا مجرد جريمتي قتل عاديتين. لقد كانتا جدلا أخلاقيا: هوس يشاي شليسل الأخلافي بمثليين يظهرون سعادة مفرطة والمناورة الإتفافية الأخلاقية لحركة “دفع الثمن” في معاقبة إسرائيل من خلال الخرق المزعوم لفلسطينيين.حادثان من ذروة التطرف اليهودي، لحظتان من الأمراض الروحية اليهودية التي رآها الكثير من الإسرائيليين، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ليس كإنحرافات جنائية ولكن كمؤشرات على إحتمالية مستقبل قاتم.

دوافع الجناة لم تكون عاطفية، ولا مجنونة، بل كانت أعمالهم عن وعي وذات معنى كامل

ليس من المبالغ فيه قول أن يهودية المجرمين (بالإستناد على الحالة الراهنة للأدلة)، إلى جانب حقيقة أن الجرائم ارتُكبت كما يبدو بإسم اليهودية، مزقت النقاش العام الإسرائيلي. فقد دفعت الرئيس الإسرائيلي، سياسي من اليمن الذي يؤمن بأن اليهودية الأرثوذكسية هي التعبير الحقيقي الوحيد لليهودية ويعارض منذ فترة طويلة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، التحدث بصوت عال ضد هذه الجرائم وازدياد التعسب بين “أبناء شعبي”. انضم سياسيون من اليسار واليمين في تقديم التعازي لعائلة دوابشة. سياسيون حاريديم ومتحثون بأسمائهم ظهروا على التلفزيون ليعلنوا أن العنف ضد المثليين هو فشل أخلاقي أكثر من الفشل المفترض للمثليين أنفسهم.

وسارع نظام التربية والتعليم للقيام بدوره. لأولئك الذي سيدخلون سكينا في ظهر فتاة بإسم الله، أو لأولئك الذين سيشعلون النار في منزل عائلة نائمة في منتصف الليل، الرد التقليدي اليهودي واضح بما فيه الكفاية، وتميز بالفيض الإسرائيلي العام بعد هذه الهجمات: رفض ظلام التعصب وزيادة ضوء التسامح.

اصدقاء شيرا بانكي بالقرب من قبرها بعد جنازتها، 3 اغسطس 2015 (Flash90)

اصدقاء شيرا بانكي بالقرب من قبرها بعد جنازتها، 3 اغسطس 2015 (Flash90)

مع ذلك في مفهوم هام، أساء السياسيون والمربون في إسرائيل، بصدمتهم الحقيقة من هذه الأعمال، فهمها. يسمونها بجرائم “كراهية” وينددون بالمشاعر. ولكن التسمية العاطفية في “جريمة كراهية” تخفي للمفارقة المعني الحقيقي لهذا التعبير: بأن دوافع الجناة لم تكون عاطفية، ولا مجنونة، بل كانت أعمالهم عن وعي وذات معنى كامل.

رد فعل إسرائيل على العنف في شهر يوليو لم ينجح في الإجابة على السؤوال الذي حير أقاق بعمق النفسية الإسرائيلية منذ ذلم الحين، سؤول ليس بجديد، ولكن جريمة قتل الإطفال جعلت تجاهله مستحيلا: من يشعل النار في منزل عائلة في منتصف الليل؟ ما هو نوع الأفكار الذي يدور في رأس شخص كهذا ومن يدخل هذه الأفكار إلى رأسه؟ وأي نوع من الأشخاص يقوم بماهجمة مراهقين بريئين، ويقوم بشكل محموم بإستخدام سكينه حتى، في الثواني القليلة قبل أن تنجح الشرطة في السيطرة عليه وطرحه أرضا، يُطرح سبعة منهم أرضا مضرجين في دمائهم في شوارع القدس؟ من أين تأتي تعابير التطرف هذه، وكيف بإمكاننا نحن كمجتمع التصدي لها؟

خطايا الإغفال

غرد بيني رابنوفيتش، محرر صحيفة “باتد نئمان” الأرثوكسية المتزمتة صاحبة التأثير ومتحدث بارز بإسم هذا القطاع، بعد هجوم شليسل، “أدينا لم تسفك هذه الدماء”.

كانت هذه تغريدة قوية، من النوع الذي فيه عبرية خفيفة مع أحرف علة أقل مجهزة بشكل فريد للخروج بها. وتابع قائلا، “لم تقم أية وسيلة إعلام حاريدية بالتحدث عن المسيرة؛ ولا كلمة. لم تكن هذه جريمة كراهية. كانت هذه جريمة مرضية. لم يكن هذا حاريدي. لم يكن بشرا. لقد كان حيوانا مفترسا”.

بيني رابينوفيتش (screen capture/Channel 2)

بيني رابينوفيتش (screen capture/Channel 2)

دفاع رابينوفيتش تم نشره لمتابعين على تويتر من النخب الإعلامية والسياسية في إسرائيل. وهو محق بشكل كبير. الإعلام الرحيدي لم يحرض ضد موكب فخر المثليين؛ فقد تجاهله بدقة. السبب يوفر نافذة على الثقافة والحساسيات في المجتمع الحاريدي الإسرائيلي.

الشريعة اليهودية تنظر بعين الشك إلى القدرة البشرية في التغلب على الشهية، ولذلك تقوم ببناء هياكل دقيقية من التوقعات الطقوسية والمعيارية التي تهدف إلى توجيه وإحتواء هذه الرغبات، وفي نهاية المطاف منح حاملها قوة إختيار كيفية وتوقيت الضخوع لها. اليهود المتديون لا يكذبون، سواء لأنفسهم أو لغيرهم عندما بصفون أساليب حياتهم الصارمة بأنها “محررة”. الفكر الحاريدي، المتجذر في وجهة نظر التيار السائد لمعظم التقاليد اليهودية، يرى بالمثلية كـ”شهية” بشرية أخرى من بين العديد من الشهيات، ويجب أن تدار بالطريقة التي تدير فيها الشريعة اليهودية رغبات بشرية أخرى، سواء كانت خاطئة أو غير ذلك – من خلال فرض إنضباطات طقوسية.

مسلحين بهذه الفرضية القديمة والتي تملك فوارق غير ملحوظة حول السلوك البشري، كان رد الحاخامات في العقدين الماضيين على القبول المتزايد في التيار السائد للمجتمع الإسرائيليي للمثليين مدروسا وحسوبا بشكل غير متوقع. خلص قادة الحاريديم قبل فترة طويلة إلى أنهم لم يجنوا شيئا من خوضهم حربا ثقافية في هذه القضية. حتى عند وصول موكب الفحر إلى القدس، فالأوامر التي اصدرها الحاخامات بالإجماع كانت صريحة، ومتجذرة عميقا في نظرتهم للخطيئة والضعف البشري.

قال الحاخامات إتركوا الكفار اللاعنين بسلام. دعونا لا نخاطر بإدخال أفكارهم – شهواتهم – إلى معسكرنا من خلال خوض حرب ضدهم. مجرد إكتشاف وجود المثليين وما يسمونه “فخرهم” من شأنه أن يشكل “عقبة” محيرة للثبات الأخلاقي في صفوف الشبان الحارديم، كما يقول الحاخامات. أفضل طريقة لتجنب الخطيئة، كما قالوا، هي تجنبها. لنبقي المعكسر نظيفا وفسوق العلمانيين المضللين – حتى التأمل في هذا الفسوق هو مخاطرة في إستيعابه – بعيدا عن هذه الجداران.

مسيرة الفخر في القدس، يونيو 2014 (via Shutterstock)

مسيرة الفخر في القدس، يونيو 2014 (via Shutterstock)

الإعلام الحاريدي لم يتجاهل موكب الفخر بسبب عدم الراحة أو شعور بالإشمئزاز، ولكن لأنهم تلقوا تعليمات مباشرة من قيادتهم الروحية للقيام بذلك.

وعندها جاءت جريمة شليسل. وفجأة أصبح من المستحيل تجاهل الشيء الذي كان طي الكتمان ولا يمكن وصفه. تم إرتكاب جريمة بإسم اليهودية الحاريدية، بإسم التوراة المقدسة. فجأة تحول موكب الفخر إلى القصة الرئيسية في كل وسائل الإعلام الحريدية.

“كيكار هشابات”، وهو قد يكون أكثر مواقع الإنترنت الحريدية باللغة العبرية شعبية، مثل العذابات الثقافية التي نتجت عن هجوم الطعن. “لا تقتل”، كُتب بالخط العريض فوق الخبر الذي تناول الجريمة على الصفحة الرئيسية، في تأكيد لا لبس فيه وتوراتي حتى على الفظاعة الأخلاقية للجريمة. ولكن تحت هذه العبارة، بدءا من العنوان الذي تحدث عن الخبر، بدا النص متلويا وملتبسا. جاء في العنوان أن الهجوم وقع فيما وصفه، وهذا إقتباس، ب”الموكب البغيض”.

قد يبدو الإسم للغرباء بأنه رفض لا لبس فيه للموكب، ولكن في حدود الخطاب الحاريدي فهو يمثل في الواقع تليين طفيف، رفض إخلاقي للموكب ولكنه مع ذلك موشب في محاولة مضطربة لتجنب تلميح على التحريض. لا يمكن تسمية المسيرة “موكب الفخر” من دون قبول فرضية الموكب، ولذبك اعتمد المحررون على الأساس الثقافي الغير معادي من خلال إستخدام مصطلح تستخدمه التوراة للعلاقات المثلية بين الذكور. للتوضيح، حتى لو كان ذلك لأنفسهم، بأنهم مشاركون في حيلة الفئات الأخلاقية هذه، قاموا بوضع هذاالتعبير بين مزدوجين.

يشاي شليسل، منفذ هجوم الطعن في موكب الفخر في القدس، في محكمة الصلح في القدس، 5 اغسطس 2015 (Yonatan Sindel/Flash90)

يشاي شليسل، منفذ هجوم الطعن في موكب الفخر في القدس، في محكمة الصلح في القدس، 5 اغسطس 2015 (Yonatan Sindel/Flash90)

أعرب الشارع الحاريدي عن صدمته الحقيقية من جريمة شليسل الواضحة ضد المشاركين في المسيرة، ولكنهم كانوا أكثر حذرا في تصريحاتهم لوسائل الإعلام الغير حاريدية حول الفظاعتين اللتنين ارتكبهما شليسل ضد مجتمعه: “تدنيس إسن الله” في تأكيده على أن عمله يمثل الرمز الأخلاقي للتوراه، والإختراق القسري – الذي وصفه أحد الراقبين الحارديدي بأنه “إغتصاب” – للجدران الدفاعية التي أحاطت النقاش في الشارع الحاريدي، محولا موكب فخر المثليين، الذي تم تجاهلة بثبات من قبل الحاريديم في القدس (على الأقل علنا) لأجيال، إلى أكثر المواضيع أهمية على أجندة المجتمع.

لمتابعة القراءة باللغة الانجليزية، اضغط هنا.