لقد كان الأمر منتهيا بالنسبة لبينيامين نتنياهو. لقد وافق على هدنة غير رسمية مع حركة “حماس” بعد إطلاق 500 صاروخ باتجاه إسرائيل، ووزير دفاعه، أفيغدور ليبرمان، قدم استقالته في عاصفة من الغضب والاتهامات. اثنان من شركائه الإئتلافيين الأكثر هدوءا، موشيه كحلون من حزب “كولانو” وأرييه درعي من “شاس”، توصلا إلى استنتاج بأن الإئتلاف، الذي تقلص الآن إلى 61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست، لم يعد قادرا على العمل بشكل فعال ودعيا إلى إجراء إنتخابات. وأكثر خصومه إزعاجا، زعيم حزب “البيت اليهودي”، نفتالي بيننيت، هدد بالانسحاب مع حزبه بمقاعده الثمانية من الحكومة ما لم يتم تعيينه وزيرا للدفاع، ما جعل من الإنتخابات في الربيع – قبل ستة أشهر من موعدها الرسمي – أمرا لا يمكن تجنبه.

الكثير من السياسيين كانوا سيذعنون إلى ما يبدو وكأنه أمر لا مفر منه. لكن نتنياهو لم يفعل ذلك.

أولا، انتقل إلى إعادة صياغة النقاش العام.

ليبرمان كان يسعى إلى إحياء حظوظه السياسية من خلال خوضه للإنتخابات في الربيع بكونه الزعيم السياسي الذي تمتع بالجرأة الكافية للتنازل عن منصب وزاري رفيع من أجل ضرب حماس، وتصوير نفسه على أنه المشرع الذي كان عليه وضع حد لتردد نتنياهو الظاهري وتخليه عن سكان جنوب إسرائيل الذين يقبعون تحت تهديد الصواريخ.

بينيت اعتقد أنه في صدد القيام بخطوة رابحة بكل الأحوال. إما أن يقوم برفع نفسه إلى الصف الأمامي من السياسيين من خلال إجبار نتنياهو أخيرا على إعطائه منصب وزير الدفاع، أو خوض الإنتخابات ضد نتنياهو من خلال تصوير نفسه على أنه البطل الحقيقي لليمين المتشدد.

ولكن لنتنياهو كانت هناك أفكار أخرى. مصورا ليبرمان على أنه شخص متلاعب وغير مسؤول ترك أهم منصب أمني في البلاد، وبينيت على أنه سياسي من الوزن الخفيف تهمه مصلحته الشخصية وأعمى عن مصالح إسرائيل الجوهرية بسبب طموحه الشخصي، أكد رئيس الوزراء على أن إئتلافه قادر على الصمود بعد خسارته لليبرمان وأصر على عدم الإذعان للشرط الذي وضعه بينيت.

في خطابه للأمة ليلة الأحد صرح نتنياهو في كلمة شرسة استمرت لتسع دقائق أن أمن إسرائيل القومي على المحك، وأنه شخصيا لن يتخلى عن السفينة في خضم ما وصفها بعملية عسكرية معقدة جارية ضد أعداء إسرائيل.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحفي في وزارة الدفاع في تل أبيب، 18 نوفمبر، 2018. (Jack Guez/AFP)

على النقيض من منتقديه التافهين من الوزراء، كما قال للإسرائيليين، فهو غير منخرط في “حرب الشعارات”. إنه يعمل على ضمان أمن إسرائيل على المدى البعيد. تماما كما خاطر بحياته في المعركة كضابط في واحدة من أبرز وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، وتماما كما واجه أيضا الرئيس السابق للولايات المتحدة في صراعه ضد الإتفاق النووي “المروع” مع إيران، فإن تركيزه الآن أيضا منصب فقط على هزم أعداء إسرائيل الحاليين. مهما بدا قرار وقف القتال ضد حماس يوم الخميس مضللا، كما أشار، فإن الإسرائيليين لم يروا بعد الصورة الكاملة. ولكن بإمكانهم الإعتماد عليه وعلى المؤسسة الأمنية، وفي الواقع يجب عليهم الإعتماد عليه وعلى المؤسسة الأمنية، للقيام بالمهمة حتى الإنتهاء منها.

في نهاية كلمته،  التي بدا خلالها بداية بأنه مليء بالغضب المكبوت، ولكن استعاد تدريجيا ثقته المعتادة – رفض الإجابة على الأسئلة التي صرخها الصحفيون، وأعلن، خلال سيره، “أنا ذاهب إلى العمل”. بمعنى، لدي عمل عليّ القيام به. دعوني أواصل عملي.

في مواجهة رئيس وزراء أثبت عدم إستعداده بأن يكون هو من يرمش أولا، وتواصل مع الجمهور بصورة تتسم بالمصداقية لطمأنته، أصبح بينيت الذي كان واثقا من أنه الرابح خاسرا. إذا بقي في منصبه كوزير للتعليم فقط، سيبدو كشخص ضعيف ومهزوم. وإذا استقال، فهو يخاطر في إلقاء اللوم عليه، حتى من قبل أنصاره، بأنه الشخص الأناني الذي أسقط حكومة اليمين قبل أوانها. ولكن، أوه، ما الذي يجب عمله؟ أعلن باحتفالية عن مؤتمر صحفي في الساعة 10:30 من صباح الإثنين.

وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت (من اليسار) ووزيرة العدل أييليت شاكيد يدليان ببيان للصحافيين في 19 نوفمبر، 2018. (Miriam Alster/Flash90)

في المؤتمر الصحفي، قرأ بينيت بعدم ارتياح ما كُتب في خطاب إستقالته، ولكن مع فقرة نهائية تم إعادة صياغتها، قال فيها إن ’البيت اليهودي’ سيقوم ب”سحب كل مطالبه السياسية” وسيقف إلى جانب رئيس الوزراء. لقد أقر بأنه سيدفع على الأرجح ثمنا سياسيا على هذا التغيير في الموقف، لكنه قال إنه خلص إلى أنه سيكون من الصواب مواصلة الوقوف مع نتنياهو على أمل أن يقوم رئيس الوزراء بتصحيح المسار المتردد للسفينة.

وبالتالي – على الأقل حتى كتابة هذه السطور – أعطى نتنياهو للمرة الألف درسا في القيادة السياسية للطامحين في خلافته، وكسب كما يبدو لإئتلافه المنقسم والمستنفد بعض الوقت على الأقل.

قد يتساءل البعض عن السبب الذي يدفعه للقيام بذلك. هناك بالتأكيد جدل يُطرح حول أن إجراء الإنتخابات في الربيع قد يلائم نتنياهو – إذا كان ذلك يعني أنه سيتم إعادة إنتخابه قبل أن يتخذ النائب العام قرارا حول ما إذا كان سيقوم بتوجيه تهم ضده في قضايا الفساد المختلفة التي يواجها. من المفترض أن يكون من الأسهل على التسلسل الهرمي القانوي في الدولة الإعلان للجمهور عن نيته محاكمة رئيس وزراء يواجه إنتخابات جديدة من الإعلان عن ذلك ضد رئيس وزراء أعيد انتخابه مؤخرا للمنصب. ولكن بما أن نتنياهو يبدو مصمما على البقاء والقتال حتى لو تم توجيه لوائح إتهام ضده، قد لا يكون ذلك أحد الإعتبارات الأساسية.

في الواقع، بالنسبة لكل المكائد السياسية الضيقة، فإن جذور هذه الدراما هي أن نتنياهو والمؤسسة الأمنية يريان أنهما في نقطة ما في منتصف الطريق في معركتهم المعقدة ضد حماس وحزب الله وإيران. كحلون قال لنا ليلة السبت إن جميع قادة التسلسلات الهرمية الأمنية الإسرائيلية – الجيش الإسرائيلي والموساد وجهاز الأمن العام (الشاباك) – جميعم يوصون بصوت واحد ضد التصعيد الذي يدعو إليه بينيت وليبرمان في الحرب ضد حماس.

لقد حذرنا تساحي هنغبي – في مقابلة غبية من الناحية السياسية ولكن صريحة وصادقة على نحو مثير للإعجاب مع إذاعة الجيش يوم الخميس – إن مواجهة حماس “في كل ثقب” في غزة في هذه المرحلة ستعني عودة 500 جندي إسرائيلي في التوابيت.

وقد أخبرنا رئيس الوزراء ووزير الدفاع الجديد مساء الإثنين، إننا “نرى فقط جزءا من العملية واسعة النطاق” التي قال إنه “ملتزم بإكمالها” من أجل ضمان أمن إسرائيل.

وتعهد نتنياهو قائلا “لن أقول الليلة متى سنعمل وأين سنعمل، ولكن لدي خطة واضحة”، مضيفا “أعرف ماذا سأفعل ومتى سأفعل ذلك. وسنفعل ذلك”.

الوقت كفيل بإخبارنا. جمهور الناخبين سيراقب عن كثب. وكما يعلم نتنياهو جيدا وخاصة بعد الأحداث التي شهدها الأسبوع الماضي، فإن نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان سيكونان متأهبين لإستغلال أي نقطة يُنظر إليها على أنها إخفاق أو ضعف جديد.