ما الذي يحول طفلا في الـ -11 من عمره إلى شخص يريد قتل غيره؟

الجواب سهل، الجواب الذي يفكر فيه الكثير من الإسرائيليين خلال سيرهم في الشارع وأصبح مطاردة مهددة للحياة، وهو أن الفلسطينيون ببساطة يكرهوننا. كرهونا دائما. وسيكرهوننا دائما. يقومون بملء عقول أطفالهم بالكره لنا. وبالتالي فإن هذه الكراهية تخرج لا محالة في تكرار لشكل من أشكال الإرهاب – دهس أو إطلاق صواريخ أو تفجير إنتحاري أو طعن في شوارعنا.

إنها إجابة تصعب مقاومتها في خضم سلسلة مدوخة من الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة، ومع ذكريات الهجمات الإرهابية بين الأعوام 2000-2005 التي لا تزال حية في معظم العقول الإسرائيلية. ولكن هذه الإجابة تجعل أيضا من مستقبل إسرائيل قاتم تماما، لأنه لا يترك إي إحتمال بأن الإرهاب والعنف الفلسطيني سيتوقف يوما ما، وأن الفلسطينيين سيكفون عن جهودهم الرامية للتخلص من السيادة اليهودية واليهود في الأراضي المقدسة.

إنها إجابة مغلفة في ملخص رئيس الوزراء القاتم الذي تحدثت عنه الأنباء، في ظهور له أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست في أكتوبر، بأن “إسرائيل سيكون عليها دائما العيش على حد السيف”.

والأسوأ من ذلك كله، أن ذلك قد يكون صحيحا. رئيسة الوزراء غولدا مئير قالت مرة فيما يبدو عن الفلسطينيين، “سيكون لنا سلام معهم عندما يحبون أطفالهم أكثر من كرههم لنا”. والتفضيل الفلسطيني الذي لا هواده فيه للعنف ومقتل الآلاف من الجانبين على تسوية دائمة، كما أثبت ذلك ياسر عرفات وحركة حماس وللأسف أيضا محمود عباس “المعتدل”- الذي رفض شروط السلام التي إقترحها إيهود أولمرت عام 2008، والذي ساهم إنكاره للشرعية الإسرائيلية في القدس بتأجيج موجة الإرهاب الحالية – من شأنه أن يشير بالفعل إلى إستعداد وإصرار على القتل والموت بدل من التسوية والعيش والسماح لغيرك بالعيش.

ولكن في حين أن نتنياهو قد يكون مستعدا للحكم على إسرائيل بالإلتزام الدائم بالعيش على حد السيف، فليس مؤكدا على الإطلاق بأن كل أجيال الإسرائيليين في المستقبل ستكون مستعدة لتحمل هذا الحكم. هذه الأيام، نتحمل نحن، المواطنون الإسرائيليون، عبئ الإرهاب الفلسطيني في قلب البلاد، ونقوم أيضا بإرسال أبنائنا إلى عامين او ثلاثة أعوام للخدمة العسكرية مع الإدراك بأننا لم نعد نتمتع بمهلة عامين أو ثلاث أعوام من الصراع المسلح على هذه الجبهة أو تلك. نرسل أبنائنا إلى الجيش، بكلمات أخرى، ونحد متأكدين تماما بأننا نعرض حياتهم للخطر على الخط الأمامي لحماية البلاد. وبعد ذلك تتبع عشرات السنوات من خدمة الإحتياط.

إذا كانت توقعات أكثر الإسرائيليين وطنية وحماسا هي إتباع الحمية الغذائية المضمونة من الصراع وسفك الدماء إلى الأبد التي يصفها رئيس الوزراء، هل ستنجح بلدنا النابضة بالحياة والجريئة بالحفاظ على صمودها إلى الأبد؟ في الوقت الحالي، وبحسب إحصاءات كثر نقاشها وكثرت الخلافات حولها، ما بين 10-15% من الإسرائيليين إختاروا العيش خارج البلاد.

بالتالي، فربما نحن ندين لأنفسنا على الأقل بالبحث عما إذا كانت هناك طريقة للخروج من ذلك؟ عما إذا كان هناك شيء يمكننا القيام به من شأنه أن يحد من جملة “العيش على حد السيف” الخالدة ظاهريا. إذا كان هناك شيء يمكننا القيام به من شأنه منع طفل في الـ -11 من عمره بالتحول إلى شخص يريد أن يكون قاتلا.

مصيرنا العيش على حد السيف إلى الأبد؟ هذا ليس بالرد الصهيوني الإستباقي للتحديات التي تواجه إسرائيل. بالتأكيد علينا بناء مصيرنا وأخذه بأيدينا.

***
الطفل ابن الـ -11 عاما الذي أراد أن يصبح قاتلا والذي أفكر به، تمت الإشارة حتى الآن إليه فقط بالحرف العبري (ع).

حاول هو وابن عمه (14 عاما) قتل حارس أمن في القطار الخفيف بالقدس في 10 نوفمبر. ابن عمه قام بطعن الحارس في الجزء العلوي من جسده بسكين أحضرها معه من البيت؛ (ع) طعنه في رأسه بمقص إشتراه حديثا. الحارس قام بإطلاق النار على (ع) في بطنه.

تم توجيه تهمة الشروع بالقتل لإبن العم. (ع) في سن لا يسمح بتوجيه إتهامات له – التشريع الذي قد يغير ذلك ينتظر تمريره في الكنيست حاليا – وهو يتعافي حاليا من جروحه بينما يقوم جهاز الشاباك بإحتجازه. سيتم إرساله إلى منشأة شمال إسرائيل لإستكمال فترة تعافيه. الحارس الذي حاولا قتله أُصيب بجروح بين الطفيفة والمتوسطة.

في الأيام الأخيرة، نشر الشاباك بداية أجزاء من شهادة (ع) خلال التحقيق معه، وبعد ذلك سمح للقناة الثانية بإجراء لقاء معه، مع تشويش صورته لمنع التعرف عليه.

في شهادته للشاباك تذكر (ع) صعود حارسي أمن إلى القطار الخفيف، ولكن الفتيين قررا “عدم طعنهما لأنه كان هناك إثنين منهم. في وقت لاحق نزل أحدهما وقمنا فورا بمهاجمة الذي بقي… طعنته في رأسه، ابن عمي طعنه في صدره وبطنه حتى قام الحارس بدفعي وأطلق ثلاث رصاصات في بطني”.

لماذا فعل ذلك؟ بحسب (ع)، محاولة القتل كانت فكرة ابن عمه. ذهب (ع) إلى المدرسة في اليوم نفسه، ولم يتم السماح له بالدخول لأن عائلته لم تدفع رسوم التعليم، فوجد ابن عمه في الخارج، وسمح للفتى الأكبر منه بإقناعه بتنفيذ هجوم طعن والموت كشهيد. ابن العم كان قد حاول تنفيذ هجوم في وقت سابق من الصباح نفسه، بحسب (ع).

هل كانت هذه جريمة قتل مع سبق الإصرار؟ سُئل (ع) في المقابلة التلفزيونية، وإجابته كانت “لا”، لن تكن هذه جريمة قتل بالمرة، بل كانت “فقط إنتقاما لمحمد علي”، أحد أقربائه الذي يُزعم بأن إسرائيل قتلته.

من هو محمد علي بالضبط؟ هو أيضا ينحدر من نفس مخيم اللاجئين الذي خرج منه (ع)، مخيم شعفاط في القدس الشرقية، وهو بالفعل قُتل على يد إسرائيل. في 10 أكتوبر. خلال محاولة لطعن شرطي حرس حدود في العنق في هجوم لم يسبقه أي إستفزاز عند باب العامود في القدس.

في إستعادة للأحداث، قال (ع) للكاميرات بأنه “نادم”، وبأن الهجوم كان “خطأ” وبأنه يرغب بالعودة إلى منزله في مخيم شعفاط للاجئين؛ يتمنى العودة إلى المدرسة. وتمنى أيضا، كما قال، لو كان يعيش في بيئة أفضل – بيئة “لا تملؤها فقط القمامة ومياه الصرف الصحي”. تحدث عن النظر إلى بيسغات زئيف القريب، الحي اليهودي في القدس الشرقية حيث قام إبنا العم بتنفيذ هجوم الطعن، حيث “لديهم شوارع مناسبة، والمنازل ليست مكتظة جميعها معا”.

ما الذي جعل أطفالا مثلهم يرتكبون أعمالا كهذه، سأله المحاور. وكان جوابه، “الإحتلال وإطلاق النار”، وأضاف: “لا يمكنك الخروج؛ لا يوجد مكان للذهاب إليه”.

***

ما الذي يمكن إستنتاجه من شهادة أصغر منفذي الهجمات حتى الآن في موجة الإرهاب لعام 2015؟ إلى أي مدى علينا الرجوع لرصد السبب الظاهري وتأثيره؟ إلى أين ينبغي أن نوجه اللوم، أو أن ذلك مجرد تمرين من دون جدوى؟ والأهم من ذلك كله، ما هي الدروس التي يمكننا تعلمها من أقواله التي قد تمنع الطفل القادم الذي قد يكون في الـ -11 أو الـ -10 أو الـ -9 من عمره من تقليده ومحاولة قتلنا؟ أو أن علينا التغاضي عن ذلك، واللجوء إلى حماية أنفسنا بفعالية أكبر، مع إجراءات أمنية وإستخباراتية أفضل، والمضي قدما؟

هل كان (ع) سيخرج لتنفيذ هجوم طعن لو كان أهله دفعوا رسوم المدرسة؟ ربما لا؟ ولماذا لم يدفع أهله للمدرسة؟ ربما لأنه لم يكن بمقدورهم دفع المبلغ. ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟ ربما إسرائيل؟ ففي النهاية هم يعيشون في مخيم شعفاط للاجئين، وهي منطقة تعتبرها إسرائيل جزءا من عاصمتها القدس.

لماذا فكرة طعن الإسرائيليين في المقام الأول؟ بسبب تشويه فلسطيني لا هوادة فيه لصورة ليهود وإسرائيل؟ لأنه كُذب عليه حول كيفية مقتل محمد علي؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟ القيادة الفلسطينية، الإعلام الفلسطيني؟

ولكن هل هذه هي القصة كاملة؟ بالطبع لا. أين يدخل “الإحتلال وإطلاق النار” في القصة؟ أين يمكن وضع حقيقة أن (ع) يعيش في حي منسي لا تريد إسرائيل، على الرغم من تأكيد سيادتها، أي علاقة فيه؟

بإستثناء أنه بكل تاكيد أن هذه ليست القصة كاملة أيضا، كيف وصلت إسرائيل في المقام الأول إلى وضع تسيطر فيها على مخيم شعفاط للاجئين؟ لأنه تم الإستيلاء عليه في حرب إستباقية تم فرضها على إسرائيل من قبل الفلسطينيين والعالم العربي الذي كان يزيد من جهوده لتدمير الدولة اليهودية في 1967. ولم يتم التخلي عنه لأن قادة فلسطينيين متعاقبين فشلوا في الموافقة على بنود مع إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية ليس من شأنها ولن تكون قادرة على تشكيل تهديد على الدولة اليهودية.

لعبة تبادل الإتهامات في موضعها هنا. الإعتقاد التوافقي في إسرائيل هو أننا كنا منذ زمن قد توصلنا مع الفلسطينيين إلى إتفاق حول إقامة دولة – وأنهينا “الإحتلال وإطلاق النار” – لو كنا قادرين على أن نثق بهم عسكريا ولو لم يصروا دائما على تحويل إسرائيل إلى دولة فلطسين الثانية من خلال إغراقها بالملايين من أحفاد اللاجئين. الإعتقاد التوافقي بين الفلسطينيين هو أن إسرائيل تسعى إلى إحتلال والبناء على المزيد والمزيد من الأراضي ومنع أي إمكانية من حصولهم على الإستقلال.

مصير هذا الجدل هو أن يبقى دائرا. لن يعترف أي من الطرفين أبدا بأنه على خطأ. والروايات المتضاربة لن تساعد أبدا على منع الهجوم القادم لأطفال أمثال (ع).

***

إذا ما يمكننا إستخلاصه من ذلك مجرد حكاية إرهاب كئيبة أخرى من فترة تفيض مرة أخرى بالكراهية وسفك الدماء؟

بما أننا نحن الإسرائيليون نريد أن نخدم مصالحنا الخاصة بشكل أكثر فعالية، وبالتحديد نريد العمل نحو الحد من سفك الدماء، قد يكون علينا أن نستوعب، على سبيل المثال، أنه إذا أصرينا على السيطرة على الأحياء العريية في القدس الشرقية، علينا أن نوفر للسكان النوع المناسب من البنى التحتية وخدمات البلدية وفرص التعليم والعمل التي قد تكون قد نجحت في تغيير جزء من السياق الذي تم تجنيد (ع) من خلاله إلى صفوف الإرهابيين. ربما أن تكون لوالديه الفرصة في دفع رسوم المدرسة، كبداية.

وبدلا من ذلك، إذا كنا لا نريد مئات الآلاف من المقدسيين سكان القدس الشرقية المعاديين لإسرائيل على الجانب “الآمن” من جدارنا الأمني، علينا إذا العمل نحو إستراتيجية قد تمكننا في نهاية المطاف من التخلي عن السيطرة هناك.

إن ذلك ليس بالأمر السهل. ولكنها عمليه قد تكون أسهل لو لم تكن القيادة السياسية والدينية الفلسطينية ومدارسهم وإعلامهم يقومون بلا هوادة بضخ سياسات ومواقف وتحريفات تهدف إلى تطعيم شعبهم ضد فكرة الشرعية اليهودية. فما رأيكم إذا في الإصرار على تطبيق إتفاقات مدعومة دوليا تهدف إلى كبح جماح التحريض على جانبي الصراع؟ وما رأيكم، كخطوة صغيرة نحو تغيير المناخ، بتشجيع المجتمع الدولي على إستثمار بعض الأموال في جهود لتمويل بعض المدارس ووسائل الإعلام ومشاريع أخرى تدعم التسامح والمصالحة والحفاظ على إشراف مباشر عليها؟

كتابة وطرح إقتراحات كهذه أسهل بكثير من تطبيقها. ولكن العلاجات المحددة ليست النقطة الرئيسية التي أريد التحدث عنها هنا. النقطة الرئيسية التي أريد أن أتحدث عنها هي أننا نحن الإسرائيليون نسقط مرة أخرى في موجة من سفك الدماء. الفلسطينيون يُقتلون مرة أخرى بأعداد كبيرة ويتم تحميلنا مسؤولية ذلك أيضا. ونحن نملك خيارا: أن نقبل بذلك على أنه قدرنا، ومن خلال إجراءات دفاعية وهجومية، أن نفعل ما بوسعنا للحفاظ على عدد قليل من القتلى. أو أن ندرس ما الذي يمكن القيام به، في مصالحنا الإستراتيجية بعيدة المدى، من أجل خلق إمكانية التحسين في نهاية المطاف.

أنا لست على قناعة، حتى لو أعلن نتنياهو تجميد البناء الإستيطاني غدا وعرض تعويضات على اليهود الذين يعيشون في مناطق في الضفة الغربية لا تعتزم إسرائيل الحفاظ عليها على المدى الطويل، وقام بالإعلان عن دعمه لمبادرة السلام كأساس موثوق لمفاوضات مأمولة على إتفاق دائم، ووافق على هذه المحادثات على أساس خطوط ما قبل 1967، بأن الطريق إلى السلام والمصالحة ستُفتح أمامنا بسلاسة. ولست مقتنعا أبضا بأن محمود عباس سيظهر إستعدادا أكبر من ياسر عرفات لإضفاء الشرعية على السيادة اليهودية. وأرى أنا فرص عباس في الصمود أمام تركيز حماس والدولة الإسلامية وإيران وغيرهم من الإسلاميين المتوحشين إذا قامت إسرائيل بالتخلي عن الإشراف الأمني على الضفة الغربية أقرب إلى الصفر. وهذه الحقيقة البسيطة معناها أن سيادة فلسطينية كاملة هو تنازل لا يمكن لبلدنا الصغير إسرائيل التجرؤ على التفكير به في المستقبل المنظور.

ولكن من المفترض أننا شعب ذكي. نحن أمة نجحت دائما في إيجاد طريقة للإزدهار رغم كل الصعوبات. وما يقلقني في الوقت الحالي هو أننا أصبحنا إنهزاميين، بأن لدينا قائد على إقتناع كبير باليأس الدائم من تغيير واقعنا الإقليمي، لدرجة أننا لم نعد نحاول فعل ذلك.

لأنه وبحق، ينبغي أن يكون في حكمة وحيلة الدولة اليهودية خلق بيئة لا يسهل فيها تجنيد طفل يبلغ من العمر (11 عاما)، يعيش فيما نصر على أنها بلادنا، لصفوف أولئك الذين يريدون قتلنا.