اكتشف فريق علماء جيولوجيين من جامعة يوتا السر الذي يقف وراء قوة صمود مبان تم بناؤها من إسمنت روماني. هذه المعالم التي صنعها الإنسان ويزيد عمرها عن 2,000 عام، مثل الميناء في مدينة قيسارية في إسرائيل، تنجح في الصمود في الوقت الذي تنهار فيه مباني إسمنتية حديثة.

لإيجاد الجواب، قام فريق باحثين بقيادة بروفسور ماري جاكسون بالعودة إلى حكماء هذه الفترة، وبالتحديد
بليني الأكبر.

في القرن الأول ميلادي كتب بليني الأكبر في كتابه Naturalis Historia (التاريخ الطبيعي) عن عمليات شبيهة بالصخور تضم رماد بركاني “الذي بمجرد أن يلامس أمواج البحر ويصبح مغمورا يتحول إلى كتلة حجرية واحدة، حصينة من الأمواج وتزداد قوة يوما بعد يوم”، بحسب ما اقتبسته جاكسون في دراسة جديدة تم نشرها هذا الأسبوع في مجلة American Mineralogist.

بعد دراسة عينات لإسمنت روماني عدد من الموانئ الرومانية في إيطاليا، خلُص فريق جاسكون إلى أن “الصمود الكيميائي طويل الأمد للإسمنت يعتمد بشكل واضح على تفاعلات بين المياه والصخور، كما استدل بليني الأكبر”.

في دراسة العينات الجوفية لإسمنت الميناء الروماني، لاحظ جاكسون وفريقها وجود المعدن النادر توبرموريت الألمنيوم (التوبرموريت) في تركيبة الملاط. بحسب مقال في موقع Phys.org عن الدراسة التي نُشرت حديثا، فإن هذا النوع من البلورات المعدنية “يتكون من جزيئات الجير من خلال تفاعل بوزولاني في درجات حرارة مرتفعة نوعا ما”. وجود التوبرموريت فاجأ جاكسون لأن صُنعه يُعتبر صعبا حتى في أفضل المختبرات الحديثة.

وقالت جاسكون لموقع Phys.org: “كعلماء جيولوجيين، نعلم أن الصخور تتغير”، وأضافت أن “التغيير هو أمر ثابت لمواد الأرض. فكيف يؤثر التغيير على متانة الهياكل الرومانية؟”

بالإضافة إلى حدس البنائين الرومان بشأن العمليات الكيميائية المشاركة في إنشاء معدن التوبرموريت الذي يساعد في تثبيت الأسمنت، من اللافت للنظر أيضا توحيد معايير مواد البناء لمشاريع بعيدة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

الميناء في مدينة قيسارية الإسرائيلية، على اسم القيصر أوغسطس، مؤسس الإمبراطورية الرومانية، تم بناءه من قبل هيرودس الأكبر، الذي حكم بين السنوات 37-4 قبل الميلاد، بحسب “جمعية علم الآثار التوراتي”. وفقا للجمعية فإن “هيرودس قام من دون شك ببناء هذا الميناء الضخم لتلبية حاجة عملية، حيث أنه لم يكن هناك مرسى محمي على طول الطريق من الإسكندرية، في مصر، إلى موانئ سوريا وآسيا الصغرى”.

قيسارية (photo credit: Wikimedia Commons, public domain)

قيسارية (photo credit: Wikimedia Commons, public domain)

بعد هيرودس، أصبحت المدينة البحرية وميناءها الضخم – الأكبر في وقته – مقر الحاكم الروماني المحلي.

في بناء حواجز الأمواج في المدينة تم إستخدام “أسمنت هيدروليكي” كثيف بشكل بارع. هذه المادة هي خليط من الملاط والرمل البركاني المستورد من إيطاليا ويُسمى “بوليفيس بوتيولانوس” (والتي تم إستخراجها بالقرب من خليج نابولي)، وخفاف وجير.

وقالت جاكسون لمجلة Smithsonian: “قام الرومان بشحن آلاف الأطنان من هذا الرماد البركاني حول البحر الأبيض المتوسط لبناء موانئ من ساحل إيطاليا إلى إسرائيل وإلى الإسكندرية في مصر وصولا إلى بومبويوبوليس في تركيا”.

بحسب عالم الآثار كينيث هولوم فإن “رجال هيرودس قاموا ببناء حواجز الأمواج من خلال وضع سلسلة من كتل أسمنت هائلة على قاع البحر، مشكلين بذلك سلسلة من الجزر الإصطناعية انضمت إليها في وقت لاحق عمليات بناء تقليدية أكثر”.

المزيج من مياه البحر وصيغة الاسمنت ساهم في بناء مبنى مستقر للغاية. في حين أن مياه البحر تلحق أضرارا بالإسمنت الحديث، في الإسمنت الروماني، لعبت مادة بوليفيس بوتيولانوس “في الواقع دورا في التخفيف من التدهور عند تغلغل المياه من خلال (الإسمنت)”.

وتوصل فريق جاكسون إلى أن تغلغل مياه البحر عبر الأسمنت “حلل مكونات الرماد البركاني وسمح لمعادن جديدة بالنمو من سوائل مترسبة قلوية بدرجة كبيرة، وخاصة التوبيرموريت و فيليبسيت”، وفقا لموقع Phys.org.

وقالت جاسكون لموقع Phys.org: “نحن ننظر إلى منظومة تتعارض مع كل ما لا يريده المرء في الخرسانة الإسمنتية. نحن ننظر على منظومة تزدهر في تبادل كيميائي مفتوح مع مياه البحر”.

على الرغم من أن جاسكون قضت سنوات في التنقيب عن نصوص رومانية بحثا عن سر الوصفة، لكن الوصفة “ضاعت تماما”، كما قالت.

مع ذلك، في الوقت الذي يفكر فيه مهندسو البناء الحديث بمشاريع قادمة، كما قالت جاكسون لصحيفة “الغارديان”، فهي تأمل أن يفتح عملها أمامهم آفاقا على علميات قديمة-جديدة محتملة.

وقالت جاسكون: “أعتقد أن [الدراسة] تفتح منظورا جديدا كليا حول كيف يمكن صنع الإسمنت – إن ما نعتبرها عمليات تآكل يمكن أن ينتج عنها في الواقع إسمنت معدني مفيد للغاية وأن  تؤدي إلى قدرة مستمرة على الصمود وقد تعزز في الواقع القدرة على الصمود بمرور الوقت”.

إذا كان ميناء قيسارية يدل على شيء، فسيكون من الحكمة الإصغاء إلى حكماء الرومان.