إحدى الجمل التي سمعتها مرارا وتكرارا من جبريل رجوب خلال حديثي معه هو “لننسى الماضي. ما الحاجة إلى فتح جروح قديمة؟”

رجوب (أبو رامي)، الذي يبلغ من العمر (63 عاما)، أشار في جملته هذه إلى الكثير من الأحداث الدراماتيكية التي وقعت بدءا من أواخر سنوات الستين وحتى العقد الماضي، المتعلقة بعلاقاته مع إسرائيل.

بدءا من الهجمات التي كان مسؤولا عنها عندما كان فتى صغيرا وصولا إلى قضية إخلاء الجندي مدحت يوسف من “قبر يوسف” في عام 2000 عندما كان قائدا للأمن الوقائي في الضفة الغربية.

ولكن يبدو أن حدثا واحدا في ماضيه، المرتبط بإسرائيل بشكل جزئي، هو الذي ترك عنده جرحا كبيرا يأبى أن يلتئم ويؤثر على أنشطته في حركة “فتح” حتى يومنا هذا. في بداية شهر أبريل من عام 2002، دخل الجيش الإسرائيلي إلى رام الله في إطار عملية “الدرع الواقي”. في إحدى هذه الليالي، تلقى رجوب، الذي كان في ذلك الوقت قائدا للجهاز الوحيد الذي خرج صراحة ضد إستخدام السلاح ضد إسرائيل، مكالمة هاتفية من ضابط العمليات عنده. الضابط أبلغه أن مروان البرغوثي، صديقه القريب ولكن المطلوب رقم واحد أيضا، يتواجد عنده في المقر في بيتونيا غربي رام الله. رجوب أدرك فورا أن تواجد البرغوثي قد يعطي ذريعة للقوات الإسرائيلية لإقتحام المقر.

مدحت يوسف (Courtesy)

مدحت يوسف (Courtesy)

أراد أن يفهم كيف وصل اليرغوثي إلى هذا المكان وصُدم بعد أن أدراك أن اثنين من القياديين في السلطة الفلسطينية، وهما محمد رشيد وصديقه المقرب محد دحلان، هما اللذان جلبا البرغوثي إلى هناك. وصل رجوب للمقر والتقى بالبرغوثي، الذي تجدر الإشارة مرة أخرى إلى انه يُعتبر حليفه السياسي. شرح لمروان الإشكالية في تواجده في هذا المقر، ووافق الأخير على مغادرة المكان حفاظا على سلامة من فيه. رجوب بنفسه، بحسب أقواله، هي الذي قام بإيصال البرغوثي بمركبته إلى وسط رام الله وهناك ودع الرجلان بعضهما. من هناك عاد رجوب إلى المقر في بيتونيا ليكتشف أن الجيش الإسرائيلي بدأ بإقتحام المكان.

المقر بجنوده وأسراه، الذين كانوا بجزء كبير منهم من أتباع “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، لم يصمد أمام القوات الإسرائيلية. فقط في اليوم التالي أدرك رجوب حجم المؤامرة التي حيكت ضده. صديقه ونظيره في غزة، محمد دحلان، الذي حظي في كل مرة زار فيها الضفة الغربية بحراسة من رجال رجوب، فتح بهجوم عليه في وسائل الإعلام ومع نشطاء حركة “حماس” اتهمة في التعاون مع إسرائيل وبتسليم أتباع “حماس” ل”الإحتلال”. هاجم دحلان رجوب من على كل منصة ممكنة وحاول عمليا القضاء سياسيا على رجوب.

خطة دحلان نجحت، ولكن بشكل مؤقت. اعتُبر “أبو رامي” في ذلك الوقت حصانا ميتا (سياسيا) في أعقاب الأحداث هذه. الكثيرون اعتبروا ما حدث نهاية لطريقه السياسية وتوقعوا عدم عودته إلى مركز العمل السياسي. هذا ما ظنوه.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في مقر السلطة الفلسطينية في رام الله، 3 ديسمبر 2016 (AHMAD GHARABLI / AFP)

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في مقر السلطة الفلسطينية في رام الله، 3 ديسمبر 2016 (AHMAD GHARABLI / AFP)

اليوم يُعتبر رجوب شخصية ذات نفوذ كبير في حركة “فتح” بعد رئيس السلطة الفلسطيينة محمود عباس. في الإنتخابات للجنة المركزية لحركة “فتح” فاز بالمركز الثاني (بعد البرغوثي)، ولكن بما أن الأخير يقيع في السجون الإسرائيلية، يُعتبر الرجوب مرشحا قويا لخلافة أبو مازن عندما يحين الوقت. يحظى بتأييد بين صفوف شبيبة الحركة وكبارها.

حلفاؤه، وهذه نقطة يجب التركيز عليها، نجحوا هم أيضا في دخول اللجنة المركزية، على عكس حلفاء البرغوثي، وهذه هي اللجنة التي ستختار رئيس “فتح” المقبل عندما يحين الموعد لذلك.

بالطبع يمكن أن تحدث أمور كثيرة قبل ذلك. ولكن في إسرائيل والعالم العربي، وفي “فتح” والأراضي الفلسطينية طبعا، يدركون الآثار المترتبة على هذا الإنجاز.

جدارية لصورة مروان برغوتي على الجدار الامني في الضفة الغربية، بالقرب من قلنديا، 6 مايو 2016 (Haytham Shtayeh/Flash90)

جدارية لصورة مروان برغوتي على الجدار الامني في الضفة الغربية، بالقرب من قلنديا، 6 مايو 2016 (Haytham Shtayeh/Flash90)

وُلد رجوب، الذي يشغل اليوم منصب رئيس الإتحاد الفلسطيني لكرة القدس، في عام 1953 في قرية دورا في منطقة الخليل. هو الابن البكر بين 13 أخ وأخت. في سن 15 ونصف إعتقل الطالب المتفوق في مدرسته لأول مرة من قبل إسرائيل، بتهمة مساعدة جنود مصريين وصلوا إلى المنطقة. في السجن التقى بمن يُعتبر الأب الروحي للأسرى الفلسطينيين، قيادي “فتح” أبو علي شاهين، الذي تربت على يده أجيال من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، خاصة حول أهمية معرفة “العدو الصهيوني ولغته”. بعد مرور أربعة أشهر أُطلق سراحه وانضم إلى خلية سرية لحركة “فتح” نشطت في المنطقة. “تحولت إلى مقاتل”، كما قال، وأضاف “دربونا على إستخدام السلاح”.

في أواخر عام 1970 اعتُقل مرة أخرى، هذه المرة لضلوعه في هجوم إلقاء قنابل يدوية ضد جنود إسرائيليين. (“ما الحاجة إلى فتح جروح قديمة؟”، كما قال في محاولة منه للتهرب من الحديث عن الهجوم الذي شارك فيه). هذه المرة دخل السجن لمدة 15 عاما عندما كان في سن ال17 فقط.

ويروي قائلا “في السجن تعلمت العبرية والإنجليزية. ألفت كتابين. ترجمت كتاب مناحيم بيغن ’التمرد’ إلى العربية بكاملة. درست تاريخكم. قرأت عن التوراة، وعن التوراة الشفهية. عن الحاخام عكيفا وطبعا عن كل ما يتعلق بالحركة الصهيونية”.

جبريل رجوب (Nati Shohat/Flash90)

جبريل رجوب (Nati Shohat/Flash90)

خلال هذه السنوات شارك زنزانته مع أسرى آخرين معروفين: مروان البرغوثي وقدورة فارس وحسين الشيخ وآخرون غيرهم حتى إطلاق سراحه في عام 1985 في إطار صفقة جبريل رجوب سيئة السمعة في إسرائيل. على مدى عامين دخل وخرج من السجن في إعتقالات إدارية، في عام 1987 تزوج من هبة، زوجته ووالده أبنائه الأربعة، وفي ال13 من يناير في عام 1988 تم ترحيله إلى لبنان.

من هناك توجه إلى تونس حيث تم تعيينه مستشارا قريبا لياسر عرفات في شؤون “الأراضي المحتلة”. في عام 1994 عاد إلى الضفة الغربية مع عودة قادة حركة فتح، ليتم تعيينه هذه المرة قائدا للأمن الوقائي، الجهاز الأقوى حينذاك في الأراضي الفلسطينية.

ويقول رجوب “لقد كنت ضد إستخدام السلاح في إنتفاضة الأقصى”، ويضيف قائلا “أنا وأبو مازن كنا الوحيدين اللذين عارضا إستخدام العنف أو العمليات. إعتقدت حينها وأعتقد اليوم أيضا بأن ذلك كان خطأ وتسبب لنا بضرر كبير. أؤيد المقاومة الشعبية ويجب العمل ضد الإحتلال ولكن ليس عن طريق العمليات والسلاح”.

ولكن أي جبريل رجوب علينا أن نصدق نحن الإسرائيليين؟ ذلك الذي قال إنه لو كانت للفلسطينيين قنبلة نووية لكانوا إستخدموها ضد إسرائيل أو ذلك الذي قال بأنه يعارض الهجمات؟

“لم أقل ذلك. ما قلته إنه قبل إتفاقية أوسلو كنا في حالة حرب وكل شيء كان مسموحا، ولو كانت لأحدهم قنبلة نووية لكان إستخدمها ضد إسرائيل. ولكن منذ توقيعنا على الإتفاقية تغير كل شيء وانتهى الأمر. كل شيء آخر هو تحريض ضدي ومجرد هراء. لم أقل ولا أنوي قول أمور كهذه”.

لماذا وصفت إذا من قاموا بطعن الإسرائيليين ب”الشهداء”؟

“بالنسبة لي كل من يحارب الإحتلال ويُقتل جراء ذلك هو شهيد. نحترمه. ولن نتجاهل حقيقة أنه مع الشعب الفلسطيني. ضحى بدمائه وحياته”.

يُعرف عن رجوب علاقاته الممتازة مع إسرائيليين، بين سياسيين من اليسار وأعضاء كنيست يهود وعرب ورجال أعمال أيضا. معرفته بالسياسة الإسرائيلية تذّكر بالمعرفة التي يتمتع بها المراسلون لشؤون الأحزاب في الإعلام الإسرائيلي. خلال لقائي معه تلقى محادثات هاتفية كثيرة من أصدقاء ومعارف إسرائيليين. “هل تعرف مطعم الكبة في أور يهودا؟” سألني. “لديهم الكبة رقم واحد”.

ألم تيأس من حل الدولتين بعد؟

“على الإسرائيليين أن يدركوا إنه لا يوجد هناك حل آخر سوى إقامة دولة فلسطينية. لا توجد لدي خطة شخصية أعمل وفقا لها، لدي مشروع وطني فقط. جلست في السجن الإسرائيلي 17 عاما. ضحيت بكل شيء وسأفعل كل شيء حتى أتمكن في يوم الأيام من اجتياز الحدود ويكون الشخص الذي سيوقع على جواز سفري شرطي فلسطيني وليس الإحتلال العنصري. هذا هو حلمي ومن أجله أناضل. لا تهمني تعريفاتكم، ’معتدل’، ’متشدد’. أنا متمسك بحل إقامة دولة فلسطينية ومتشدد بهذا الشأن”.

هل أنت الخليفة إذا؟ فلقد تم إنتخابك لرقم 2 بعد مروان البرغوثي؟

يسارع رجوب إلى التهرب من لقب “الخليفة”. كل محاولة مني لفتح الموضوع قوبلت بتهرب من سياسي ذكي وصاحب خبرة. “مروان هو رفيق وصديق وبالنسبة لنا جميعا، وكان وما زالا رمزا وطنيا. لا أرى بنفسي رقم 2 أو 20. أنا أتصرف بحسب التفويض الذي مُنح لي. أبو مازن هو الشخص الوحيد من جهتي لقيادة ’فتح’ والشعب الفلسطيني ولا يوجد هنا رقم 2 أو 3 من بعده. كلنا من ورائه”.

ولكن ما الذي سيحدث في اليوم التالي؟

“لا تهم هوية الشخص الذي سيتم إنتخابه بعد ذلك. من المهم وجود قائد يحظى بدعم هنا. لقد حصل على التفويض. مناورات بصيغة ’من بعده ومن قبله’، هذه ليست بثقافتي. تم إنتخاب أبو مازن مرة أخرى من قبل ’فتح’ ليكون قائدا لها. وآمل أن يفهم الجمهور في إسرائيل وكل من يؤمن بالسلام رسالة ’فتح’ التي اختارت قائدا متزنا، على اقتناع بالتوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني”.

وماذا عن الدعم في “فتح”؟ في المؤتمر العام لم يشارك حتى دحلان والمقربين منه؟

“من شارك ومن لم يشارك، لا علاقة لذلك بالمؤتمر ونتائجه. أجري المؤتمر وفقا لكل القوانين والأحكام. ولكن أنت محق، هناك مشكلة وسنقوم أنا وأعضاء اللجنة المركزية بإستثمار كل وقتنا لتحسين وإصلاح والقيام بكل الإصلاحات الضرورية لتعزيز الحركة”.