مسيرات تضامن جماعي، تعهدات، عبوس الوجه، والعودة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لوحدها لن تقوم بما يلزم. الجماعات الإرهابية المتطرفة، والدول التي تدعمها، تسعى لتدمير مجتمع منفتح وديمقراطي، قائم على المساواة الغربية، وتفرض نسختها القاتمة، والدموية الخاصة المنحرفة عن التطرف.

بالتأكيد لن تكون مواجهتهم بسيطة. لكنها ستكون مستحيلة إلا في حال يتم استيعاب حقيقة التهديد الحقيقي ورد القتال بشكل جدي.

إذا استمر الغرب بإيهام نفسه عن حجم التحدي، أولئك الذين يفرحون لهبة الحياة الإلهية، سيجدون أنفسهم مقيدون بشكل متزايد ومرعبون من قبل أولئك الذين يؤكدون على حتمية القتل والموت في سبيل الله.

ينطوي النضال من أجل الحفاظ على الحريات الأساسية الغربية على عملية ثلاثية الخطوات.

أولا، امنح اسما واعترف بالعدو.

القتلة الذين قاموا بهجوم باريس – مثل أولئك الذين أسقطوا طائرة مدنية روسية في سيناء، والذين نفذوا تفجيرات انتحارية في بيروت الأسبوع الماضي، والذين هاجموا شارلي ايبدو والمحل اليهودي في باريس في يناير، وفي لندن في 7 يوليو 2005، وفي 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، والذين فجروا مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، ونعم، اولئك الذين قتلوا مئات الإسرائيليين في تفجيرات انتحارية في الإنتفاضة الثانية، وغيرهم على قائمة لا نهائية للاعتداءات في جميع أنحاء العالم – ليسوا “محاربين” غامضين. انهم متطرفون أتباع الفكر السام الذي ينادي بالقتل والموت.

إن أفعالهم ليست “عنفا”، إنه إرهاب – القتل من أجل الترويع، من أجل إضعاف وردع معارضتهم، افضل طريقة لفرض هذه الأيديولوجية الجشعة. أن تنظيم “داعش” داعية لفساد معين.

ثانيا، الدفاع على نحو أكثر فعالية ضد الإرهاب

يستمر زعماء العالم بحديثهم عن معركة جيدة، ولكنهم في الواقع لا يقدمون معركة جيدة. يعني هذا، عمل منسق ودؤوب لجعل قتل الأبرياء أكثر صعوبة على الإرهابيين. تحسين الأمن في أماكن تجمع ناس بأعداد كبيرة – على غرار إسرائيل. (لا ينبغي ان يقدر الانتحاريون على دخول قاعات الحفلات الموسيقية دون اعتراض). تخصيص المزيد من الموارد لتسلسلات المخابرات الهرمية، تعاون مستمر بين الوكالات الدولية لتحديد القتلة المحتملين، وكشف الخطط الإرهابية في طور التكوين. رقابة فعالة. اعتقالات وقائية. حيث في معظم الهجمات القاتلة الأخيرة في أوروبا، يتضح بعد شنها أن هذا أو ذاك القاتل كان على “قائمة المراقبة” لدى المخابرات. من الواضح انه لم يراقب بعناية كافية.

على مستوى استراتيجي أعمق، يعني هذا معركة أكثر حزما بكثير ضد الجماعات الإرهابية والدول الراعية لها في الأراضي التي يتخذونها مقرا لها، ودعم فعال لمن يسعى في ذاك الجزء من العالم إلى الإنتفاض ضد الظالمين المتطرفين والحكام . انظروا الى سوريا وإيران ومصر، على سبيل المثال.

في بداية الإنتفاضة ضد بشار الأسد في سوريا، كانت هناك معارضة علمانية معتدلة نسبيا. ولكن العالم الغربي لم يفعل الكثير لمساعدتها، وتم في ذلك الوقت تهميشها من قبل الجماعات الجهادية المتطرفة القاتلة، وأصبحت سوريا ساحة حرب حيث لم يقدر الغرب على رؤية جانب “جيد” ليساعده. مرعوبا من فكرة الانجرار إلى حرب أخرى، قرر البرلمان في بريطانيا اولا ومن ثم رئيس الولايات المتحدة أنهم حتى سيسمحون للأسد بمهاجمة شعبه بالغاز دون عواقب تذكر. لا عجب أن ملايين السوريين يفرون الآن – في محاولة الوصول إلى الغرب، مع عدد غير معروف من القتلة الجهاديين بينهم.

بدلا من احباط الداعم الرئيسي للإرهاب في العالم- إيران، قامت القوى العالمية هذا الصيف بمنح شرعية للبرنامج النووي لآيات الله، ومهدت الطريق أمام تدفق كميات كبيرة من الأموال والتي تستخدمها طهران لإثارة المزيد من الاضطرابات في الشرق الأوسط و المزيد من الإرهاب في جميع أنحاء العالم. في عام 2009، عندما سعى الشعب الإيراني للإطاحة بنظام الملالي، اختار الغرب عدم تحريك اي ساكن لمساعدتهم. الآن، بعد ان ترسخ النظام في السلطة – يدفع شعب ايران ثمنا باهظا في الداخل والخارج على حد سواء.

حاليا، في مصر، يحث الرئيس عبد الفتاح سيسي علنا ​​تقديم الإسلام المعتدل، محذرا من أن دينه، يعتبر الآن على صعيد عالمي كعقيدة ترغب في القتل في جزئها الأكبر. نال السيسي السلطة بالعنف، مطيحا برئيس منتخب ديمقراطيا. ولكن جماعة “الإخوان المسلمون” لم تكن لتجري انتخابات ديمقراطية أخرى، وحاول السيسي منع تدهور بلاده في قبضة التطرف الإسلامي. بدلا من السعي لخلق ظروف يمكنها أن تساعد على التئام الاقتصاد المصري، وتمكين مصر من تغذية وتوظيف 80 مليون شخص، جزء كبير من الغرب – بما في ذلك الولايات المتحدة – تبدو راضية من بقاءها بعيدا. ستتتضاءل تكلفة مساعدة السيسي نحو تحول بناء من أجل مصر، أمام تكلفة التصارع مع مصر الواقعة في قبضة التطرف الإسلامي.

رغبة الغرب لتجنب الإنجرار إلى حروب جديدة في هذا الجزء من العالم غير مفهومة. إسرائيل – مجزءة بشكل مقيت ويتم تشويه سمعتها دوليا لأنها تقاتل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وغيرهم ممن يتعاملون مع المتطرف – تشارك بعمق الرغبة لتجنب المزيد من الصراعات. لكن القادة المتطرفين لن يوافقوا على حل وسط. ويجب مواجهتهم بإستمرار.

وفقط إذا تمت مواجهتهم وتم احباطهم سيكون هناك أمل في أن تكبر الأجيال الجديدة في مناخ بناء، مع احتمال معين لتعليم لائق، فرصة وحياة تستحق العيش، مما يجعلهم أقل عرضة للمجندين الجهاديين.

في محاولة لإبقاء الشرق الأوسط على بعد معين، تضم أوروبا الآن أكثر العناصر المتطرفة في المنطقة، والتي تطلق النار في متاحفها ومكاتب مجلاتها ومطاعمها وقاعات حفلاتها الموسيقية.

ثالثا، منع تجنيد موجات جديدة من الإرهابيين

لا يولد القتلة كما هم. يتم تثقيفهم بشكل خاطئ. يتم تلقينهم ويغمرون بالحقد والنبوءات الكاذبة. تتم استمالتهم من قبل آباءهم وأمهاتهم والمعلمين والسياسيين والزعماء الروحيين والكتب والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام التقليدية كما وسائل الإعلام الاجتماعية.

تتطلب العملية الطويلة لعكس اتجاه المد المتصاعد من الكراهية لتعاون دولي نحو تغيير جذري. لتمويل الهيئات التعليمية المعتدلة ووسائل الإعلام، وإغلاق تلك التي تنشر التطرف. ينبغي مساعدة الزعماء الروحيين المعتدلين لكسب صدى وأهمية اكبر (- ونسخ هذا المثال الصغير بضعة آلاف المرات -) ومحاكمة أولئك الذين يدعون إلى القتل.

قال لي أحد الأصدقاء ذات مرة عندما كنت والدا شابا بأنه علي غسل دماغ أطفالي، وذلك لأنني اذا لم افعل أنا فالناس الآخرين سيقومون بذلك. حسنا، يغسل المتطرفون دماغ عدد كبير جدا من أبناء الإسلام، ويجذبونهم إلى طائفة الموت. يحتاج أولئك الذين يقدرون الحياة إلى الوصول اليهم أولا.

***

ليس من الصعب الحصول على البنادق والمتفجرات، حتى في الدول الغربية ذات الرقابة الجيدة. الأيديولوجية السامة التي تشجع أتباعها على القتل والموت، تبخ سمها من مواقع وسائل الإعلام الاجتماعي مع تعقيد متزايد. ليس هناك نقص في اتباع الكراهية المغمورين بها، يعود بعضهم الى الغرب من ساحات القتال في الشرق الأوسط، على استعداد للعمل بإسم الأيديولوجية الجهادية المنحرفة. وبالتالي، وسط كل الوعود المألوفة من القادة الغربيين الان, للرد بشكل فعال على الإرهاب الإسلامي، الحقيقة الكئيبة هي أنه سيتم ضرب الغرب مرة أخرى وواحدة أخرى مع أعمال شر لا توصف مثل تلك التي ضربت باريس يوم الجمعة، ما لم يتم تبني نهج إستراتيجي أكثر جدية لمواجهة الإرهاب الجهادي المنحرف الآن.

على شارع شارون في باريس، لحظات بعد أن فتح المسلحون النار مساء الجمعة، قال شاهد العيان سيباستيان جاغرا لوكالة اسوشيتد برس، أنه رأى امرأة تنهار على طاولة. “اعتقدت انها ضربت رأسها، ولكن أدركت بعد ذلك أنها تلقت رصاصة في رأسها، ولم تضرب فقط. لقد امتدت على الطاولة مع زجاجة البيرة بجانبها”، قال. “ثم رأيت رجلا يبكي لأن زوجته قد ماتت”.

مشهد لشارع من مما كانت تُعرف بإسم “مدينة الأنوار”. إذا أردنا منع تدهور العالم في حلكة أعمق الإرهاب، الآن سيكون الوقت المناسب لبدء الهجوم الإستراتيجي المضاد.