في واحد من أحلك أيام بنيامين نتنياهو في مسيرته السياسية الطويلة والنشطة، قدم له دونالد ترامب واحدا من أعظم انتصاراته.

صباح يوم الثلاثاء، تخلى رئيس الوزراء عن محاولته التي كان محكوما عليها بالفشل لتأمين الحصانة البرلمانية من محاكمته في ثلاث قضايا فساد مرفوعة ضده، وبعد ذلك بوقت قصير، قدم النائب العام  لوائح الاتهام الرسمية ضده في المحكمة المركزية بالقدس – ليمنح لنتنياهو بذلك تميزا تعيسا بأن يصبح أول رئيس وزراء إسرائيلي يتم توجيه تهم ضده وهو في منصبه.

بعد ساعات من ذلك، كشف صديقه وحليفه، رئيس الولايات المتحدة، عن اقتراح السلام الإسرائيلي-الأمريكي الذي يفي بكل معيار حدده نتنياهو.

يستند الاقتراح على أساس رئيسي وجدير بالإعجاب وهو أن الضرورات الأمنية لإسرائيل لا يمكن تقويضها في الجهود الرامية إلى حل النزاع مع الفلسطينيين.

وكما طالب نتنياهو منذ فترة طويلة، تنص الخطة على استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية الشاملة في كل مكان غرب نهر الأردن – لتمكين إسرائيل من حماية نفسها ضد التهديدات القادمة من الشرق، ومنع أي محاولة لإعادة بناء البنية التحتية الإرهابية في الضفة الغربية والتي كانت مسؤولة عن الانتفاضة الثانية.

وتستبعد الخطة “حق العودة” للاجئين الفلسطينيين إلى ما هي إسرائيل اليوم – وهو مطلب يمثل مجهودا غير مبهم لتدمير إسرائيل كدولة يهودية من خلال حجم هائل من التدفق السكاني.

وتنص الخطة على قيام إسرائيل بضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.

كما تصر على غزة منزوعة من السلاح وعلى نزع سلاح حركة “حماس”.

إن هذه العناصر وغيرها من العناصر التي وصفها ترامب بأنها “رؤيته للسلام والازدهار ومستقبل أكثر إشراقا للإسرائيليين والفلسطينيين” تحظى بدعم بتوافق الآراء في إسرائيل – حيث أنها تُعتبر مكونات أساسية في أي اتفاق.

كما أن الخطة تفي بتعهد نتنياهو في السنوات الأخيرة بعدم اقتلاع أي مستوطن من أجل تسوية الخلافات. لتسهيل هذا الإنجاز، تم تصنيف 15 مستوطنة في قلب ما سيصبح في النهاية ما يماثل أرضا فلسطينية ذات سيادة على أنها “تجمعات سكانية إسرائيلية معزولة”.

ويعكس الاقتراح تعهده بعدم تقسيم القدس، ويتصور العاصمة الفلسطينية في الأحياء العربية وأجزاء من الأحياء التي تقع رسميا داخل الحدود البلدية الموسعة للقدس لما بعد عام 1967، ولكن وجدت نفسها بعد ذلك على الجانب الآخر من الجدار الأمني الذي بنته إسرائيل لوقف هجمات الإنتحاريين.

وتنص الخطة على قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف بموجب شروط لطالما طالب بها نتنياهو، ولكن هناك احتمال ضئيل بأن يتم تلبيتها – الأبرز منها اعتراف فلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية.

وفي غضون ذلك، تسمح الخطة لنتنياهو بالبدء في ضم المستوطنات وغيرها من أراضي الضفة الغربية من جانب واحد، حيث تعد الولايات المتحدة بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية.

’خريطة تصورية لرؤية السلام’ نشرتها إدارة ترامب في 28 يناير، 2020.

إن الاحتفاظ بالمستوطنات المعزولة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية للفلسطينيين، ودعم الضم من جانب واحد، على وجه الخصوص، ليسا بموقفين يحظيان بدعم إسرائيلي بتوافق الآراء، حيث أنهما يثيران مخاوف من أن إسرائيل سوف تعمق من تشابكها في وسط ملايين الفلسطينيين المعادين.

في غياب أي اتفاق تفاوضي، فإن “حل الدولتين الواقعي” الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي يزيد من خطر الانجراف المستمر نحو ما يُسمى بطريق الخطأ “حل الدولة الواحدة” – دولة ثنائية القومية من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو ليس حلا على الإطلاق، لأنه سيحرم إسرائيل من أغلبيتها اليهودية أو نظامها الديمقراطي أو كليهما.

في حين تحدث ترامب عن خطته باعتبارها “فرصة مربحة للجانبين”، إلا أن الجانب الآخر، الجانب الفلسطيني، كان بارزا في غيابه غير المفاجئ عن الحدث في البيت الأبيض يوم الثلاثاء.

ولقد أشار الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء إلى أن “جميع الإدارات السابقة، من الرئيس ليندون جونسون، حاولت وفشلت بمرارة” حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد تعثرت جهودهم إلى حد كبير على صخرة التعنت الفلسطيني.

في ذاكرة حديثة نسبيا، رفض الفلسطينيون عرض إيهود باراك بحصولهم على 90% من الضفة الغربية في عام 2000، ولم يستجب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كذلك لعرض إيهود أولمرت في عام 2008 الذي تضمن منح الفلسطينيين 100% من الضفة الغربية (مع مبادلة أراضي) وتقسيم القدس ودور في الوصاية الدولية على الحوض المقدس (القدس القديمة ومحيطها).

“إن الفلسطينيين ليسوا على وشك التراجع عن رفضهم التام بسبب تحذير ترامب لهم بأن شروطه الأقل جاذبية إلى حد كبير قد تكون “آخر فرصة لهم”.

ولهذا السبب نفسه، فإن رغبة منافس نتنياهو، بيني غانتس، المعلنة بعدم الاستفادة من الخطة من جانب واحد ، ولكن اعتبارها “كأساس للتقدم نحو اتفاق متفق عليه مع الفلسطينيين والدول في المنطقة”، لن تنجح أيضا. الفلسطينيون لا يريدون صفقة بأي شروط يمكن أن تقبلها إسرائيل؛ لهذا السبب هذا الصراع مستعص على الحل.

في حين أن خطة ترامب لن تحقق هدفها المعلن المتمثل في تحقيق السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، إلا أنها تمثل نجاحا مدويا لنتنياهو، على المدى القصير على الأقل. ومن بين الإنجازات الأخرى، من الواضح أنه نجح أيضا في تغيير موقف رئيس قال لصحيفة “يسرائيل هيوم” المؤيدة لنتنياهو، عند توليه لمنصبه، إنه لا يعتبر المستوطنات “مفيدة للسلام”.

إذا كان ذلك سيساعد نتنياهو في الانتصار في انتخابات الثاني من مارس – إلى جانب استرجاعه للسجينة الإسرائيلية-الأمريكية، التي حُكم عليها بالسجن ظلما، من روسيا، وأي انقلابات دبلوماسية أخرى لا تزال تدور في ذهنه – فيما وصفها ترامب بأنها “الانتخابات الأطول على الإطلاق”، فلقد تعلمنا ألا نحاول التنبؤ بذلك.