في تحول في الأحداث لم يكن لأحد أن يتوقعه قبل أسابيع قليلة فقط، التقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي كان قبل فترة قصيرة فقط حليفا لمصر والسعودية في حربهما ضد الإخوان المسلمين والمتطرفين، يوم الأربعاء مع رئيس المكتب السياسي المنتهية ولايته لحركة حماس، خالد مشعل، ومع خليفته إسماعيل هنية. وذلك بعد أن التقى هذا الأسبوع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد الثاني.

اللقاء مع اثنين من قادة حماس (الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين) ومع أردوغان والشيخ تميم، اللذين يعتبران من أبرز الرعاة لحركة “الإخوان المسلمون”، الخصم الأكبر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد تؤدي في وقت لاحق إلى مصالحة تاريخية حتى مع مع حماس، على الرغم  من أن الطريق للوصول إلى ذلك لا تزال طويلة. هل ستكون هذه المصالحة بتطور جيد أو سيء، فهذا يعتمد على الجهة التي توجه إليها هذا السؤال.

ما الذي دفع عباس إذا إلى إذرع الإخوان المسلمين وربما حتى حماس، بعد أن وُصف قبل أيام قلية فقط بـ”الخائن” من قبل أحد المسؤولين في الحركة في غزة؟

الجواب بسيط: محمد دحلان. المسؤول السابق في فتح الذي يتحدى عباس منذ سنوات، نجح هذا الأسبوع في ما لم تنجح حتى حماس فيه: لقد نجح في حشد القاهرة إلى جانبه في حربه ضد عباس وإثبات مدى ضعف وتضعضع مكانة أبو مازن في العالم العربي.

بالإضافة إلى ذلك، نظم دحلان سلسلة من المظاهرات في الضفة الغربية ضد السلطة الفلسطينية وقائدها، بمشاركة المئات من ناشطي فتح. وهكذا أدرك عباس، الذي تلقى ضربات موجعة في الأسابيع الأخيرة (بما في ذلك بسبب مشاركته في جنازة شمعون بيريس لمن نسي الأمر)، المؤامرة التي تُحاك ضده بين القاهرة وأبو ظبي (حيث يقيم دحلان) وحتى السعودية التي قامت بتقليص مساعدتها للسلطة، وقرر تغيير اتجاهه: التوجه إلى رعاة الإخوان المسلمين وربما حتى المصالحة مع “حماس”، وخاصة مع القيادة السياسية للحركة في الخارج.

ولماذا تم التوجه إلى قادة حماس في قطر وليس في غزة؟ من بين أمور أخرى، لأن قادة المنظمة في غزة، كما يبدو، يتعاونون مع دحلان. وهكذا تختلط أوراق التقسيم المعروف للمعسكرات “الكلاسيكية” الذي نشأ في السنوات الأخيرة (سنة معتدلون وإخوان مسلمون وشيعة وسنة جهاديون) أمام أعيننا من جديد. الشرق الأوسط الجديد أصبح منذ مدة مسلسل درامي سياسي مثير ومأساوي من الصعب توقع ما تحمله الحلقة القادمة فيه.

العداء بين دحلان وأبو مازن ظهر على السطح في أواخر 2010، عندما انتشرت تقارير مشكوك في مدى صحتها، تحدثت عن أن دحلان يخطط لإنقلاب ضد عباس. التقارير والتصاريح التي أدلى بها دحلان ضد نجلي أبو مازن، دفعت الرئيس الفلسطيني إلى القيام بخطوة سريعة كانت نهايتها طرد دحلان في أوائل شهر يناير من عام 2011 من الأراضي الفلسطينية.

منذ ذلك الحين يقيم دحلان في الإمارات ويحاول حشد دعم له في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في صفوف سكان مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع. على مدى سنوات باءت محاولاته بالفشل. الأشخاص الذين اعتُبروا من المقربين من دحلان لم ينجحوا في كسب مكانة لهم أو دعم، لكنهم كانوا بمثابة صداع مستمر لعباس وأجهزة الأمن الفلسطينية. زعم المقربون من عباس بأن دحلان يقوم بإستخدام مسلحين في أماكن مثل قلنديا شمال القدس وبلاطة القريب من نابلس، الذين  يحاولون تنفيذ هجمات ضد إسرائيل لزعزعة العلاقات بين رام الله والقدس.

ولكن في الأشهر الأخيرة تغير شيء ما. كان ذلك دمجا بين إضعاف مكانة عباس في الأراضي الفلسطينية، وبشكل لا يقل أهمية عن ذلك، دعم اللجنة الرباعية العربية، التي تضم كلا من مصر والسعودية والإمارات والأردن، للجهود في مساعدة دحلان. القاهرة على وجه الخصوص، مارست ضغوطا على عباس للتصالح مع دحلان وقبوله من جديد في صفوف فتح. ولكن عباس، ومعه قيادة فتح، أصروا على رفض عودة دحلان إلى صفوف الحركة، ووافقوا فقط على “النظر في إعادة المقربين منه إلى فتح”.

الرئيس السيسي لم يستقبل هذا الرد برحابة صدر، وكذلك رفض عباس إجراء قمة مع رئيس الوزراء الإسرائلي بنيامين نتنياهو. وهكذا بدأ المصريون، من دون الإدلاء بأي تصريح للإعلام، بالعمل ضد عباس، بأساليب مصرية كلاسيكية. فلقد سمحوا لدحلان (أبو فادي) إجراء لقاء مع العشرات من مؤيديه في القاهرة. في ما اعتُبر كتحد واضح لأبو مازن.

بعد ذلك، توصلوا إلى تفاهمات مع حماس للسماح بدخول زوجة دحلان، جليلة (أم فادي) إلى غزة. عن طريق معبر رفح بعد أن منعت السلطة دخولها عبر معبر إيريز.  تعمل جليلة منذ سنوات في القطاع بموافقة حماس (التي ترى في ذلك طريقة لإزعاج أبو مازن)، وخاصة في أعمال خيرية. هذا الأسبوع نظمت حفل زواج جماعي للعشرات من مصابي حرب عام 2014، بتمويل كامل من الإمارات. بالإضافة إلى ذلك، وافق المصريون على فتح معبر رفح في كل شهر لمدة 10 أيام، على الأقل بحسب آخر الأخبار من مصر. هذه الأحداث تؤدي بالطبع إلى تعزيز مكانة دحلان في غزة، الذي لا يزال يُعتبر هناك المرشح المرغوب فيه لمنصب الرئيس المقبل.

“أبو فادي” لم يتوقف عند حدود غزة. هذا الأسبوع أقام أحد مناصريه، جهاد طملية، اجتماعا في مخيم الأمعري في قلب رام الله، بعنوان “توحيد صفوف فتح”. نحو 200 من ناشطي فتح دعوا من هناك إلى اعتماد مبادرة المصالحة المصرية السعودية الإماراتية، أو بكلمات أخرى، أعربوا عن تأييدهم لدحلان ومعارضتهم لعباس.

لطملية سجل طويل من المواجهات والإحتكاكات مع أبو مازن، أو بالتحديد مع ابنه طارق. طارق عباس أخذ على عاتقه إدارة نادي كرة القدم الشهير في الأمعري في عام 2014. لكن في إنتخابات أجريت بعد عام لمنصب رئيس النادي، نجح طملية في الإنتصار على “ابن الرئيس” وعُين مكانه. السلطة اعتبرت طملية “عدوا للمؤسسة” بسبب علاقاته الوثيقة مع دحلان.

وهنا يظهر بوضوح الخطأ الذي ارتكبه عباس. بدلا من أن يحاول تقريب خصومه إليه، وإستعادة تأييد أعضاء فتح الذين تقربوا من دحلان، وهم بمعظمهم نشطاء مركزيين في مخيمات اللاجئين، قرر الرئيس الخروج ضدهم بكل ما أوتي من قوي بواسطة رجاله ما أدى إلى غليان أكبر ضد السلطة، بالذات في الأماكن الأكثر إشكالية – المخيمات.

سكان قلنديا وبلاطة وعسكر ومخيم جنين يرون بأنفسهم على مدار عشرات السنين كمجموعة تعاني من التمييز من قبل السلطة الفلسطينية. أدرك دحلان على الفور الفرص الكامنة في هذه الأماكن ونجح بذلك في حشد مؤيدين ووكلاء له هناك في السنوات الخمس الأخيرة، في حين استمر أبو مازن بالعمل بكل قوته ضد هؤلاء الناشطين.

وهذا ما فعله هذا الأسبوع أيضا. عباس الذي لديه شعور بأن العالم كله يقف ضده، سارع إلى معاقبة طملية وطرده من صفوف الحركة. هذا القرار أدى إلى تظاهرة شارك فيها المئات من سكان الأمعري ضد السلطة، وصل إليها عناصر الشرطة الفلسطينية ما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة.

أحد سكان المخيم وصف ما حدث بالقول “شبان فلسطينيون قاموا بإلقاء الحجارة باتجاه رجال الشرطة وكأنهم جنود إسرائيليون”. المواجهات لم تتوقف وأخبارها وصلت إلى مواقع التواصل الإجتماعي وأخرجت مئات الأشخاص إلى أزقة بلاطة ومخيم جنين للاجئين للتظاهر ضد السلطة. هناك استُخدمت ذخيرة حية ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص على الأقل بعيارات نارية. الأحداث هدأت، ولكن بالإمكان التكهن أن هذه لن تكون الكلمة الأخيرة في الحرب بين دحلان وعباس.

قبل النهاية بقليل

هذه الأحداث تؤكد بقوة أن الضفة الغربية تتواجد اليوم في فترة الشفق: مرحلة مؤقتة خطيرة ومزعجة، مكانة السلطة الفلسطينية وقائدها فيها ضعيفة أكثر من أي وقت مضى.

من جهة ما زالت أجهزة الأمن الفلسطينية تعمل وتظهر قدرتها على فرض النظام، ومع ذلك فإن مكانة أبو مازن ضعيفة للغاية والجميع منشغل في مسألة “اليوم التالي”. الكثيرون في فتح يخشون من أن اليوم الذي ستشهد فيه الحركة انقساما بسبب الصراع العنيد بين دحلان وأبو مازن وتنامي قوة حماس ليس بالبعيد.

تجدر الإشارة إلى أنه داخل حركة فتح دحلان ليس الوحيد الذي يعمل على تعزيز مكانته إستعدادا للحرب المستقبلية على الخلافة.

قيادة فتح تستعد جميعها للمؤتمر العام للحركة الذي سيُعقد كما يبدو في أواخر شهر نوفمبر، وقد تقوم بتحديد هوية خليفة أبو مازن. خلال هذا المؤتمر سيتم إنتخاب “اللجنة المركزية” لحركة فتح، التي فقط من صفوفها يمكن اختيار خليفة لأبو مازن لمنصب رئيس الحركة بحسبالنظام الداخلي لحركة فتح. قد يتم اختيار نائب لرئيس الحركة أيضا، الذي سيكون بالطبع خليفته عندما يحين الوقت.

أسماء كثيرة تُطرح في سياق الرئيس ونائبه: مروان البرغوثي الذي يقبع في السجن الإسرائيلي بعد إدانته بخمس جرائم قتل، وصائب عريقات الذي يشغل منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وناصر القدوة – ابن أخت ياسر عرفات الذي ما يميزه هو عدم وجود أعداء كبار له في فتح ويُعتبر مقبولا على الجميع.

وهناك أسم مركزي آخر نجح في السنوات الأخيرة في تعزيز مكانته في فتح، وخاصة على الصعيد الميداني، وهو جبريل رجوب. هذا الأخير انتُخب مؤخرا من جديد لمنصب رئيس الإتحاد الفلسطيني لكرة القدم وبواسطة الرياضة نجح في حشد دعم له في صفوف عدد كبير من الشبان. للرجل علاقات ممتازة مع أجهزة الأمن الفلسطينية وجميع المحافظين تقريبا كانوا جنوده في الماضي.

وإليكم حقيقة أخرى بارزة فيما يتعلق برجوب: يُعتبر أبرز أعداء محمد دحلان. العداء العلني بين الرجلين بدأ في عام 2002، عندما أدار الأخير ظهره له بعد اقتحام مقر الأمن الوقائي في بيتونيا وبعد أن حاول أن يوجه له تهما، تجدر الإشارة إلى أنها غير صحيحة، تحدثت عن تسليم نشطاء حماس كانوا معتقلين عنده للسلطات الإسرائيلية.

كما ذكرنا أعلاه، السياسة الفلسطينية هي مسلسل درامي مثير!