أظهر استطلاع رأي نشرته وزارة الخارجية الإسرائيلية الأحد يهدف إلى إظهار تحسن ملحوظ في المواقف تجاه إسرائيل في عدد من الدول العربية المعادية، أن العام العربي مستعد وبصورة متزايدة لاحتضان إسرائيل. لكن الطريقة التي صيغت فيها الأسئلة، والطريقة التي تم فيها عرض النتائج، كانت مغلوطة بصورة كبيرة، بحسب خبراء، وصفت إحداهم جهود وزارة الخارجية بأنها “دعاية” تهدف إلى الدفع برواية الحكومة حول زيادة شعبية إسرائيل.

بحسب بيان صحفي أصدرته وزارة الخارجية حول استطلاع الرأي، أعربت نسبة مذهلة تبلغ 48% ممن شملهم استطلاع الرأي في العراق، و42% في الإمارات و30% في السعودية وإيران عن الرغبة بقيام حكوماتهم بتشكيل نوع من “العلاقات” مع الدولة اليهودية.

وأشاد قادة إسرائيليون على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بهذه الأرقام معتبرين إياها دليلا على شعبية إسرائيل في العالم وبشرة خير بشأن تطبيع العلاقات مع أعداء الدولة اليهودية في العالم العربي.

إستطلاع الرأي الجامع، أجري من قبل شركة RIWI الكندية بتكليف من وزارة الخارجية في شهر أكتوبر، وسئل فيه متصفحون عشوائيون على الإنترنت من 54 بلدا عما اذا كانوا يرغبون بالمشاركة في استطلاع على الإنترنت، وتم اعتماد الأجوبة التي قدمها 1,000 شخص في كل بلد لتحليل تم عرضه يوم الأحد في الجلسة الأسبوعية لمجلس الوزراء. وقال مسؤولون إن المشاركين في استطلاع الرأي لم يكونوا على علم بأنه تم بتكليف من الحكومة الإسرائيلية.

خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة في القدس قال نتنياهو، بعد أن عرض مسؤولون من وزارة الخارجية نتائج استطلاع الرأي على الوزراء، إن “النتيجة الرئيسية هي أنه في 47 من أصل 54 بلدا، غالبية  الأشخاص هناك يعتقدون أن حكومتهم ستستفيد من العلاقات مع إسرائيل. هذا تغيير هائل”.

رجل إيراني يركب دراجة هوائية ويمر فوق رسم لعلم إسرائيلي على الشارع خلال مسيرة لإحياء ’يوم القدس’ في طهران، 23 يونيو، 2017. (AFP Photo/Stringer)

وأضاف نتنياهو: “الأمر الآخر المثير للاهتمام أيضا هو أنه [من بين] نصف الجمهور في بلدان الشرق الأوسط التي تم دراستها، هناك تقدير لأصول وقوة إسرائيل وهم يعتقدون أن بإمكان بلدهم الاستفادة من الروابط مع إسرائيل”.

بشكل عام، وفقا للاستطلاع، نحو 47% ممن شملهم استطلاع الرأي من البلدان العربية وإيران قالوا إنهم يعتقدون أن بلادهم ستستفيد من “نوع ما من العلاقات” مع إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك، يعتبر 51% من المشاركين في استطلاع الرأي إسرائيل “قوة” و”مكسبا”.

في إفريقيا، وصلت النسبة إلى 91%، وفي أمريكا الشمالية إلى 82%.

وقال نتنياهو، الذي يشغل أيضا منصب وزير الخارجية: “عندما أقول وأكرر أن إسرائيل هي قوة عالمية صاعدة، فأنا أعرف ما الذي أقوله”، وأضاف أن “إسرائيل هي بلد مرغوب ومتطور وقوي، وحتى أن مواطني دول لا تربطنا بها علاقات رسمية يفهمون الفائدة من العلاقات مع إسرائيل. نحن ننتقل من قوة إلى قوة ونقوم حتى بتطوير روابط أكثر”.

وعلى وجه التحديد، وفقا لاستطلاع الرأي، فإن نصف المشاركين فيه من السودان قالوا إنهم معنيون بأن تقوم بلدهم بتشكيل علاقات علنية أو سرية مع القدس. في العراق، بلغت النسبة 48%، في المغرب 43%، وفي الإمارات 42%.

30% ممن شملهم استطلاع الرأي في السعودية وإيران أيدوا قيام بلدانهم بتشكيل نوع من العلاقات مع الدولة اليهودية. أقل من ثلث اللبنانيين (32%) أعربوا عن رغبتهم بأي نوع من العلاقات مع إسرائيل، في حين بلغت النسبة في الجزائر 20%.

’إنها دعاية’

بحسب معطيات تم إرسالها للصحافيين مساء الأحد، فلقد تم إجراء البحث مع عينة تمثيلية وبلغت نسبة هامش الخطأ فيه 3.3%.

ولكن الإعتماد على إستطلاع رأي على الإنترنت لمعرفة الرأي العام في العالم العربي هو مسألة اشكالية، حيث أن في عدد كبير من الدول العربية، من يقوم باستخدام الإنترنت عادة يكونون بمعظمهم شبان من سكان المدن أصحاب مستوى تعليم أعلى من المتوسط، كما تقول تمار هرمان، المديرة الأكاديمية ل”مركز غوتمان لبحوث الرأي العام والسياسات” التابع لمعهد إسرائيل للديمقراطية.

بروفيسور تمار هرمان (IDI)

في حين أن استطلاعات الرأي على الإنترنت قد توفر عينة تمثيلية كافية تسمح بالخروج باستنتاجات في العالم الغربي، فإن الوضع مختلف في الشرق الأوسط، كما تؤكد هرمان.

لكن الأكثر اشكالا من ذلك هو حقيقة أن وزارة الخارجية وجهت سؤالا عن علاقات محتملة مع إسرائيل “بطريقة منحازة”.

وكان السؤال الذي تم توجيهه للمشاركين في استطلاع الرأي في العالم العربي: “ما هو نوع العلاقات التي ترغب في أن تكون [لبلدك] مع إسرائيل؟”

بعد ذلك طلب استطلاع الرأي من المشاركين الاختيار بين 5 إجابات ممكنة: أربعة منها تقترح نوعا ما من العلاقات، وواحدة فقط ترفض الفكرة تماما.

لقطة شاشة من عرض الشرائح الذي أرسل من قبل وزارة الخارجية فيما حول استطلاع رأي للمواقف العربية تجاه إسرائيل.

وقالت هرمان: “عندما تسأل سؤالا كهذا، بطيعة الحال سيكون احتمال أن يعطي الأشخاص الإجابة رقم خمسة هو الأقل”. وفسرت بالقول إن استطلاع رأي تمت صياغته بشكل جيد يجب أن يشمل عددا متساويا من الإجابات الإيجابية والسلبية المحتملة. بدلا من ذلك، كان بإمكان استطلاع الرأي أن يطلب من المشاركين ترتيب مدى شمولية العلاقات التي يرغبون في أن تقوم بلادهم بتشكيلها مع إسرائيل على سلم من 1 إلى 10.

“لكن إعطاءهم أربع إجابات إيجابية وإجابة واحد سلبية هو انحياز”.

في عرض شرائح أرسلته وزارة الخارجية للصحافيين تم فقط عرض النسبة المئوية للأشخاص الذين اختاروا واحدة من الإجابات الأربعة الأولى، ولم يكن هناك تحديد لعدد الذين اعربوا عن تأييدهم لعلاقات دبلوماسية عامة أو أمنية مع إسرائيل، أو عدد الذين أعربوا عن تأييدهم لعلاقات تجارية سرية فقط، وما إلى ذلك.

بكلمات أخرى، عندما تشير الوزارة في عرض الشرائح الذي أرسلته إلى أن 30% من السعوديين يؤيدون قيام نظامهم بتشكيل نوع من العلاقات مع إسرائيل، فمن الممكن أن يكون أن معظم ال30% يفضلون بقاء العلاقات سرية – ومحدودة للغاية.

وقالت هرمان: “عدم عرض جميع البيانات هو أمر غير مهني بالمرة. في بيانك الصحفي، بإمكانك تسليط الضوء على أي جانب تريد من استطلاع الرأي. ولكن… يجب أن يشمل جميع نتائجك”.

وأضافت هرمان، وهي أستاذة للعلوم السياسية في “الجامعة المفتوحة في إسرائيل”، أنها لم تتفاجأ من طريقة عرض وزارة الخارجية لاستطلاع الرأي، مفترضة ان الحكومة حريصة على دحض التكهنات بعزلة إسرائيل دوليا وبحدوث “تسونامي دبلوماسي”.

وقالت: “إنها دعاية”.

ميتشل باراك، رئيس شركة “كيفون” لاستطلاعات الرأي ومقرها في القدس، أظهر تسامحا أكبر تجاه عرض نتائج الاستطلاع.

وقال: “إنها سياسة جيدة أن تستخدم وزارة الخارجية الإسرائيلية بحوثا عالمية في جهود الدبلوماسية العامة التي تبذلها. لكن يبدو أن النشر الذي قام به رئيس الوزراء للنتائج الجزئية كان موجها أكثر ل’الهسباراه’ الإسرائيلية الداخلية”، مستخدما المصطلح العبري للدعاية المؤيدة لإسرائيل.

وزارة الخارجية من جهتها رفضت الانتقادات التي وُجهت إليها.

وقال نوعام كاتس، مدير الدبلوماسية العامة في الوزارة، لتايمز أوف إسرائيل إن “الهدف الرئيسي من استطلاع الرأي هو السماح لنا برؤية الصورة الكبيرة. أو صورة أكبر – أنه عندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي، فليس كل شيء يتعلق بالصراع”.

المتحدث باسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون (Twitter)

وأضاف: “لدى الناس القدرة على الرؤية ما وراء الصراع، رؤية إسرائيل كمكسب يمكن أن يكون ذات أهمية بالنسبة لهم. هذا الأمر مشجع من نواح عدة”.

المتحدث بإسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون قال إن نتائج استطلاع الرأي تشير إلى “تغير عميق” ينبع كما قال من حقيقة أن الكثير من العرب لم يعودوا يخشون إسرائيل. مشيرا إلى الأعداد الكبيرة من المستخدمين في العالم العربي الذين يتابعون إسرائيل على “فيسبوك”، قال نحشون إن هناك حرية في التواصل مع الدولة اليهودية أكثر من أي وقت مضىى. في الوقت نفسه، يرى الكثيرون في العالم العربي بصورة متزايدة أن السعي الإيراني للهيمنة يمثل تهديدا رئيسيا بالنسبة لهم، إلى جانب الإرهاب الإسلامي، كما قال.

وقال إن “الأرقام جيدة بكل تأكيد وهي مؤشر مشجع وإيجابي”.

في الشهر الماضي، قال نتنياهو إن الرأي العام في العالم العربي هو العقبة الرئيسية أمام تطبيع العلاقات مع الأنظمة العربية.

وقال في جلسة خاصة أجريت في الكنيست للاحتفال بالذكرى السنوية للعلاقات مع مصر إن “العقبة الأكبر امام توسيع السلام اليوم ليست موجودة عند قادة البلدان من حولنا. العقبة هي الرأي العام في الشارع العربي، لقد كانت هناك عملية غسل دماع للرأي العام على مدار سنوات من خلال عرض مشوه ومضلل لدولة إسرائيل”.

وتابع القول: “بعد عقود كثيرة – الأمر شبيه بطبقات جيولوجية – من الصعب جدا الكشف عن إسرائيل وعرضها على حقيقتها، بوجهها الجميل والحقيقي؛ في المساعدات التي نقدمها، سواء في المنطقة وفي إفريقيا، وفي آسيا أيضا؛ في بعثات الإغاثة، سواء في التكنولوجيا وفي المساعدة للجرحى من سوريا – الآلاف. من الصعب جدا اختراق الطبقات الجيولوجية إلى الطبقة السفلية للحقيقة، ولذلك لا يزال السلام باردا”.