جاء في تقرير جديد لمجموعة من القادة العسكريين والدفاعيين من 9 دول تم إصداره يوم الجمعة أن جيوش العالم ستكون أقل فعالية إذا أُجبرت على العمل تحت نفس القيود التي عمل بها الجيش الإسرائيلي خلال الحملة العسكرية الأخيرة في غزة.

بعد أشهر طويلة من التحقيق في الصراع الذي استمر لمدة 50 يوما، وجدت المجموعة العسكرية رفيعة المستوى (HLMG)- التي تضم جنرالات متقاعدين ومسؤولي دفاع من ألمانيا وكولومبيا والهند وإسبانيا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا – أن إسرائيل لم تقم بالإمتثال لقوانين الصراع المسلح فحسب، بل أنها تجاوزت متطلباتها،على الرغم من تقارير إدانة من قبل الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية إتهمت الجيش الإسرائيلي بجرائم حرب محتملة.

وكانت المجموعة قد دافعت عن أنشطة إسرائيل في قطاع غزة في وقت سابق من هذا العام، وقدمت نتائجها الأولية للجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ولكن تقرير المجموعة المكون من 80 صفحة ذهب إلى ما هو أبعد من تقييمها الأول.

وقال الكولونيل ريتشار كمب، أحد واضعي الوثيقة والقائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان، لتايمز أوف إسرائيل الخميس، “نتائجنا التي توصلنا إليها على طرف النقيض من تقرير الأمم المتحدة”، منتقدا عدم وجود خبرة عسكرية في لجنة الأمم المتحدة التي حققت في الصراع. “تقرير الأمم المتحدة أُنجز بسرعة كبيرة جدا وعلى يد الأشخاص الخطأ”.

المجموعة العسكرية رفيعة المستوى، التي تضم الرئيس السابق للجنة الناتو العسكرية ورئيس هيئة أركان الجيش الإيطالي السابق وسفير متجول أمريكي سابق لجرائم الحرب والمدير العام السابق لوكالة الإستخبارات العسكرية الهندية، وتم تشكيلها على يد مبادرة أصدقاء إسرائيل، وهي مجموعة بريطانية تم تأسيسها عام 2010 لمحاربة “الحملة الغير مسبوقة لنزع الشرعية عن إسرائيل”.

تقارير الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أُجريت على يد خبراء في حقوق الإنسان، وليس أفراد عسكريين على دراية أكبر بقوانين الصراع المسلح. من دون هذه الخبرة، بحسب كمب، توصلت اللجان التي حققت في حملة “الجرف الصامد 2014” إلى إستنتاجات متحيزة وغير دقيقة.

قوانين الصراع المسلح

موضوع مركزي في كل هذه التقارير هو موضوع الضحايا من المدنيين. إحدى المشاكل، بحسب التقرير، هي إن الأمم المتحدة قبلت بأرقام حماس بشأن القتلى من المقاتلين مقابل الضحايا من المدنيين، ما يضع النسبة عند حوالي 70% من غير المقاتلين من أصل 2,000 قتيل، مقارنة بنسبة 50% التي تدعيها إسرائيل.

المجموعة العسكرية رفيعة المستوى وجدت أن أرقام حماس تعج بالتناقضات، مثل “إدراج أسماء مكررة، وأعمار غير صحيحة، ووفيات مرتبطة بالقتال تسببت بها حماس أو المنظمات التابعة لها، كما حصل في حالة الإخفاق في إطلاق الصواريخ والوفيات التي لا علاقة لها بالعمليات العدائية ولكن تم تصنيفها على هذا النحو”.

ولكن ما هو إشكالي أكثر هو أن تقارير الامم المتحدة والمنظمات الغير حكومية أُجريت من وجهة نظر حقوق إنسان وتم التعامل مع مفهوم القتلى من المدنيين بصورة خاطئة أصلا، حتى عندما وقعت هذه الحوادث تحت ظروف قانونية ومقبولة، بحسب كمب.

وأضاف كمب أن “قانون حقوق الإنسان لم يكن مجموعة القوانين الصحيحة للحكم على ذلك، قوانين الصراع المسلح هي [مجموعة القوانين الصحيحة]”.

كان على اللجان التي حققت في الصراع النظر فيما إذا كان تم عمليا إتخاذ كل الإجراءات لتجنب سقوط قتلى من بين غير المدنيين، وليس عدم وقوع ضحايا، كما يحدث حتما في أوقات الحرب. معيار صفر قتلى من بين المدنيين هو أمر مستحيل، بحسب أقوال كمب.

غير أن المجموعة التي تضم 11 مسؤولا عسكريا وحكوميا سابقا وجدت أن إسرائيل إعتمدت مستوى ضبط نفس أعلى بكثير من جيوش أخرى، مشيرة إلى تقنية “القرع على السطح” التي أصبحت مشهورة والتي يتم فيها إسقاط ذخائر غير متفجرة لتنبيه السكان بأن مبناهم على وشك التعرض للقصف، والمحادثات الهاتفية والمنشورات التي حذرت غير المقاتلين من ترك موقع سيكون مسرحا لهجوم وشيك وأمثلة متعددة لمهام تم إلغاؤها بسبب إحتمال سقوط ضحايا من بين غير المقاتلين.

وقال كمب، “هذه عتبة ليست بأمر يمكن لبلدان أخرى التعامل معها”، وأضاف، “لا يمكننا الإتصال بكل شخص في العراق قبل هجوم”.

هذا المعيار، الذي بدأ تطبيقه في جيوش أخرى غير الجيش الإسرائيلي، هو عائق أمام النفعية العسكرية، كما يقول كمب مضيفا، “لا يمكنك تحقيق هذا الهدف وأن تكون فعالا أيضا. هذا هو سبب عدم فعاليتنا”، في إشارة منه إلى حملة التحالف الدولي الحالية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق.

ليس فقط أن التدقيق الدولي المؤقت على كل القتلى المدنيين يعيق بطيعته قدرة الجيش الإسرائيلي وجيوش أخرى في شن حرب فعالة، بل أنه وللمفارقة سيعرض حياة مدنيين أكثر للخطر، حيث أن كل قتيل من المدنيين من الممكن إستخدامه بشكل منحرف من قبل حماس ومجموعات أخرى كسلاح في “جبهة” الرأي العام، كما يرى كمب.

توقع جرائم حرب وإستنتاج عدم إرتكاب أي منها

والتقت المجموعة مع ممثلين من المنظومة الدفاعية والسياسية الإسرائيلية، بدءا من رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وصولا إلى جنود قاتلوا في غزة، خلال جمعها لمواد من أجل تقريرها.

وكان كمب، الذي قاد في السابق فريق الإرهاب الدولي التابع للجنة الإستخبارات المشتركة البريطانية، قد دافع عن أنشطة الجيش الإسرائيل في غزة من قبل، عندما شهد أمام لجنة غولدستون حول عملية “الرصاص المصبوب” الإسرائيلية في 2008-2009. لكن بقية المجموعة كانت لديها إتصالات وجيزة أو عرضية مع الجيش الإسرائيلي، والكثير من أعضائها دخلوا إليها وهم يتوقعون إيجاد دلالات على جرائم إسرائيلية، بحسب كمب.

ولكن المجموعة العسكرية رفيعة المستوى لم تجد أي شيء، محملة مسؤولية وقوع معظم الضحايا من المدنيين – 50% من أولئك الذين قُتلوا في الصراع، بحسب بعض التقديرات – على حماس، التي يزعم أعضاء المجموعة بأنها وضعت سياسة متعمدة للتسبب بوقوع أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين الفلسطينيين من أجل أثارة الرأي العام ضد إسرائيل. التقرير لم يشد فقط بالتدابير الإسرائيلية لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين، ولكنه أشاد أيضا بالهيكل الإستراتيجي والتنظيمي الشامل، الذي تطلب إشراك مستمر لممثلين عن النيابة العسكرية لضمان إحترام قوانين الحرب وقواعد الإشتباك.

بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن إسرائيل حاولت عدة مرات تجنب وإنهاء الصراع من خلال وسائل دبلوماسة، لتقابل برفض من حماس في كل مرة.

جميع أعضاء المجموعة متقاعدون ولا يمثلون بلدانهم، وكمب شرح أن إحتمال الرد العنيف والتهديد على سمعتهم المهنية حافظا على إستقلالية وموضوعية المجموعة.

على الرغم من وجود نقاشات سليمة أثناء التحقيق،كما يقول كمب، كانت الجموعة موحدة في النتائج التي توصلت إليها. “لم يكن ذلك تفكيرا جماعيا. إذا كان هناك شخص مع رأي مختلف، لكنا سمعنا عن ذلك”.

العلاقات العامة لحركة حماس: رقابة وتلاعب

التقرير ينتقد إستخدام الحركة الفلسطينية للدروع البشرية ويؤكد الكثير من الإتهامات التي تم توجيهها ضد حماس، وهي إستخدامها للمستشفيات ومدارس الأمم المتحدة وسيارات الإسعاف و”مواقع حساسة” أخرى بهدف إجبار إسرائيل على المساومة على مواقفها وإثارة تنديدات دولية ضد الدولة اليهودية.

بالإضافة إلى الجوانب العسكرية للعملية العسكرية في صيف 2014، ركزت المجموعة العسكرية رفيعة المستوى بصورة كبيرة على تلاعب حماس بالإعلام، مشيرة إلى الرقابة و”التلفيق الإستباقي” كوسيلتين في ترسانة العلاقات العامة للحركة.

في بعض الأحيان منعت حماس بالقوة الإعلام من إلتقاط ونشر صور لمقاتلين جرحى، وسمحت فقط لصور جرحى من المدنيين، بحسب ما توصل إليه التقرير. حماس أيضا قامت ب”تجهيز” المواقع بعد غارات إسرائيلية، وبإزالة الأسلحة والمقاتلين، قبل السماح للصحافيين بدخول المنطقة لتجعل ذلك يبدو كما لو أن المصابين في الهجمات هم من المدنيين فقط.

المجموعة العسكرية رفيعة المستوى لم تلقي باللوم على حركة حماس فقط في إدامة أعمال البلطجة والمغالطة هذه، ولكن إيضا حملت وسائل الإعلام العالمية المسؤولية لعدم كونها صريحة أكثر في تغطيتها للمشهد المشوه والخاضع للرقابة بشكل واضح في غزة. ووجدت المجموعة أنه على الرغم من أن بعض وكالات الأنباء إعترفت في وقت لاحق بالتلاعبات التي حدثت، فقد جاء ذلك بعد فوات الأوان ووقوع الضرر.

يمكن قول الشيء نفسه، إلى حد ما، عن تقرير المجموعة العسكرية رفيعة المستوى. مع تقارير للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وكسر الصمت الإسرائيلية وهيومن رايتس ووتش، فإن تقرير المجموعة العسكرية رفيعة المستوى قد يكون جاء هو أيضا بعد فوات الأوان.

بالإضافة إلى الإصدار العام للوثيقة، تخطط المجموعة أيضا لمناقشة نتائج تحقيقها مع الكونغرس الأمريكي، وسيتحدث أعضاء المجموعة أيضا في بلدانهم. على الرغم من عدم وجود خطط رسمية يتم العمل عليها، تأمل المجموعة أيضا في عرض نتائجها على الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية وهيئات دولية، بحسب ما قاله كمب.

في حين أنه كان من المهم أن تدافع مجموعة من المسؤولين العكسريين والدبلوماسيين السابقين عن ما اعتبرته المجموعة أنشطة إسرائيل القانونية والمشروعة في غزة إنطلاقا من إلتزام أخلاقي، نظر الرجال ال11 إلى ذلك أيضا بشعور من الحفاظ على الذات، في الوقت الذي يغير فيه العالم توقعاته من كيفية محاربة مجموعات إرهابية ولاعبين غير دوليين.

تقرير صراع غزة 2014 هو البداية فقط في دراسة أوسع نطاقا للحرب الحديثة، كما يقول كمب. “سيكون هناك مشسروع أوسع حول ما الذين بالإمكان عمله ضد هذا النوع من التمرد”.