في يوم الجمعة الماضي، نشرت صحيفة “يسرائيل هايوم” العبرية، أكثر صحيفة مقروءة في إسرائيل، على صفحتها الأولى مقالا حول خطة وزير إسرائيلي تقديم مشروع قانون يتطلب موافقة ثلثي الكنيست، والتي من شبه المستحيل الحصول عليها، من أجل تقسيم مدينة القدس ضمن أي اطار لأي اتفاق مع الفلسطينيين. وكان العنوان بالأحرف الكبيرة والبارزة إلى جانب صورة وزير التعليم نفتالي بينيت، رئيس حزب (البيت اليهودي) القومي المتدين، والمسؤول عن هذه المبادرة.

هل يبدو ذلك أمر عادي؟ … لأي صحيفة أخرى، تغطية لمشروع قانون كهذا قد يكون فعلا غي استثنائي. ولكن اعتبر بعض الخبراء أن كون هذا العنوان في صحيفة “يسرائيل هايوم” فإنه يشير إلى ثورة في الساحة الصحفية الإسرائسلية، مع تداعيات ممكنة قد تؤثر كثيرا على الرأي العام.

“يسرائيل هايوم”، الصحيفة المجانية التابعة للملياردير الأمريكي شلدون ادلسون، موالية منذ سنوات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ودعمها الشديد لنتنياهو تمثل بالتقليل من حجم أخطائه، تضخيم انجازاته، ومهاجمة منتقديه. إضافة إلى ذلك، إنها عادة تتجنب تغطية منافسيه المحليين بشكل كبير. كل هذا منح الصحيفة كنية “بيبيتون” – دمج بين كنية نتنياهو، بيبي، والكلمة العبرية لصحيفة، عيتون. وفي اسرائيل المهوسة بالأخبار، قد يكون تأثير الصحيفة لعب دورا كبيرا في انتصارات نتنياهو في الإنتخابات، وما جعل ولاياته أطول ولاية في رئاسة الوزراء منذ دافيد بن غوريون.

ولكن لاحظ خبراء الإعلام مؤخرا تراجع بدعم الصحيفة لنتنياهو وعائلته. وعنوان يوم الجمعة الماضي الذي يشيد بمشروع القانون الذي قدمه أحد منافسي نتنياهو الكبار على أصوات اليمين، اعتبر من قبل البعض كأكبر دليل على هذا التغيير.

تقرير في الفحة الاولى لصحيفة يسرائيل هايوم بتاريخ 16 يونيو، حول مبادرة تشريعية لوزير التعليم نفتالي بينيت (screen capture)

تقرير في الفحة الاولى لصحيفة يسرائيل هايوم بتاريخ 16 يونيو، حول مبادرة تشريعية لوزير التعليم نفتالي بينيت (screen capture)

“منذ سنوات، كانت الصحيفة تخدم حصريا نتنياهو وزوجته، سارة، وبعدها ابنه يائير. وكانت تدعم سياسيين من حلفائه، وبدأت بمهاجمتهم عند تغيير ولائهم. كان يتم دفن أي مقال ينتقده قليلا داخل الصحيفة”، قال اورن برسيكو، صحفي وناقد إعلام في مجموعة “العين السابعة”، التي تراقب الإعلام.

“يسرائيل هايوم لم تكن صحيفة سياسية مثل ماكور ريشون [اليمينية] أو هآرتس [اليسارية]. إنها صحيفة تخدم مصالح عائلة واحدة”، تابع برسيكو. “هذا تغير يوم الجمعة، عندما جعلت اقتراح بينيت عنوان الصحيفة واضافت صورته. لا أذكر رؤية أي شيء مماثل في العقد منذ انشاء الصحيفة”.

ودليل آخر على الخلاف المحتمل بين الصحيفة ورئيس الوزراء، هو تراجع تغطية الصحيفة لنتنياهو وزوجته في الأشهر الأخيرة، ما أشار اليه العديد من الخبراء. وأصبحت صور سارة نتنياهو، التي كانت شائعة في الصحيفة، نادرة أكثر.

وقد يكون أحد أسباب الخلاف بين نتنياهو وادلسون، قطب الكازينوهات من لاس فيغاس. كان الرجلان اصدقاء منذ سنوات، ولكن أشار المحللون الإسرائيليون الى بداية المشاكل في خريف 2016، عندما لم يحضر ادلسون، عن دون عادة، خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة في نيويورك.

’تهب رياح مختلفة في الوقت الحالي على يسرائيل هايوم. الصورة الجديدة التي تريد الصحيفة تقديمها هي صورة صحيفة مع موقف سياسي’

وبعد بضعة أشهر، ظهرت تقارير حول لقاء سري عقده نتنياهو مع نوني موزيس، صاحب صحيفة “يديعوت احرونوت”، أكبر صحيفة في اسرائيل، والمعروفة بتغطيتها السلبية لرئيس الوزراء. وتعد من أكبر منافسي صحيفة “يسرائيل هايوم”. ووفقا لمقاطع من محادثتهما، التي تسريبها للقناة القانية، درس رئيس الوزراء امكانية صفقة مع موزيس بحسبها تخفف يديعوت احرونوت انتقاداتها لنتنياهو مقابل تقديم رئيس الوزراء تشريع وإجراءات أخرى تحدد من نشر “يسرائيل هايوم”.

وقال نتنياهو أنه يريد استشارة ادلسون، وفقا لسجل المحادثة الذي تم تسريبه، حيث استخدم رئيس الوزراء كنية تبدو مهينة لداعمه. “اريد التحدث مع الجينجي”، قال نتنياهو، مستخدما مصطلح يستخدم في اسرائيل لوصف أشخاص مع شعر أحمر.

وفي شهر مايو، شهد الملياردير في قضية أمام وحدة “لاهاف 443” في الشرطة للجرائم الخطيرة في اللد. (وأدلى ادلسون بشهادته كشاهد، وليس مشتبها بأي مخالفة).

رجل يوزع صحيفة يسرائيل هايوم المجانية في القدس (Miriam Alster/FLASH90)

رجل يوزع صحيفة يسرائيل هايوم المجانية في القدس (Miriam Alster/FLASH90)

وفي أواخر شهر ابريل، تم استبدال محرر الصحيفة الرئيسي، عاموس ريغيف، لمحرر الصحيفة الخارجي، بوعاز بيسموت، الذي ورد أنه مقرب من ادلسون. وتحت ادارة بسموت، تعززت التغيرات في الصحيفة، ما نتج في عنوان يوم الجمعة حول مشروع بينيت.

وتحدث المحلل الإعلامي دافيد فيرتهايمر عن “تقليص كبير” بتغطية عائلة نتنياهو منذ دخول المحرر الجديد. “إنه توجه بدأ قبل عدة أشهر ولكن تسارع منذ تولي بوعاز بسموت منصبه”، كتب في قسم “برانجا” في موقع “والا” الإخباري، الذي يركز على الإعلام العبري.

وأشار فيرتهايمر الى بحث أظهر أنه تحت ادارة بسموت، ظهر اسم رئيس الوزراء 190 مرة بين 30 ابريل-19 يونيو، مقارنة بـ -542 مرة خلال الفترة ذاتها العام الماضي. إضافة الى ذلك، انخفض ظهور اسم سارة نتنياهو بنسبة 90%، بحسب البحث.

ووجد بحث آخر، أجراه المحلل الإعلامي افيف هورفيتس، النتائج ذاتها.

وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت خلال حدث في القدس القديمة، 28 مايو 2017 (Yonatan Sindel/Flash90)

وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت خلال حدث في القدس القديمة، 28 مايو 2017 (Yonatan Sindel/Flash90)

وقال المحلل الإعلامي ناتي تاكر هذا الأسبوع أن “يسرائيل هايوم”، التي توزع حوالي 450,000 نسخة في عطلة نهاية الأسبوع، تحاول التخلص من سمعتها كصحيفة خاضعة لعائلة نتنياهو.

“تهب رياح مختلفة في الوقت الحالي على يسرائيل هايوم. الصورة الجديدة التي تريد الصحيفة تقديمها هي صورة صحيفة مع موقف سياسي”، كتب في صحيفة “ذا ماركر” للأعمال. من الآن فصاعدا، تريد الصحيفة أن تعتبر وسط-يمين، وتمثل آراء سياسية تتراوح من بينيت في اقصى اليمين وحتى يئير لبيد، الذي يمكن اعتبار حزبه يش عتيد وسطي، أو يمين الوسط، وفقا لتاكر.

وقد التقى كل من بينيت ولبيد مع ادلسون. ويبدو أن بينيت، رئيس حزب (البيت اليهودي) الداعم للإستيطان، مقرب فكريا من ادلسون، المعروف بآرائه المتشددة بالنسبة للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وبينيت هو أيضا منافس نتنياهو الرئيسي على اصوات اليمين الداعم للإستيطان.

هل هذا يعني أن اكثر صحيفة مقروءة في اسرائيل لم تعد تدعم نتنياهو؟ كلا. هناك من يدعي حتى أن التغطية الإيجابية لمبادرة بينيت تخدم رئيس الوزراء، لأن ذلك يمكنه الإدعاء بأن الصحيفة لا تدعمه وحده. “يعتقد البعض أنها خطة مركبة جدا تهدف لحماية بيبي”، قال برسيكو، من العين السابعة.

مهما كانت صحة هذه النظريات المعقدة، الـ”بيبيتون” لم تتخلى عن رئيس الوزراء.

“إنه ليس تغيير تام، مجرد تحول الى موقف حيادي أكثر”، أكد برسيكو. مضيفا: “بغض النظر على التوجه الحالي، لا زالت الصحيفة تتبنى مواقف تتوافق عامة مع مواقف رئيس الوزراء (…) لم تتحول الى صحيفة معادية لبيبي خلال ليلة، لا قدر الله”.