من المتوقع أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة ما إذا كان سيرفض اعادة التصديق على الإتفاق النووي الإيراني، وهو إجراء الذي لن يحل الإتفاق فورا، ولكنه سيضعه في وضع أكثر خطورة.

إن موقف الحكومة الأمريكية المعادي للاتفاق – وهو الموقف الذي أيدته حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل صريح – قد حيّر العديد من قادة العالم والمحللين الآخرين الذين يبدو أنهم غير قادرين على فهم السبب في أن أمريكا ستنسحب من اتفاق الذي يبدو أنه فعّال من جميع النواحي.

ووصف عوزي عراد، الذي عمل مستشارا للأمن القومي لدى نتنياهو في الفترة 2009-2011، المعركة الحالية حول خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو الاسم الرسمي للاتفاق، بأنها ليست فقط بين إيدولوجيتين معارضتين شرعيتين بشأن كيفية التعامل مع إيران، ولكن أيضا بين جماعتين اللتان ترفضان التراجع عن مواقفهما، بغض النظر عن صحتهما، بسبب العناد أو الضرورة السياسية.

أرييل ليفيت، نائب مستشار الأمن القومي السابق، يتحدث في مؤتمر عدم الانتشار النووي في باريس في 10 أكتوبر 2017. (Screen capture)

أرييل ليفيت، نائب مستشار الأمن القومي السابق، يتحدث في مؤتمر عدم الانتشار النووي في باريس في 10 أكتوبر 2017. (Screen capture)

ووفقا لأرييل ليفيت، نائب مستشار الأمن القومي السابق، في حالة عدم إعادة ترامب التصديق على الصفقة فمن المرجح أن تظل على حالها، على الرغم من أنها تندرج الى الهاوية نحو التفكيك.

وقال ليفيت، وهو زميل رفيع المستوى غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن “الولايات المتحدة لن تسقط [الاتفاق النووي الإيراني] – على الأقل ليس الآن”.

واتفق عراد مع ليفيت على أن الصفقة ستبقى على الأرجح، وإن كان ذلك في شكل أقل أمنا. وقال إن الناس بحاجة إلى “توقع الغير متوقع” بشأن ايران.

يقول عراد، وهو الآن محاضر في المركز المتعدد التخصصات في هرتسليا: “كما يقولون، لا تنتهي القضية حتى تغني السيدة السمينة”.

وأدلى المسؤولان الإسرائيليان السابقان بتعليقاتهما على هامش المؤتمر السنوي العاشر في لوكسمبرغ لمنع الكارثة النووية الذي عقد في باريس هذا الأسبوع، حيث كانت مسألة صفقة إيران والتهديد الأمريكي بالإنسحاب منها مواضيع كبيرة الإهتمام.

تكاليف وكتابات غارقة

بوجه عام، أنصار خطة العمل الشاملة غير قادرين على استيعاب ما يمكن أن يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية السنية لدعم الغاء الإتفاقية. وصفوها بأنها، إن لم تكن أفضل اتفاق، فإنها أفضل ما يمكن، وهي ما ستمنع إيران من تطوير الأسلحة النووية لفترة طويلة من الزمن.

وعجب عراد بأنه في حين أن هناك نقاشا وخلافا دوليا حول موضوعات مثيرة للجدل لا حصر لها، فإن جميع زعماء العالم تقريبا في اتفاق تام فيما يتعلق بمسألة صفقة إيران : يجب دعم الصفقة.

وفي الوقت نفسه، وصف ترامب خطة العمل المشتركة بأنها “أسوأ صفقة”، ورفض نتنياهو، بدعم أعضاء بارزين في حكومته، الأمر نفسه، مطالبا الولايات المتحدة “بتصحيحها أو الغائها”. ومع ذلك، لا الرئيس الأمريكي ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي أشاروا إلى طرق محددة يخططون بها للتوصل إلى اتفاق أفضل مع إيران.

ووصف عراد، الذي انتقد علانية كل من الإتفاق ورئيس الوزراء، كلا الجانبين بأنهما مخادعات – سواء كانوا على وعي من ذلك أم لا.

وقال إن المؤيدين يقعون فريسة لما يعرف في الإقتصاد بإسم “التكلفة الغارقة” المغلوطة، وهي الفكرة بأن الناس يلتزمون بالأفكار السيئة بعد الاستثمار فيها بشكل كاف.

وقال عراد إن سنوات المفاوضات الشاقة والصعبة، وحقيقة أنه على الرغم من أن المسعى برمته سوف ينهار، تجعل فكرة التخلي عنه أمرا لا يمكن تخيله.

وقال أنه بالرغم من أن الرغبة في عدم التخلي عن الاتفاق الذي تم التوصل اليه بشق الأنفس أمر مفهومة، فلهذا السبب من المفترض ان يتم تفادي “التكلفة الغارقة” المغلوطة.

واعترف عراد بأن هناك من لهم علاقة بإدارة ترامب والذين يرون القيمة الفعلية في إلغاء الصفقة.

جون بولتون، على سبيل المثال، الذي ليس له منصب في الحكومة الأمريكية، ولكنه قريب من الرئيس، هو مناصرا صريحا للتخلي عن خطة العمل المشتركة على أساس أن فيها عيوبا أساسية، وبالتالي كلما سارعت الولايات المتحدة في تركها واعتمدت نهج “لا تنازلات” تجاه إيران، كان ذلك أفضل.

وقال عراد أن هذه ليست بالضرورة وجهة نظر نتنياهو، الذي على عكس بولتون لم يطلب من الولايات المتحدة “الغائه” ببساطة، لكنه يشجع أيضا على “تصحيحه”.

وبحسب عراد، فقد أدخل نتنياهو نفسه في زاوية عن طريق معارضته الصريحة للصفقة على مدى السنوات الخمس الماضية، مما يعني أنه يتعين عليه الآن أن يواصل “متابعة النص” وينتقد خطة العمل المشتركة، بغض النظر عن فضائلها.

وقال عراد: “لا يستطيع الآن تغيير ألوانه. وإلى جانب ذلك، يبدو [نتنياهو] شرسا، وهذا يرضي جمهوره”.

وقال مستشار الأمن القومي السابق لدى نتنياهو، ان رئيس الوزراء قد لا يكون في الواقع معارضا للاتفاق الايراني كما يعلن دائما. قد تكوت مجرد مواقف.

من جانبه، يحبذ عراد الحفاظ على الاتفاق، لكن بتوسيعه من خلال المزيد من الضغوط الدبلوماسية والمالية لمعالجة جوانب إشكالية أخرى لسلوك إيران، والتي لم يتم تناولها بوضوح في الاتفاق.

ما الذي نتحدث عنه عندما نتحدث عن صفقة إيران

وقد اتخذت صفقة إيران معنى خارج نطاقها الفعلي، وأصبحت تقف في وجه الجهود العالمية الشاملة لاحتواء النظام الإسلامي.

إن الاتفاق نفسه محدد للغاية، ويهدف إلى الحد من الطموحات النووية الفورية لطهران – وفقط طموحاتها النووية الفورية. إلا أن النقاد غالبا ما يجلبون جوانب من سلوك النظام الإيراني التي لا ترتبط مباشرة بخطة العمل المشتركة، أي برنامجه للقذائف التسيارية وتمويل الجماعات الإرهابية.

وبحسب عراد، عندما يطلب نتنياهو من الولايات المتحدة “إصلاحها أو الغائها”، فهو لا يشير فقط إلى الصفقة، بل إلى النهج العام تجاه إيران وعدوانها في المنطقة.

وعزي عراد (يسار) يتحدث إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في اجتماع لمجلس الوزراء عام 2009. (Kobi Gideon / FLASH90)

وعزي عراد (يسار) يتحدث إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في اجتماع لمجلس الوزراء عام 2009. (Kobi Gideon / FLASH90)

وقال مستشار الأمن القومي السابق والمسؤول الكبير في الموساد أن هناك مسألتين رئيسيتين تتعلقان بالإتفاق نفسه: مدته وغموضه.

إن خطة العمل المشتركة ليست اتفاقا دائما. تستمر بعض الأحكام لعقد من الزمن، وبعضها الآخر 13 سنة والبعض لحوالي 15 عاما.

وينتقد النقاد “بنود الانقضاء” هذه بأنها مجرد تحديد الوقت الذي ستتمكن فيه إيران من استئناف برنامجها للأسلحة النووية دون عقاب، بينما يقول المدافعون عن الاتفاق، إن ترك الاتفاق مفتوحا لن يكون ممكنا، ويمكن التوصل إلى اتفاق جديد في وقت ما في المستقبل.

وتتناول المسألة الثانية قدرة الوكالة الدولية على زيارة المواقع العسكرية الإيرانية. وقالت المديرة العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو أنه بموجب الاتفاقية، يمكن تفتيش قواعد الجيش إذا لزم الأمر. لكن المسؤولين الإيرانيين عارضوا هذا التفسير لبرنامج الخطة المشتركة، وادعوا أن هذه المواقع هي خط أحمر.

ومع ذلك، فإن انتقاد الإتفاق الإيراني بشكل عام ليس حول ما يعالجه الإتفاق، بل حول ما لا يعالجه الاتفاق.

ولا سيما بالنسبة لإسرائيل، فإن ما لا يتم معالجته هو مصدر قلق كبير.

وقال ليفيت الذي شغل منصب نائب المدير العام للسياسة في لجنة الطاقة الذرية الاسرائيلية في فترة 2002-2007 إن تطوير ايران لصواريخ باليستية دقيقة “يجعل الفرصة للتدخل أصغر”.

صاورخ بالستي طويل المدى من طراز "قادر" تم إطلاقه في سلسلة جبار البرز شمال إيران في 9 مارس، 2016. (AFP / TASNIM NEWS / Mahmood Hosseini)

صاورخ بالستي طويل المدى من طراز “قادر” تم إطلاقه في سلسلة جبار البرز شمال إيران في 9 مارس، 2016. (AFP / TASNIM NEWS / Mahmood Hosseini)

ولذلك، فإن التهديد النووي يصبح أكثر إلحاحا، كما هو الحال بالنسبة للقذائف التسيارية التي تستطيع الجمهورية الإسلامية استخدامها بسرعة كسلاحا نوويا في حالة تطويرها في المستقبل.

وفي الوقت نفسه، يشكل دعم ايران لحزب الله في لبنان، بالإضافة الى مجموعات شيعية أخرى بالقرب من الحدود السورية للجولان، تحديا كبيرا للمصالح الأمنية الإسرائيلية، حيث وصف مسؤولون كبار في الدفاع الحرب مع حزب الله كمسألة وقت.

“الكثير من التوتر”

يوم الخميس، أعلن البيت الأبيض أنه في الساعة 12:45 مساء يوم الجمعة / 7:45 مساء فى اسرائيل / سيلقى الرئيس خطابا حول خطة ادارته لمواجهة ايران. اعتقد الكثيرون – استنادا إلى تعليقات أدلى بها مسؤولون في الإدارة – أن ترامب سيعلن خلال هذا الخطاب أنه لن يعيد النظر في خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكنه لن يلغيها بشكل فوري.

بموجب القانون، على الرئيس كل 90 يوما أن يبلغ الكونغرس إذا كانت إيران متمسكة بأحكام الإتفاق، وهو ما تقوم به ايران من جميع النواحي حتى الآن. والموعد النهائي للجولة الحالية لإعادة التأهيل هو الأحد 15 اكتوبر.

وإذا لم يؤكد ترامب رسميا أن ايران ملتزمة بالإتفاق، فإن المجلس التشريعي الأمريكي سيفرض عقوبات جديدة على الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي سيلغي فعليا خطة العمل الشاملة على الأقل فيما يتعلق بالولايات المتحدة. أما الدول الخمس الأخرى التي وقعت على الإتفاق، وهي الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة وألمانيا، فستظل قادرة على الإستمرار في الصفقة وأشارت على أنها تنوي القيام بذلك.

ومع ذلك، في حين يسمح للكونغرس الأمريكي قانونيا بفرض عقوبات إذا لم يقم الرئيس بإعادة التأهل، فإنه ليس مطلوبا منه على أي حال القيام بذلك. وهذا يترك الاحتمال الحقيقي جدا بأنه حتى لو لم يثبت ترامب من جديد خطة العمل المشتركة، فإن الاتفاق لن يذوب فعلا، بل سيؤدي إلى إزالة أحد ضماناته.

ومن شأن هذا الخيار أن يضع الاتفاق الإيراني على بعد تصويت واحد لكي يتخلى عنه الكونغرس في الولايات المتحدة، وذلك ما قال عنه المسؤول الإيراني أنه يمكن أن يؤدي بالجمهورية الإسلامية إلى التخلي عن الصفقة أيضا.

لكن وفقا لليفيت، فإن هذا على الأغلب لن يحدث.

وأضاف: “اعتقد بأن الولايات المتحدة لن تصادق وتتسبب بعدها بنوع من الجهود الرامية الى اعادة التفاوض. نحن في فترة طويلة من التحرك مع وقف التنفيذ”.

“سيكون هناك الكثير من التوتر ولكن لن تكون هناك ازمة كاملة (…) على الأقل ليس كما أرى ذلك”، قال.

ملاحظة المحرر: قدم منتدى لوكسمبورغ نفقات السفر للكاتب.