على الرغم من محاربة تنظيم (داعش) في العراق وسوريا، يتجاهل الغرب للأسف إنتشار التنظيم الإرهابي في ليبيا، حيث يشكل هناك خطرا كبيرا ليس فقط على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكن أيضا على أوروبا، بحسب ما يقوله خبراء إرهاب إسرائيليون.

رؤوفين إرليخ، ضابط كبير سابق في الإستخبارات العسكرية ويشغل حاليا منصب رئيس مركز مئير عميت للمعلومات الإستخباراتية، يقول إن “ليبيا هي الدولة الوحيدة إلى جانب سوريا والعراق التي يسيطر فيها تنظيم داعش على مساحة واسعة من الأراضي ويسيطر على بنى تحتية حكومية، بما في ذلك محطة توليد كهرباء وميناء وموانئ إقتصادية”، ويضيف إرليخ: “نعتقد أن مؤسسة الدولة الإسلامية في ليبيا تشكل خطرا كبيرا وهناك حاجة للتعامل معها بجدية كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة”.

بعض الباحثين في مركز مئير عميت للمعلومات الإستخباراتية، الذي يعمل تحت لواء مركز الإستخبارات وإحياء التراث الإسرائيلي، قضوا عاما كاملا في دراسة نشاط “داعش” في ليبيا، وهذا الأسبوع سينشرون إستنتاجاتهم المقلقة في تقرير مكون من 175 صفحة، تحت عنوان “داعش في ليبيا: تهديد إقليمي وعالمي رئيسي”.

وقال إرليخ لتايمز أوف إسرائيل، “حتى الآن، لم يكن هناك رد فعال للمجتمع الدولي”، وأضاف قائلا: “الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية تركز على البنى التحتية للدولة الإسلامية في سوريا والعراق. ولكنها تتجاهل ليبيا تماما. ليبيا ليست مجرد دولة أخرى. إنها دولة يسيطر فيها التنظيم على أراض – المكان الوحيد إلى جانب سوريا والعراق حيث يسيطر التنظيم فعلا على أجزاء من الأرض – وبالتالي سيكون من الجيد أن تُنصح الولايات المتحدة وأوروبا بإيلاء المزيد من الإهتمام بهذه المسألة وصياغة إستراتيجية متعلقة بليبيا. وإلا ستجد المشكلة نفسها قريبا في فنائهم الخلفي”.

وقال إرليخ منتقدا، “كانت هناك عملية قتل عرضية لإرهابي”، ولكن إلى حد كبير، للإمريكيين والأوروبيين “لا توجد إستراتيجية شاملة بشأن محاربة داعش. وهذه مشكلة لا يجب تجاهلها”.

منذ سقوط الدكتاتور الليبي معمر القذافي في 2011، تتواجد البلاد في حالة حرب أهلية دائمة، ما يجعل منها أرضية خصبة لتسلل مجموعة إرهابية مثل تنظيم “داعش”. ولكن في حين أنه تم تشكيل تحالف واسع لمهاجمة التنظيم في قاعدته الرئيسية في سوريا والتصدي له في العراق، سُمح له بالإنتشار من دون إزعاج تقريبا في شمال أفريقيا.

بحسب تقرير مركز عميت مئير فإن “فرع داعش في ليبيا استغل عدم وجود حكومة فعالة وغياب التدخل الدولي لتأسيس نفسه في المنطقة المحيطة بسرت ومن هناك السعي للإنتشار في جميع أنحاء ليبيا”.

في 18 فبراير، 2015، احتل تنظيم “داعش” مساحة واسعة من مدينة سرت الساحلية في شمال-وسط ليبيا، التي تعمل منذ ذلك الوقت كعاصمة التنظيم في البلاد. “لسرت هناك ميناء ومطار دولي وقواعد عسكرية ومشاريع إقتصادية ومنشآت نفطية ومنشآت حكومية متعددة. هي أيضا مسقط رأس معمر القذافي وقاعدة قوة قبيلته”، بحسب التقرير، في نسخة مسبقة حصل عليها تايمز أوف إسرائيل.

في سرت ومحيطها، أنشأ تنظيم “داعش” بنى تحتية كبيرة للإرهاب وحرب العصابات ضد أهداف داخل وخارج ليبيا، بحسب ما كتبه الخبراء. محليا، يهاجم التنظيم في الأساس جيش وميليشيات تدعمها الحكومة، ولكنه قام أيضا بإعدام أقباط من مصر ومسيحيين من إريتريا.

وجاء في التقرير أيضا أن “إقامة داعش في ليبيا تزيد من الفوضى وغياب النظام الذي تعاني منه البلاد أصلا، ما يجعل من إضفاء الإستقرار على حكومة مركزية مهمة صعبة”.

خارج البلاد، هدف “داعش” الرئيسي هو تونس، بسبب ضعفها النسبي، وكذلك بسبب قيمتها الرمزية بصفتها مهد الربيع العربي، بحسب الباحثين. لكن في المستقبل يحذر التقرير من أن التنظيم قد يزيد من دعمه لمنظمات جهادية في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، مثل النيجر وتشاد ومالي والسودان.

للفرع الليبي لتنظيم “داعش” علاقات وثيقة مع تنظيم “بوكو حرام” الجهادي في نيجيريا و”أنصار بيت المقدس”، فرع التنظيم في شبه جزيرة سيناء. على طول 1,115 كلم من الحدود مع مصر، قد يقوم مقاتلو “داعش” المحليون أيضا بتهريب أسلحة إلى داخل البلاد، والتي قد تصل إلى غزة، كما يرى الباحثون.

على الغرب أن يخشى بالأخص من قرب ليبيا من إيطاليا، ما “يجعل من وجود داعش هناك خطرا محتملا ليس فقط على إيطاليا بل على كل أوروبا”، كما يحذر التقرير. “قربهم قد يشجع داعش على إرسال نشطاء إرهابيين إلى إيطاليا ودول أوروبية أخرى بمجرد أن يرسخ (التنظيم) نفسه في سرت ومواقع أخرى”. التنظيم أطلق بالفعل تهديدات لتنفيذ إعتداءات في روما، التي تمثل بصفتها مقرا للفاتيكان العالم الكاثوليكي.

بعض الدول – مثل فرنسا والولايات المتحدة ومصر وتونس – بدأت تدرك التهديدات التي يشكلها معقل لتنظيم “داعش” في ليبيا، كما يقول واضعو التقرير. “لكن، في حين أن الإستراتيجية التي تطبقها الولايات المتحدة ضد داعش منذ سبتمبر 2014 تدعي بأنها توفر ردا شاملا على التحدي الذي يشكله داعش، في الواقع هي لا تفعل ذلك، لأنها تركز على العراق وسوريا. بالتالي، فهي لا توفر ردا على إنتشار داعش إلى دولة أخرى، وخاصة ليبيا ومصر، وللتهديدات المحلية والإقليمية المتأصلة فيها”، بحسب التقرير.

وتخلص الدراسة إلى أنه “للتعامل مع إجمالي التهديدات التي يشكلها إستحكام داعش في ليبيا، على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والعرب تغيير مفهومهم للحملة ضد داعش”، ويتابع الباحثون، “يجب أن تمتد إستراتيجيتهم إلى ليبيا ودول أخرى حيث يحاول داعش بناء نفسه، ما سيجعل منها أكثر شمولية”.

يقر خبراء الأمن على نطاق واسع بأن حصول “داعش” على موطئ قدم في ليبيا قد تكون له عواقب وخيمة، ولكن لا يتفق الجميع مع ما يقوله الخبراء الإسرائيليون بأن الغرب لا يبذل جهودا كافية لمواجهة التهديد.

فرانسوا هايسبورغ، مستشار الأمن السابق لوزير الدفاع الفرنسي ويترأس حاليا المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، يقول إنه “في أوروبا، الناس يتحدثون عن ذلك، الفرنسيون والإيطاليون على سبيل المثال. الأمريكيون لا يتحدثون عن ذلك. لا يحب الأمريكيون الحديث عن ذلك لأنه إذا كان هناك حديث فهناك إفتراض أن هناك حاجة للعمل”.

على مدى الشهرين الأخيرين، ينفذ سلاح الجو الفرنسي العديد من طلعات الإستطلاع فوق ليبيا ومن المرجح أن باريس تشارك في أشكال أخرى من جمع المعلومات كذلك، كما قال. “هل سأكون متفاجأ إذا كانت هناك عمليات قصف فرنسية في ليبيا في نهاية المطاف؟ لا، لن أكون متفاجأ”.