كان أكرم عبد الحق في التاسعة من عمره عندما إنتقلت عائلته من القدس إلى الولايات المتحدة. بعد سنوات، بعد أن كبر وتزوج، قرر عبد الحق العودة إلى بلده الأم، ليكتشف أنه لا يملك حق القيام بذلك.

مع ذلك عاد إلى إسرائيل قبل نحو 20 عاما. ولكن السلطات الإسرائيلية اعتبرت خطوته غير قانونية، قبل أن يتغير في الأسبوع الماضي.

عبد الله يبلغ من العمر (58 عاما) وهو واحد من بين 14,500 عربي مقدسي تم سحب حق الإقامة الدائمة منهم من قبل إسرائيل، مع حدوث معظم هذه الحالات منذ عام 1995. في معظم الحالات، أشارت وزارة الداخلية إلى الغياب المطول عن القدس – عادة ما يكون أكثر من سبعة أعوام؛ في حالات أخرى، خسر المقدسيون مكانة الإقامة بعد حصولهم على مكانة إقامة أو جنسية في بلد آخر.

سكان القدس الشرقية أصبحوا أصحاب إقامة دائمة في المدينة عندما استولت إسرائيل على أحيائهم من الأردن في عام 1967؛ بعد ذلك قامت إسرائيل ببسط سيادتها على المنطقة. (مكانة الإقامة الدائمة تسمح لسكان القدس الشرقية بالعيش والعمل في إسرائيل، ولكن لا يحق لهم التصويت في الإنتخابات التشريعية).

يوم الأربعاء الماضي، إستعاد عبد الحق مكانة الإقامة في محكمة العدل العليا. الحكم بالإجماع والذي يشكل سابقة لقضايا مشابهة وضع حماية قانونية جديدة لحقوق الإقامة لسكان القدس الشرقية.

القضاة قرروا، لأول مرة، بأن على إسرائيل الأخذ بعين الإعتبار المكانة الفريدة للمقدسيين العرب كسكان أصليين عند اتخاها قرارا بشأن إستعادة مكانة إقامتهم.

الإرتفاع الحاد في العقود الأخيرة في عدد مكانات الإقامة لتي تم سحبها تسبب بانتشار القلق في صفوف سكان القدس الشرقية، الذين يخشون من أن حقهم في العيش في ما هي إسرائيل اليوم في خطر مستمر، بحسب مجموعات لحقوق الإنسان ومحامين مطلعين على هذا الشأن.

عادي لوستيغمان، محامية هجرة صاحبة خبرة والتي تولت قضية عبد الحق إلى جانب المحاميان أمير حسن وتمير بلانك، قالت لتايمز أوف إسرائيل إن القرار من شأنه أن يبعث الطمأنينة في قلوب سكان القدس الشرقية.

نظريا، كما قالت، يضع هذا القرار سياقا “من خلاله بإمكان الكثيرين من سكان القدس الشرقية إستعادة حقوق إقامة إسرائيلية كانوا قد خسروها”.

لكنها تحذر مع ذلك أن الزمن لوحده فقط سيحدد كا إذا كان سيتم الإعتماد على هذه السابقة.

وزارة الداخلية تدعي إنها تقوم بتطبيق القانون عند قيامها بسحب مكانات الإقامة.

وتقول الوزارة أيضا أنها تكافح توجها منتشرا يقوم من خلاله فلسطينيون يقيمون في الضفة الغربية بالإدعاء بأنهم يعيشون في القدس الشرقية من أجل أن تكون لديهم إمكانية الحصول على الخدمات الإسرائيلية المدنية والإجتماعية.

“قضية طرف مستضعف”

عبد الحق كان في هذه القضية، بتعبير ملطف، الطرف المستضعف، ووكيل تغيير غير مرجح على الإطلاق.

عندما تقدم بالتماس لإستعادة مكانة الإقامة للمحكمة العليا قي عام 2014، كان يحمل الجنسية الأمريكية. تم سحب مكانة الإقامة منه قبل 27 عاما من ذلك، وكان يقيم في إسرائيل بصورة غير قانونية منذ عام 1997. بحسب وزارة الداخلية، الرجل متزوج من سيدتين، وهو ما يُعتبر غير قانوني في إسرائيل، وكلتا الزوجتين تعيشان بصورة غير قانونة في إسرائيل. كذلك الأمر بالنسبة لأبنائه العشرة.

في الواقع، وزارة الداخلية رأت في قضية عبد الحق متطرفة للغاية لدرجة أنها ادعت أن الموافقة على التماسه يُعتبر “نفيا” لمجموعة القوانين المتعلقة بحب مكانة الإقامة.

مع ذلك حكمت المحكمة بالإجماع لصالح عبد الحق.

القضاة الثلاثة الذين تولوا البت في القضية، عوزي فوغلمان ومناحم مازوز ورئيس المحكمة العليا ميريام ناؤو، هاجموا ما تعتبره منظمات حقوق إنسان منذ مدة طويلة ظلما صارخا في القانون الإسرائيلي: بأن سكان القدس الشرقية يحصلون فقط على نفس المكانة القانونية، من حيث حقوقهم في العيش في إسرائيل، التي يحصل عليها أجنبي يأتي إلى إسرائيل ويحظى بمكانة إقامة دائمة.

على سبيل المثال، الأمريكي الذي ينتقل إلى إسرائيل للعب في فريق كرة سلة، والمقدسي الذي وُلد في البلدة القديمة يُعتبران متساويان في نظر القانون – مع حقوق متساوية ومخاطر وظروف متساروية في خسارة حقوقهم.

وخلُصت المحكمة إلى أن المقدسيين العرب يستحقون تعاملا أكثر سخاء.

القاضي فوغلمان كتب أنه “عندما يكون على الوزير النظر في طلب لإستعادة مكانة الإقامة الدائمة لأحد سكان القدس الشرقية، عليه الأخذ في عين الإعتبار الوضع الخاص: هؤلاء السكان – على عكس المهاجرين الذين يأتون إلى إسرائيل ويطلبون الحصول على المكانة – تربطهم علاقات قوية بالمكان الذي يعيشون فيه، بصفتهم أشخاص وُلدوا في هذه المنطقة – حيث وُلد أحيانا والديهم وأجدادهم – وحيث قاموا بتأسيس حياة عائلية واجتماعية لسنوات”.

لوستيغمان قالت إن الحكم يشكل المرة الأولى الذي ينتصر فيها المنطق بشكل “عال، واضح ورسمي”.

مازوز كتب في القرار أنه “يجب أن يُنظر [إلى عبد الحق] كشخص جدد ألفته بإسرائيل، واعتبار المكانة الخاصة لسكان القدس الشرقية كسكان أصليين – على عكس أولئك الذين اكتسبوا الحق بالإقامة الدائمة من خلال تصريح بعد الهجرة – كاف لتبرير طلبه لتجديد الإعتراف بمكانته كمقيم دائم”.

ناؤور وافقته الرأي، لكنها شددت على ضرورة أن يتم النظر في كل قضية بالإستناد على مزاياها المحددة.

فوغلمان رأى أن الفترة التي قضاها عبد الحق في إسرائيل بصورة غير شرعية، والتي بدأها فقط بعد رفض إسرائيل طلبه الأول لإستعادة مكانة إقامته في عام 1989، جاءت لمصلحته في القضية. حيث راى القاضي أن ذلك كان إثباتا على إلتزام الرجل بالعيش في إسرائيل، وإذا كان هذا هو الحال بالفعل، كما قال القاضي، فعلى وزارة الداخلية الموافقة على طلبه بإستعادة مكانة الإقامه بما أنه من مواليد القدس.

فوغلمان قال أيضا أن وزارة الداخلية بنفسها هي من فتح الباب أمام قرار المحكمة، ولكن لم تذهب بعيدا بما فيه الكفاية في المنطق الذي سارت بحسبه:

خلال المحاكمة، ادعت الوزارة أنها قامت بالفعل بوضع سياسة أكثر تساهلا مع المقدسيين العرب. هذه السياسة “الموسعة” تسمح للمقدسيين الذين حصلوا على جنسية أو مكانة إقامة في بلد أجنبي بإستعادة مكانة إقامتهم في إسرائيل، طالما أن بإمكانهم إثبات أنهم يعتزمون العيش في إسرائيل ولا يشكلون تهديدأ أمنيا. عبد الحق نفسه سيكون الآن مواطنا أمريكيا ومقيما في القدس.

في جوهره إذا، كما أشار فوغلمان، الوزارة قامت بنفسها بالتمييز بين المقدسيين والمهاجرين الذي أصبحوا مقيمين دائمين، وتقر بالظروف الخاصة للمقدسيين العرب.

وفقا للوستيغمان، هذه السياسة المتساهلة بدأت حوالي عام 2014، لكن الوزارة لم تعلن رسميا عنها.

تطور سياسة سحب مكانة الإقامة الدائمة

عندما استولت إسرائيل على الجزء الشرقي من القدس في عام 1967، لم ترغب في منح سكان المنطقة الجنسية الإسرائيلية. ومعظم هؤلاء السكان، الذين يعتبر معظمهم الوجود الإسرائيلي في أحيائهم غير شرعي، لم يرغبوا بالتجنس في الدولة اليهودية.

بدلا من ذلك، تم إجراء إحصاء سكاني سريع في القدس الشرقية، وكل أولئك الذين تم تسجيلهم في الإحصاء مُنحوا “مكانة إقامة دائمة”.

تم وضع هذه المكانة من خلال قانون “الدخول إلى إسرائيل”، الذي سُن في عام 1952. تم صياغة هذا التشريع لاستيعاب غير اليهود الراغبين في الإقامة في الدولة اليهودية الوليدة. لكن القانون نفسه، مع المعايير الصارمة للحفاظ على مكانة الإقامة، تم تطبيقه على سكان القدس الشرقية، على الرغم من واقع أنهم ولدوا في إسرائيل.

القانون يمنح سكان القدس الشرقية حق تقديم طلب الحصول على الجنسية – مثل أي مهاجر غير يهودي أجنبي – لكنه يمنح وزارة الداخلية أيضا الصلاحية الكاملة في سحب مكانة الإقامة الدائمة أو إعادتها.

حتى سنوات التسعين، عدد قليل نسبيا من المقدسيين العرب تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية، ووزارة الداخلية قامت بسحب مكانة الإقامة الدائمة من عدد قليل من المقدسيين العرب نسبيا.

ولكن في عام 1995 بدأت وزارة الداخلية بمطالبة سكان القدس الشرقية بإثبات أن العاصمة هي مركز حياتهم. بأثر رجعي، كانت آلاف العائلات معرضة لسحب مكانة الإقامة الدائمة منها – وهذا ما حدث بالفعل، مع وصول عدد سحب مكانات الإقامة الدائمة في سنوات كثيرة لاحقة إلى أعداد تجاوزت أي شيء عرفه سكان القدس الشرقية من قبل.

هذه السياسة وصلت إلى ذروتها في عام 2008، تم خلالها سحب مكانة الإقامة من 4,577 مقدسي، بحسب معطيات من وزارة الداخلية حصلت عليه منظمة “هموكيد”، وهي منظمة حقوقية مقرها في القدس. هذا الرقم أكبر بأربع مرات من أي عام آخر سبقه منذ عام 1967.

في العام التالي، قفز عدد الطلبات التي تقدم بها سكان القدس الشرقية للحصول على مواطنة من 1,025 إلى 1,656 – إرتفاع بنسبة 61% وهو الأعلى منذ عام 1967.

منذ عام 2003، قدم 14,629 من أصحاب الإقامة الدائمة في القدس طلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية.

ترى لوستيغمان، من بين آخرين، أن الإرتفاع الحاد في عدد مقدمي طلبات الحصول على جنسية من سكان القدس الشرقية يعود إلى خشيتهم من أن يتم سحب مكانة الإقامة الدائمة منهم يوما ما.

السنوات القليلة الماضية شهدت تراجعا كبيرا في عدد الأشخاص الذين تم سحب مكانة الإقامة الدائمة منهم. لكن كما أظهر تحقيق لتايمز أوف إسرائيل مؤخرا، شهدت هذه السنوات أيضا توقف شبه تام لإجرءات معالجة طلبات سكان القدس الشرقية في الحصول على جنسية.