قبل أربع سنوات، أعطى بنيامين نتنياهو سلسلة من المقابلات للإعلام الإسرائيلي، خلال المراحل النهائية من الحملة الإنتنخابية، للتأكيد على أن بقاءه في منصب رئيس الحكومة في خطر، وحض جميع الناخبين الراغبين برؤية بقائه في السلطة على التصويت لحزبه “الليكود”، وليس لأي حزب آخر من أحزاب اليمين الأصغر حجما – مما أغضب حلفاءه السياسيين، وأبرزهم رئيس حزب “اليمين اليهودي” حينذاك، نفتالي بينيت.

وكرر في مقابلة بعد مقابلة “صوتوا ’ماحل’، صوتوا ’ماحل’” – في إشارة إلى الأحرف العبرية التي تشكل رمز حزب الليكود على بطاقات التصويت في صناديق الإقتراع.

ما أصبح يُعرف بتكتيك “غيفالت” (وهو تعبير باللغة الييدشية يعني “النجدة”) الخاص بنتنياهو عمل كالسحر. في الفترة التي سبقت انتخابات 2015، أظهرت استطلاعات الرأي تفوق قائمة “المعسكر الصهيوني” بقيادة حزب “العمل” وبزعامة يتسحاق هرتسوغ على حزب نتنياهو (الليكود)؛ في النهاية، انتصر الليكود على المعسكر الصهيوني بعد فوزه ب30 مقعدا مقابل 24 للأخير. حزب “البيت اليهودي”، الذي توقعت له استطلاعات الرأي الفوز بأكثر من 10 مقاعد، نجح في النهاية بالحصول على ثمانية فقط، ونتنياهو عاد بأمان إلى مكتبه.

لكن بالمقارنة مع عام 2015، فإن سلسلة ظهورات نتنياهو الإعلامية في الإيام الأخيرة تشكل تكتيك “سوبر غيفالت” حقيقي. تابعوا نشرات الأخبار وبرامج الحوارات التلفزيونية، والمحطات الإذاعية الناطقة بالعبرية الصغيرة منها والكبيرة، والعديد من وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية، وستجدون نتنياهو وتحذيره مما يمكن وصفه بأنه هستيريا مضبوطة بأن حكم الليكود “في خطر” وأن إسرائيل قد تجد نفسها تحت حكم “اليسار” – أي حزب “أزرق أبيض” بزعامة خصميه الرئيسييين، بيني غانتس ويائير لابيد.

وقد خلق ذلك وضعا غريبا للغاية يؤكد فيه تننياهو وغانتس حاليا على أن غانتس سيفوز في الإنتخابات. (استطلاعات الرأي الأخيرة التي نُشرت نتائجها في نهاية الأسبوع أظهرت سباقا محتدما بين “أزرق أبيض” و”الليكود”، ولكن توقعت أن تكون لنتنياهو فرصة أفضل في تشيكل إئتلاف حاكم).

بيني غانتس، زعيم حزب ’أزرق أبيض’، يلتقط صورة ’سيلفي’ مع أنصاره خلال تجمع انتخابي في تل أبيب، 8 أبريل، 2019، قبل يوم من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع. (Jack Guez / AFP)

بعد 13 عاما في السلطة، العشرة الأخيرة منها على التوالي، يركز نتنياهو جهود اللحظة الأخيرة من أجل الفوز بولاية جديدة ليس على المترددين ولا على الذين يميلون للتصويت لحزب “أزرق أبيض” أو أحزاب يسار الوسط الأخرى، وإنما على أنصاره وأنصار بقية اليمين الإسرائيلي. في ما يرقى إلى أكثر من 20 دقيقة من البث السياسي الحزبي على إذاعة الجيش مساء الإثنين، على سبيل المقال، أشار نتنياهو إلى أنه قام بجولة في إطار حملته الإنتخابية في عدد من أسواق الخضار والفواكه في الأيام الأخيرة، وهي مناطق تكون عادة تابعة لليكود، واستُقبل بهتافات “فقط بيبي”. لكنه قال إنه في عدة محادثات له مع المتسوقين والبائعين، قال له هؤلاء إنهم واثقون بفوزه، ولذا “سيذهبون إلى الشاطئ” يوم الثلاثاء، يوم الإنتخابات، وهو ما وصفه بأنه الاعتقاد الخاطئ والمضلل بأنه الرابح الأكيد.

في الواقع، ادعى نتنياهو على وجه التحديد أن استطلاعات الرأي أظهرت أن ما بين “7 و8 بالمئة” من الناخبين المؤيدين لحزب الليكود يميلون إلى عدم تكبد عناء التوجه لصناديق الاقتراع – وهو توجه، كما قال، قد يؤدي إلى تفوق حزب “أزرق أبيض” على الليكود وتمكنه بطريقة ما من حشد الدعم الكافي لتشيكل إئتلاف بقيادته. وهذا، غني عن القول – ولكن قاله على أي حال – من شأنه أن يتسبب بكارثة في إسرائيل، بما أن قيادة “أزرق أبيض” تفتقد للمهارات والحكمة والمثابرة “للوقوف حتى ولو لدقيقة واحدة” للدفاع عن إسرائيل ومصالحها في منطقة تأتي بتهديدات مستمرة.

خصومه، كما زعم بمكر، أيدوا الاتفاق النووي مع إيران (لابيد لم يفعل؛ غانتس كان في الجيش الإسرائيلي خلال المفاوضات على الاتفاق) ووقعوا على عريضة طالبت بمنع دونالد ترامب من زيارة إسرائيل. (كان هذا في إشارة إلى عريضة دعت نتنياهو إلى عدم استضافة الطامح حينذاك بالحصول على بطاقة الحزب الجمهوري لمرشح الرئاسة، ترامب، في ذروة حملته لمنع دخول جميع المسلمين إلى الولايات المتحدة في 2015. الزيارة لم تتم، ومكتب نتنياهو نأى بنفسه عن ترامب حينذاك، حيث قال مسؤولون إن رئيس الوزراء “لا يوافق مع كل تصريح يقوله مرشح”. وقد وقّع على العريضة 37 عضو كنيست، معظمهم من المعارضة، من ضمنهم نواب من حزب “يش عتيد”، ونائب من حزب “شاس” وآخر من “كولانو”، وهي أحزاب كان شريكة في الإئتلاف الحاكم في ذلك الوقت).

من خلال استغلاله لرغبة الصحافيين اليائسة والمفهومة في إجراء مقابلة معه – كل أربع سنوات قبل الإنتخابات، والتي لم يخضع خلالها لأي استجواب صارم من قبل وسائل الإعلام الرئيسية – فإن نتنياهو يسيء للإعلام العبري بمجرد استخدامه لتعزيز فرص إعادة انتخابه. في المقابلة نفسها مع إذاعة الجيش – وهي الثانية له في اليوم نفسه مع المحطة الإذاعية – زعم نتنياهو إن الصحافيين الإسرائيليين هم جزء من مؤامرة لضمان هزيمته يوم الثلاثاء. لقد أصبح الصحافيون أكثر حكمه في التعامل مع أساليبه المختلفة في محاولاته لاقناع أنصاره بالخروج للتصويت، كما زعم، وبالتالي حاك الإعلام هذه المرة مؤامرة – “خدعة” ل”تخدير” الجمهور – للتأكيد على أن نتائج الانتخابات محسومة وأن اعادة انتخابه مضمون، وبالتالي إزالة تأثير التماساته الأخيرة.

لا تسمحوا لهذه الحيلة بأن تنطلي عليكم، كما حذر المستمعين وحضهم على الخروج للتصويت – “خذوا عائلاتكم معكم” – أو سيصل اليسار إلى الحكم، وأضاف “أنا أفعل ذلك من أجل مصلحة الدولة اليهودية”، مفصلا التضحيات التي قام بها هو وعائلته على مر السنين من أجل القضية – “فعل كل شيء، كل شيء، لضمان مستقبل شعب إسرائيل في أرضه” – بما في ذلك الإشارة إلى وفاة شقيقه الضابط في الجيش الإسرائيلي يوني نتنياهو في عملية انقاذ بطولية للجيش الإسرائيلي في عنتيبي في عام 1976.

وحض الناخبين مرة تلو الأخرى “صوتوا ’ماحل’”.

نفتالي بينيت (Tomer Neuberg/Flash90)

من المفترض أن تكون الدعاية الانتخابية محظورة في الأيام الأخيرة من الحملة الإنتخابية. وقد يكون نتنياهو مطالبا بدفع غرامة مالية في مرحلة ما بعد الإنتخابات. هو بالتأكيد ليس السياسي البارز الوحيد الذي قام بدعاية انتخابيه في اللحظة الأخيرة؛ لكنه بالتأكيد فعل ذلك أكثر من أي شخص آخر، وتم التساهل معه إلى حد كبير.

استهداف ناخبي أحزاب اليمين التي من المرجح أن تتفاوض معه على إئتلاف في غضون أيام يُعتبر أيضا بشكل عاما أمرا غير مقبول، وقد أثار ذلك غضب بينيت وآخرين من معسكر اليمين خارج حزب الليكود. يوم الإثنين قال بينيت “لا نفهم حقا المنطق وراء هجوم نتنياهو على ’اليمين الجديد’، من بين الأحزاب كلها”.

رئيس حزب ’شاس’، أرييه درعي، يشارك في حدث انتخابي في القدس، 2 أبريل، 2019. (Noam Revkin Fenton/ Flash90 )

ووصف زعيم حزب “شاس” الحريدي، أرييه درعي – الذي تعهد مرارا وتكرارا بدعم حزبه لإئتلاف بقيادة “نتنياهو ونتنياهو فقط” – نتنياهو يوم الأحد بأنه ناكر للجميع، ويوم الإثنين قال إنه يخشى من أن “عمل حياته” ينهار أمام عينيه، وتساءل درعي “لماذا يقوم بذلك؟ كنا أول من قال’ ’نتنياهو، نتنياهو’”.

أداء حزب “اليمين الجديد” بزعامة بينيت وحزب “شاس” لم يكن جيدا في استطلاعات الرأي، وقد تؤثر حملة “الليكود فقط” التي أطلقها نتنياهو عليهما سلبا، وكذلك قد تمس بحزب يمين الوسط “كولانو” وحزب “يسرائيل بيتنو”المتشدد اللذين لا تدعو توقعات استطلاعات الرأي لهما إلى كثير من التفاؤل، حيث أن هناك احتمال أن يجد أحد هذه الأحزاب، أو أكثر، نفسه تحت نسبة الحسم الإنتخابية (3.25%) المطلوبة لدخول الكنيست.

نتنياهو زعم في العديد من مقابلاته التي لا حصر لها يوم الإثنين إن أيا من أحزاب اليمين لن يختفي، ولكن هذا ما سيقوله، أليس كذلك، فيمكنه دائما تقديم اعتذاره بعد انتهاء التصويت.