مخبأة في المكتبة البريطانية – ومتوفرة للإطلاع عليها فقط بتصريح خاص – نسخة وعد بلفور الأصلية، رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور القصيرة ولكن التي لا يزال صداها يتردد حتى بعد عقد من الزمن، التي تحدث فيها عن نية الحكومة البريطانية إحياء السيادة اليهودية على الأراضي المقدسة. يتم الإحتفاظ في المكتبة أيضا، في مجلدات أنيقة وفي مكان مقفل، بمسودة سابقة للإعلان، نسخة تم توزيعها على عدد من المسؤولين للحصول على ردود أفعالهم ولتعديلات محتملة قبل إصدار النص النهائي في 2 نوفمبر، 1917.

حتى بعد اتخاذ قرار حول شرعية القضية الصهيونية – وتقييم فائدتها المحتملة للمصالح البريطانية – أقر البريطانيون، كما وضحت مسودات عدة للإعلان، بالحساسيات الكبيرة والتداعيات المحتملة لقرارهم “النظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

من البداية، سعى البريطانيون إلى حل المشكلة المستعصية – لإعادة إقامة الدولة اليهودية في المكان الوحيد على الأرض الذين كان فيه للشعب اليهودي سيادة، ولكن القيام بذلك مع الحفاظ على حقوق المجتمعات الأخرى التي تعيش في الأراضي المقدسة. هذا الجهد لتحقيق حقوق السيادة اليهودية مع إضفاء الشرعية في الوقت نفسه على حقوق الشعوب العربية استمرت بعد أن انهى البريطانيون حكم الإنتداب وقرار التقسيم الذي أوصت عليه الأمم المتحدة في عام 1947 – دولة يهودية متجددة إلى جانب دولة فلسطينية لأول مرة على الإطلاق.

العالم العربي عارض وعد بلفور من اليوم الأول، واعترض كذلك على خطة التقسيم، وسعى إلى تدمير دولة إسرائيل في عام 1948. ويوم الإثنين، وعلى الرغم من أن منظمة التحرير الفلسطينية وافقت ظاهريا على إسرائيل مع حدود ما قبل عام 1967 عندما دخل ياسر عرفات عملية أوسلو التي كان مصيرها الفشل مع رئيس الوزراء يتسحاق رابين قبل حوالي ربع قرن، صرح مسؤول كبير في منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها بأن وعد بلفور هو “مشروع إستعماري” إجرامي وأعلن رسميا ما تعهد بأنها ستكون حملة ستستمر لمدة عام بهدف “تذكير العالم وخاصة بريطانيا بأن عليهم مواجهة مسؤوليتهم التاريخية والتكفير عن الجريمة الكبرى التي ارتكبتها بريطانيا بحق الشعب الفلسطيني”.

قبل بضعة أشهر، كشفت السلطة الفلسطينية عن نيتها تقديم دعوى ضد الحكومة البريطانية بسبب وعد بلفور، مع قيام وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي تحميل لندن مسؤولية كل “الجرائم الإسرائيلية” التي تم ارتكابها منذ نهاية الإنتداب البريطاني. لقد كانت بريطانيا هي من ارتكبت الخطيئة الأولى التي مهدت الطريق أمام تأسيس إسرائيل، بسبب وعد بلفور، كما قال المالكي، “وأعطت شعبا لا ينتمي إلى المكان شيئا لم يكن من حقه”.

سياسيون ومتحدثون مصقولون في السلطة الفلسطينية من شأنهم جعل العالم يصدق أن اعتراضاتهم على إسرائيل تتركز على إحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، والمشروع الإستيطاني – وأن ما يسعون إليه هو دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وليس مكانها.

الحملة الفلسطينية الجديدة لتسليط الضوء على المخالفات والظلم المزعوم لوعد بلفور تأتي برواية مختلفة. تظهر هذه الحملة عداء لم يخفت لفكرة دولة يهودية في أي مكان في الأراضي المقدسة، ورفض الإلتزام بقبول الشرعية اليهودية هنا. الإعلان من عام 1917 يتعهد بحماية حقوق الآخرين حتى في الوقت الذي سعى فيه إلى تحقيق حقوق اليهود. وكذلك الأمر بالنسبة لتصويت الأمم المتحدة لصالح خطة التقسيم في 1947. ومع ذلك ما زلنا هنا، بعض مرور قرن من الزمن، مع قيادة فلسطينية تصف بداية هذه العملية، التي لو كانوا وافقوا عليها لكانوا حصلوا على دولة منذ ذلك الوقت، بـ”الجريمة”. بالنسبة للقيادة الفلسطينية، في 2016، لا نزال نحن اليهود شعبا لا ينتمي إلى هذا المكان، وحصل على شيء ليس من حقه.

هذا الحديث ليس حديث حركة “حماس”، ليس حديث منظمة إرهابية ملتزمة علنا بتدمير أي أثر لإسرائيل. فهذا حديث القيادة الفلسطينية من التيار السائد التي من المفترض أن تكون معتدلة. القيادة المعتدلة نسبيا. الهرمية التي تُعتبر دوليا بأنها مسؤولة. القيادة التي تفاوضت معها وستتفاوض معها إسرائيل.

للأسف، لا ينبغي أن يشكل الأمر مفاجأة كبيرة. القيادة الفلسطينية التي يُزعم أنها مسؤولة، في الوقت الذي تدعي فيه بأنها تسعى إلى حل الدولتين، تعمل بلا هوادة على الدفع بقرارات عبر اليونسكو تعيد فيها كتابة التاريخ لقطع العلاقة اليهودية (والمسيحية) بالمواقع المقدسة في القدس، وبالتالي تشويه سمعة شرعية السيادة اليهودية. بشكل مثير للشفقة، معظم دول اليونسكو قامت بدعم هذه المهزلة، سواء من خلال عدم اعتراضها على القرار أو بالتصويت دعما لهذا الإستهزاء الفلسطيني بالحقائق التاريخية. مع تصويتهم الجبان هذا، تشجع هذه الدول عدم قبول الفلسطينيين بالشرعية اليهودية، وبالتالي تدعم بذلك العنف الفلسطيني ضد دولة يهودية من دون جذور ظاهريا.

قد يجدر التذكير أيضا بأن نفس هذه القيادة الفلسطينية التي يُزعم بأنها مسؤولة اختارت عدم قبول عرض السلام الذي تقدم به رئيس الوزراء إيهود أولمرت في عام 2008، الذي كان من شأنه مرة أخرى منح الفلسطينيين الدولة المستقلة ذات التواصل والقابلة للتطبيق إلى جانب إسرائيل، التي يؤكدون للمجتمع الدولي على أنها كل ما يسعون إليه.

ونفس القيادة الفلسطينية التي يُزعم بأنها مسؤولة تستخدم بلا كلل قنواتها التلفزيونية ووسائل إعلامها المكتوبة ومواقع التواصل الإجتماعي للتحريض على العنف ضد إسرائيل وللتأكيد على عدم شرعية إسرائيل السيادية.

من خلال الإستمرار بتوسيع المشروع الإستيطاني وبناء المنازل لليهود حتى في مناطق في الضفة الغربية لا يمكن لإسرائيل بصدق أن تتصور إمكانية الإحتفاظ بها في أي اتفاق سلام، تقوم الحكومة الإسرائيلية، مثل معظم سابقاتها تقريبا منذ سيطرة إسرائيل على الأراضي في حرب عام 1967، بالإساءة بشكل تدريجي إلى الفلسطينيين المعتدلين حقا الذين يسعون إلى السلام ويؤمنون بحق بأنه قابل للتحقيق. بناء منازل في هذه المناطق يسيء أيضا لإسرائيل دوليا – ويقوض إدعاء الحكومة حول سعيها للسلام وإلى حل قائم على الدولتين قابل للتطبيق. ويمس ذلك أيضا بمصلحة إسرائيل الأساسية في الحفاظ على دولة يهودية ونظام ديمقراطي، حيث أنه سيتم فقدان إحدى هاتين الميزتين الأساسيتين أو كلاهما إذا لم نتمكن من فصل أنفسنا عن ملايين الفلسطينيين في الأراضي المتنازع عليها.

ولكن عندما يقول نتنياهو للإسرائيليين وللمجتمع الدولي بأن جذور قضية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ليست في المشروع الإستيطاني، كما يزعم الفلسطينيون، ولكن في الرفض الدائم للقيادة والشعب الفلسطينيين في استيعاب حق الشعب اليهودي للسيادة في أي مكان في الأراضي المقدسة، فإن الفلسطينيين بأنفسهم يأكدون ذلك.

وعد بلفور سعى إلى إعادة إقامة وطن قومي للشعب اليهودي مع احترام مصالح غير اليهود الذي يشاركون هذه الأرض. بعد مرور ثلاثين عام من ذلك، وضعت الأمم المتحدة إطارا محددا لتحقيق ذلك. لم يكن ذلك مقبولا على الفلسطنييين والذين تحدثوا نيابة عنهم في ذلك الوقت، حيث أن عدائهم لفكرة دولة يهودية متجددة إلى جانبهم تغلب على رغبتهم بالحصول على دولة فلسطينية للمرة الأولى على الإطلاق. ومن الواضح جدا أن كل ذلك غير مقبول على القيادة الفلسطينية الآن.

في إعلانهم حربا دبلوماسية وقانونية ضد وعد بلفور، يقول القادة الفلسطينيون للعالم – لسوء حظنا وحظهم الدائم – أن شيئا لم يتغير في المائة عام الأخيرة، وبأن اعتراضهم على دولتنا ضمن أي حدود لا يزال أكبر من رغبتهم في الحصول على كيان مستقل خاص بهم. بعد مرور قرن من الزمن، يؤكدون بأن رفضهم لمشاركة أي جزء من هذه الأرض مع الشعب اليهودي لا يزال مطلقا.