في يوم الثلاثاء (البارحة)، دخلت أول مواد البناء المعدة للإعادة إعمار القطاع الى غزة، وفقا للإتفاق الذي توصلوا إليه إسرائيل، السلطة الفلسطينية، حماس، والأمم المتحدة. المشروع الطموح، مع أنظمة المراقبة الشديدة قد انطلقت. إعادة إعمار غزة، بحسب المشروع يمكن أن يمتد على مدار سنين طويلة. حتى على مدار عقد، ولكن في الوقت الحالي، لم يتغير الكثير هناك. في غزة وفي أعقاب الحرب، ولن يتغير قريبا على ما يبدو الفقر، المعاناة، التطرف، عشرات آلاف النازحين. البحر ذات البحر وحماس ذات الحماس، مع ذات الطموحات و ذات الخطط بعيدة المدى.

ما عدى لربما، تغيير مركزي واحد. هذا الحماس فقير أكثر. مع فقدان الدخل من الأنفاق بين القطاع ومصر، ومع توقف حماس من جبي الضرائب، مصادر دخل التنظيم تقل أكثر فأكثر، تنعدم أكثر فأكثر. معظم أموال حماس الآن مكرسة لترميم البنية التحتية للتنظيم (هم يتركون مهمة ترميم القطاع للسلطة الفلسطينية)، ولكن هذه ليست مهمة سهلة نظرا للأوضاع المادية المتدهورة لحماس. هذا ليس إفلاس تام، ولكنه بالتأكيد أزمة مالية التي تجبر حماس على مد ايديها لطلب الحسنات في ارجاء العالم العربي. حتى الان, هذا يحقق نجاح جزئي. تتمكن حماس من دفع أجور العاملين في الجناح العسكري (الأمم المتحدة, بحسب نظام خاص, سوف تتوكل دفع أجور موظفو الحكومة المدنية من التبرعات)، بالأساس بفضل تبرعات من قبل تركيا، قطر ورجال اعمال من دول الخليج. ولكن غير واضح الى متى سوف يتمكنوا من الإستمرار بتلقي هذه الأموال التي تصل بالأساس عن طريق الانفاق القليلة التي ما زالت تعمل على الحدود بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية.

وهذا التفسير لربما، للهدوء الرمزي لحماس بكل ما يخص ترميم القطاع. إسرائيل ليست الوحيدة التي لم تتواجد في المؤتمر الذي عقد في بداية الأسبوع في القاهرة بعنوان “إعادة إعمار غزة”، ممثلي التنظيم أيضا لم يتواجدوا هناك. السلطة الفلسطينية لوحدها بعثت ممثليها، وفقا لقرار الذي إتخذه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. حماس سمحت رغما عنها، بأن ينسب لأبو مازن تجنيد حوالي 5.4 بليون دولار المخصصين بأغلبهم للقطاع. يبدو على الأقل، بان حماس تترك الساحة للسلطة الفلسطينية. الناطقين بإسم الحركة يقولون بشكل مباشر بان حكومة التوافق الوطني هي التي سوف تعيد إعمار القطاع وليس حماس. أو بكلمات أخرى، حماس دمرت والسلطة سوف ترمم لأن الحركة مفلسة. ولكن كالعادة، الواقع مركب اكثر من هذا. بالرغم من الهدوء النسبي في الوقت الحالي, حماس لا تعطي الانطباع بانها سوف تتخلى عن سلطتها او حكمها في قطاع غزة. صحيح، المكاتب الحكومية المدنية والاقتصادية سوف يديرها توابع محمود عباس، ولكن أنظمة حماس باقية على ما هي. حتى الشرطة المدنية لن تكون تحت سلطة وزارة الداخلية في رام الله. وهكذا أيضا ناشطي الجناح العسكري. سوف يتابعون العمل في أرجاء القطاع، بدون السماح لتواجد حقيقي لأنظمة الأمن الخاصة بعباس، بإستثناء لربما في المعابر الحدودية.

بالرغم من التحديدات المالية الشديدة (التي تفوق حتى التحديدات على الجيش الإسرائيلي)، حماس تحاول في الوقت الحالي إحياء صناعتها العسكرية. منذ إنتهاء القتال في 26 أغسطس، نجحت حماس بعقد عدة تجارب لقذف صواريخ بإتجاه البحر. في معظم الأحيان، حماس تجري تجارب بالصواريخ عندما تتفحص خط إنتاج، أو عند تجريب سلسلة صواريخ التي تم إنتاجها مؤخرا. لهذا ممكن إستنتاج أن هذه التجارب تعني أن الحركة تعمل جاهدا على تجديد صناعة الصواريخ، إن كان بنجاح أم لا. حماس تواجه مشكلة جدية لأنها تستصعب إستيراد مواد متعددة الإستعمالات لصناعة الصواريخ، أو أجهزة صناعة ومواد كيماوية التي تساهم بعملية الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك، الجناح العسكري لحماس كتائب عز الدين القسام، بدأت بالأيام الأخيرة بإستقبال جنود جدد. في يوم الخميس الماضي (9 أكتوبر)، في اليوم ذاته الذي عقدت فيه أول جلسة لحكومة التوافق الوطنية في غزة، قامت في ساعات الظهر مسيرة عسكرية كبيرة لكتائب القسام في حي الشجاعية، حيث أعلنت حماس عن تجنيد الشباب لجناحها العسكري. هذا يعني أنه ذات المسؤولون الذين أستقبلوا في ساعات الصباح رئيس الوزراء رامي حمدالله، مثل إسماعيل هنية، حضروا في ساعات الظهر المسيرة العسكرية التي تهدف لتوصيل رسالة لكلا من السلطة الفلسطينية ولسكان القطاع، “المقاومة” لن تتخلى عن سلاحها. كان تقريبا مسلي رؤية النائب العام للأمم المتحدة بان كي مون، بينما كان يخطب يوم الثلاثاء في غزة ويتكلم عن أن الفلسطينيين يبنون “فلسطين واحدة”. يبدو أن بان كي مون ما زال غير مدرك للخدعة الكبيرة التي إستطاعة حماس ببيعها للمجتمع الدولي، ولدرجة أقل للجمهور الفلسطيني أيضا: بالمظهر موحدين، بالجوهر منقسمين.

إعادة بناء الجناح العسكري يتم بقيادة القواد الذين نجوا من عملية الجرف الصامد، بالأساس مروان عيسى ومحمد سنوار. يبدو ان محمد الضيف غير ناشط حاليا، إن كان حيا أم ميتا. عيسى وأصدقائه منهمكين في هذه الأيام “بحملة تعيينات”، بمحاولة للعثور على بدائل جديرين لقواد اللواء الجنوبي الذين قتلوا في نهاية العملية، رائد العطار ومحمد أبو شمالة. وعلاقات القوة بين كتائب القسام والقيادات السياسية ما زالت على ما هي، بدون تقلبات أو نزاعات شديدة. خلال الحرب كان من الظاهر ان بعض الشخصيات المتوسطة تتقدم وتشارك في قرارات حماس. بالإضافة الى خالد مشعل في قطر ونائبه هنية في غزة, جيل كامل من القواد انبثق في السجون الإسرائيلية ويسمع صوته الان: صلاح العاروري في تركيا, يحيى سنوار (اخ محمد) وروحي مشتهى من غزة الذين ما زالوا معتقلين مثل جمال أبو الهيجا، حسن يوسف، ومحمد جمال نتشة. الحرب، وبالأساس التويتر والفيسبوك أظهروا القيادة الجديدة في الخارج: محمد ناصر، عزت الرشق، أسامة حمدان وآخرون.
إذا مع أن غزة ما زالت ذات الغزة (على الأقل في الوقت الحالي)، ولكن ادخال السلطة الفلسطينية لوحده, حتى لو كان ادخال رمزي وبأهداف ترميمية اقتصادية فقط, يمكن أن يخلق شقوق في قبضة حماس على القطاع. الإستقبال الدافئ الذي فاز به رئيس الوزراء حمدالله خلال زيارته لبيت حانون وحي الشجاعية، يبدو صادق. الجمهور الغزّي يتوق للتغيير، إلى بصيص الأمل. لربما هذا التفكير متفائل زيادة عن اللازم، المبنية على أمنيات وليس على الوقائع، ولكن إن فشلت حماس بتوفير المساعدات للسكان، لا يبقى سواء الأمل بأن أعادى إعمار القطاع من قبل السلطة بالذات يؤدي الى تغيير الرأي العام هناك.