أحداثا تاريخية جرت في قطاع غزة يوم الأربعاء. لأول مرة منذ عقد من الزمن، السلطة الفلسطينية تسيطر على جميع المعابر الحدودية في القطاع.

وقد تكون لهذه الخطوة آثارا هائلة على المستقبل، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في القطاع، وأيضا بالنسبة لإسرائيل.

هذه هي الخطوة الملموسة الأولى لاتفاق المصالحة بين فتح التي تدير السلطة الفلسطينية وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. لعل الشكوك الهائلة حول فرص التقارب بين الحركتين تحتاج إلى إعادة النظر فيها.

تحسين عبور الحدود لسكان غزة

طوال عشر سنوات، كان على سكان القطاع الذين يرغبون في المغادرة عبر معبر إيريز المرور عبر حاجزين قبل أن يصلوا إلى الحاجز الإسرائيلي. تجدر الإشارة إلى أن حماس اقامت اكبر نقطة تفتيش في الجنوب تعرف بإسم “أربعة-أربعة”، بعد أن سيطرت على القطاع عام 2007. كانت نقطة التفتيش التالية “خمسة-خمسة” تديرها قوات السلطة الفلسطينية عند مدخل معبر إيريز.

نقطة تفتيش حماس كانت شديدة وصارمة. قام أفراد الأمن من حماس بالتحقق من كل شخص أثناء مرورهم، سواء كانوا يغادرون إلى إسرائيل أو يدخلون إلى غزة.

أولا، قاموا بإجراء فحص روتيني لجميع ممتلكاتهم، جزء من ذلك لمنع الكحول أو غيرها من المواد المحظورة في القطاع. ثم يوجد فحص أمني كلّي. يسألون عن الغرض من الزيارة، من أو إلى قطاع غزة. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يحملون تصاريح مختلفة يخضعون لاستجواب كامل لمعرفة ما إذا كانوا عملاء إسرائيليين أو متعاونين أم تلقوا معاملة خاصة بسبب ارتباطهم بالسلطة الفلسطينية. بعبارة أخرى، كان الناس الذين يغادرون القطاع مشبوهين بشكل مضاعف – كجواسيس لإسرائيل أو جواسيس للسلطة الفلسطينية.

كما عمل ضباط المخابرات التابعة لحماس على هذا الحاجز، حيث فرضوا ضغطا غير محدود على أولئك الذين يمرون في محاولة لإقناعهم بإعطاء معلومات عما يجري في إسرائيل، أو تحويلهم إلى جواسيس طوعيين في الأراضي الإسرائيلية.

يوم الأربعاء قامت حماس بإسقاط هذا الحاجز.

فحص هويات الفلسطينيون في محطة مراقبة الجوازات التي تحتجزها السلطة الفلسطينية عند المدخل الشمالي لقطاع غزة بعد معبر إيريز الذي تسيطر عليه إسرائيل في 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2017. (/ AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

فحص هويات الفلسطينيون في محطة مراقبة الجوازات التي تحتجزها السلطة الفلسطينية عند المدخل الشمالي لقطاع غزة بعد معبر إيريز الذي تسيطر عليه إسرائيل في 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2017. (/ AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

وقال أحد سكان غزة متحدثا مع التايمز أوف إسرائيل: “كانت هذه مفاجأة كبيرة بالنسبة لنا. لم نؤمن بأنهم سينزلون [حاجز] اربعة-اربعة”.

ولم يتمكن مواطن آخر عبر معبر ايريز امس الأربعاء من اخفاء سعادته. وقال: “ليس هناك المزيد من الخوف. ليس هناك أربعة-أربعة بعد الآن، لا يوجد مزيد من عمليات التفتيش الأمنية. لقد انتهت”.

وحدث الشيء نفسه عند معبر كيرم شالوم في الجنوب. أغلقت حماس حاجزها، الذي كان خارج المعبر مباشرة وكان لأغراض أمنية واقتصادية. اضطرت كل شاحنة تمر عبر المعبر إلى دفع الضرائب إلى خزائن حماس. وقد وفر ذلك دفعة مالية ضخمة لحركة حماس بعشرات الملايين من الشواقل سنويا، إن لم يكن أكثر من ذلك.

العمال الفلسطينيون يفتشون الشاحنات التي تحمل الإمدادات بعد وصولها إلى رفح عبر معبر كيرم شالوم بين إسرائيل وجنوب قطاع غزة في 1 نوفمبر 2017. سلمت حماس السيطرة على حدود قطاع غزة مع مصر وإسرائيل إلى السلطة الفلسطينية في أول اختبار لنجاح الاتفاقية بين حماس وفتح. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

العمال الفلسطينيون يفتشون الشاحنات التي تحمل الإمدادات بعد وصولها إلى رفح عبر معبر كيرم شالوم بين إسرائيل وجنوب قطاع غزة في 1 نوفمبر 2017. سلمت حماس السيطرة على حدود قطاع غزة مع مصر وإسرائيل إلى السلطة الفلسطينية في أول اختبار لنجاح الاتفاقية بين حماس وفتح. (AFP PHOTO / SAID KHATIB)

الآن قامت حماس بإزالة حاجزها وتوقفت عن تحصيل الضرائب.

وتم نقل السيطرة على المعابر إلى السلطة الفلسطينية (التي كانت قد نشرت في المعابر من قبل، ولكن لم تكن على اتصال مع حاجز حماس). من الآن، السلطة الفلسطينية هي السلطة الوحيدة التي ستجمع الضرائب على الواردات.

حماس تزيل موظفيها من المعابر

وثمة خطوة أخرى فاجأت الكثيرين، وهي أن حماس أزالت ضباطها من تلك المعابر تماما. طبقا للاتفاق المبدئي الموقع في القاهرة، سيبقى الضباط في مواقعهم حتى يتم التوصل إلى حل حول الموظفين العاملين في حماس (حوالي 40,000 شخص بما في ذلك قوات الأمن).

ومع ذلك، في المناقشات بين ممثلي حماس والسلطة الفلسطينية، وافقت حماس على إزالة ضباطها من الحواجز على الفور.

هؤلاء الضباط الذين تمت إزالتهم غاضبين لفقدان وظائفهم ولا يعرفون كيف سيكسبون لقمة عيشهم.

أحد رجال الأمن في حماس يسير داخل المبنى الذي احتلته حماس بعد أن تم إبطال مفعولها عند المدخل الشمالي لقطاع غزة بعد معبر إيريز الذي تسيطر عليه إسرائيل في 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

أحد رجال الأمن في حماس يسير داخل المبنى بعد أن تم إبطال مفعولها عند المدخل الشمالي لقطاع غزة بعد معبر إيريز الذي تسيطر عليه إسرائيل في 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2017. (AFP PHOTO / MAHMUD HAMS)

وجاء هذا الإمتياز من أعلى التنظيم في غزة، ولم يكن شعبيا مع الكثير من الناس، حتى داخل حماس. وانتقد موسى محمد أبو مرزوق، النائب السابق لرئيس المكتب السياسي لحماس، هذه الخطوة مباشرة ونشر على موقع فيسبوك أن الطريقة التي أزيل بها الضباط لم تكن كريمة. اشار الى ان تفاهمات ليلة الثلاثاء تتعارض مع تلك التي تم الاتفاق عليها في القاهرة، ومن ثم “من غير المرجح أن تنجح”.

صحيح، لا تزال هناك أسباب كثيرة للشك والكثير من علامات الإستفهام. ولم تقم السلطة الفلسطينية بعد بإزالة العقوبات التي فرضتها على القطاع.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد تجدد التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وعاد إلى ما كان عليه في الماضي. هذا الأمر يغضب حماس.

وكان أفضل دليل على ذلك هو اجتماع هذا الأسبوع بين قادة السلطة الفلسطينية ووزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون جنبا إلى جنب مع يواف موردخاي، رئيس منسق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، تواصل السلطة الفلسطينية إجراء عمليات اعتقال للمتطرفين.

ولكن من المرجح جدا أننا في بداية حقبة جديدة. بعبارة أخرى، التوفيق “الفلسطيني” – دون إرغام قوات حماس على نزع سلاحها، دون وقف الهجمات في الضفة الغربية، ولكن مع السلطة الفلسطينية لحكم مواطني غزة، وربما الانتخابات المستقبلية البعيدة.

صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والزعيم الفلسطيني محمود عباس يعلقان على معبر رفح الحدودي مع مصر في 1 نوفمبر 2017. (SAID KHATIB / AFP)

صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والزعيم الفلسطيني محمود عباس يعلقان على معبر رفح الحدودي مع مصر في 1 نوفمبر 2017. (SAID KHATIB / AFP)

ولا بد من الإعتراف بأن حماس قدمت تنازلات جذرية على الأرض في مجالي الأمن والتمويل. كما نجحت فى احتواء الرد على الحادث القاسى للفلسطينيين – تدمير اسرائيل لنفق الجهاد الاسلامى يوم الاثنين، والذي أسفر عن مصرع تسعة فلسطينيين لا يزال خمسة منهم مجهولين. كان من المرجح أن يؤدي هذا الحادث في الماضي إلى تصعيد هائل.

كل هذا يدل على أنه ربما، وربما فقط، هذه المرة كان هناك تغيير حقيقي في هدف حماس. إن قيادة حماس مهتمة بالمصالحة، لا شك في ذلك، والسؤال الآن هو كيف سيكون شكل هذه المصالحة.

كيف سترد إسرائيل؟

ماذا ستفعل إسرائيل إزاء الواقع الجديد الذي تواجهه؟ هل ستواصل التمييز بين قطاع غزة والضفة الغربية فيما يتعلق بالسماح للمرضى الفلسطينيين بدخول إسرائيل؟ ماذا عن السماح للعمال بالدخول إلى إسرائيل؟ هل سيزداد عدد التصاريح التي تعبر طريق إيريز إلى إسرائيل بعد أن تغيرت ترتيبات العبور الحدودية؟

يوم الأربعاء كان مردخاي قد طلب من رئيس المكتب الاسرائيلي للتنسيق والإتصال في قطاع غزة عقد اجتماع مع ممثلي السلطة الفلسطينية لمناقشة تشغيل المعابر على الحدود مع قطاع غزة.

وقد تؤدي هذه الخطوة في تحسين المعابر، والوعد بإعادة فتح معبر رفح إلى مصر في غضون أسبوعين، إلى تحسن اقتصادي حقيقي في القطاع. كان من الممكن أن تؤدي الأزمة الإنسانية إلى حرب أخرى مع إسرائيل.

ومع ذلك، وكما يذكرنا حادث النفق، من الواضح أن حماس والجهاد الإسلامي يواصلان حفر الأنفاق الهجومية وبناء الصواريخ.