حتى بالعين المجردة بالإمكان تمييز الظاهرة الجديدة نسبيا بالقرب من حدود غزة-إسرائيل: المزيد من المسلحين، نشطاء حماس، يتحركون على بعد مئات الأمتار فقط من السياج الحدودي، ربما في محاولة لتعويد العين الإسرائيلية على وجودهم هناك.

ما هو الهدف؟ من الصعب تحديد ذلك. جزء من نشطاء حماس يعملون هناك ضمن إطار مهام أمنية روتينية، البعض الآخر يتدرب في مخيمات تقع قريبا جدا من الحدود، مثل المخيم الذي أنشأ على أراضي “دوغيت”.

لا يمكن طبعا إستبعاد إمكانية أن تعويد الطرف الإسرائيلي على وجود مسلحين من مقاتلي حماس بالقرب من الحدود (300 متر فقط)، يهدف إلى التمكين من شن هجوم مفاجئ داخل إسرائيل في حالة حرب أو تصعيد. وربما قد يكون الهدف، خاصة في التدريبات التي تجرى في مخيمات حماس، هو ردع إسرائيل.

مهما كان الهدف، يبدو أن حماس تدرب قواتها في الفترة الأخيرة ليس فقط على إطلاق الصواريخ أو من خلال هجمات كوماندوز من البحر. يقوم الجناح العسكري للمنظمة بإجراء تدريب عناصره على تدريبات مشاة والقتال في مناطق سكنية، في أطر شعبة وكتيبة وحتى لواء. أي أنه ربما إلى جانب طريقة العمل في “الجرف الصامد” – عمليات كوماندوز من الأنفاق ومن البحر ومن الجو، في الحرب القادمة ستحاول حماس شن هجوم على بلدة إسرائيلية أو قاعدة عسكرية، وقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين أو الجنود.

التدريبات على القتال في مناطق سكنية التي يخضع لها عناصر كتائب عز الدين القسام شبيهة بتلك التي يخضع لها جنود المشاة في الجيش الإسرائيلي، إلقاء قنابل يدوية داخل مبان، إطلاق نار بعد ذلك. يمكن للمرء أن يتصور فقط ما هي أهداف حماس في القتال في منطقة سكنية. ومرة أخرى يجب أن نكون حذرين، قد يكون كل ذلك بهدف ردع الجانب الإسرائيلي من المواجهة مع غزة، وأيضا في حماس يدركون أن هجوم كتيبة على بلدة إسرائيلية قد ينتهي بعشرات القتلى من جانبهم.

فلسطينيون يلقون نظرة على ما كان مرة نفقا يصل بين قطاع غزة وإسرائيل، في منطقة رفح جنوبي قطاع غزة، في 5 أغسطس، 2014، بعد دخول هدنة لمدة 72 ساعة وافقت عليها إسرائيل وحركة حماس حيز التنفيذ. ( Abed Rahim Khatib/Flash90)

فلسطينيون يلقون نظرة على ما كان مرة نفقا يصل بين قطاع غزة وإسرائيل، في منطقة رفح جنوبي قطاع غزة، في 5 أغسطس، 2014، بعد دخول هدنة لمدة 72 ساعة وافقت عليها إسرائيل وحركة حماس حيز التنفيذ. ( Abed Rahim Khatib/Flash90)

هذا النموذج الجديد نسبيا ليس إبتكارا فلسطينيا. في أكثر من مناسبة في السنوات الأخيرة تحدث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على “إحتلال الجليل”، في حال إندلاع حرب جديدة. ليس القصد طبعا إحتلال أجزاء من إسرائيل بل شن هجمات على بلدة قريبة من الحدود مع أكبر عدد ممكن من الإصابات، كان ذلك مواطنا أو جنديا.

تأثير قرار كهذا على المعنويات الإسرائيلية سيكون كبيرا من دون شك. وربما لهذا السبب، قرروا في حماس محاولة تأهيل قوات لهذا النوع من العمليات، حيث تكون المحاولة نقل القتال إلى الأراضي الإسرائيلية. ليس الدفاع فقط، ولكن الهجوم أيضا. كان بالإمكان رؤية محاولات كهذه خلال عملية “الجرف الصامد”، من خلال شن هجوم من البحر وأيضا من خلال محاولة تنفيذ هجوم واسع النطاق من خلال الأنفاق في منطقة كيريم شالوم. قد تحاول حماس في الحرب القادمة الذهاب خطوة أبعد من ذلك، وكجزء من عملية فتح حرب فد تحاول مفاجأة إسرائيل من خلال قيام عشرات من عناصر الجناح العسكري بشن هجوم على السياج الحدودي ومحاولة إختطاف جندي في عملية كهذه.

هل هذا السيناريو خيالي؟ ربما. ولكن تجدر الإشارة إلى أنه في أحد التدريبات التي قام بها عناصر حماس، شوهد مئات المسلحين في نفس الوقت وهم يتدربون على شن هجوم.

في المقابل تواصل حماس العمل على الوسائل الأخرى التي ستستخدمها في الحرب القادمة: عمليات الكوماندوز، إنتاج مكثف لقذائف هاون قصيرة المدى، من ضمنها قذائف مع رؤوس حربية أكبر وطبعا مشروع الأنفاق. كل ذلك يهدف إلى ردع الطرف الإسرائيلي، ولكن قد يكون أيضا إنجازا هاما للحركة في حربها القادمة مع الجيش الإسرائيلي، بعد ما اعتُبر في غزة كهزيمة، لا أقل، في حرب الصيف الفائت.

وربما من هنا من الممكن أن نفهم لماذا وعلى الرغم من التدريبات وبناء القوى والتسلح لا ترغب قيادة حماس بالتصعيد. فالثمن واضح لهم. حتى قادة الجناح العسكري للحركة، محمد ضيف ومروان عيسى والأسم الجديد القديم، يحيى السنوار وشقيقه محمد لا يمارسون ضغوطا للقيام بخطوات في الوقت الحالي. صحيح أن الفجوات بينهم وبين القيادة السياسية، خاصة تلك التي تجلس في الخارج تحت رئاسة خالد مشعل، آخذة بالتوسع وعدم الثقة بين الطرفين واضح، ولكنهم يدركون أن جولة عنيفة جديدة مع إسرائيل في هذه المرحلة ستؤدي فقط إلى ضرر أكبر لتأييد حماس وللبنى التحتية العسكرية للحركة في القطاع.

القائد في حماس خالد مشعل قبل لقاء مع الرئيس التونسي منصف مرزوقي في القصر الرئاسي في قرطاج، 12 سبتمبر 2014 (AFP/ SALAH HABIBI)

القائد في حماس خالد مشعل قبل لقاء مع الرئيس التونسي منصف مرزوقي في القصر الرئاسي في قرطاج، 12 سبتمبر 2014 (AFP/ SALAH HABIBI)

يبدو أن يحيى السنوار وشقيقه محمد هما القوة الصاعدة وليس فقط في الذراع العسكري. يحيى، الأخ الأكبر، أُطلق سراحه في إطار صفقة شاليط عام 2011. ويُعتبر واحد من مؤسسي الجناح العسكري للحركة في القطاع وكان هناك في بداية الطريق للحركة مع أشخاص مثل الشيخ أحمد ياسين وغيره. سجنه الطويل أبعده عن مواقع قوة كبيرة ولذلك وفورا بعد عودته اندمج في قيادة الجناح السياسي والعسكري. علاقته مع شقيقه الذي يُعتير واحدا من أبرز القادة في الذراع العسكري تشكل محورا هاما يصل بين الجناحين ويعزز من مكانة يحيى سنوار.

هو أيضا لا يُعتبر من المعجبين برئيس المكتب السياسي خالد مشعل الذي وُجهت إليه انتقادات كثيرة خاصة في القطاع، على طريقة إدارته للحرب الأخيرة (حيث مكث في فنادق خمسة نجوم في قطر) وفي الوقت الحالي على علاقته الإشكالية مع طهران. وبكل تأكيد هناك إمكانية أن ينجح السنوار في الإنتخابات القادمة على رئاسة المكتب السياسي للحركة (في الإنتخابات الأخيرة كاد مشعل أن يتنازل عن ترشحه)، في أن يرث مشعل في المنصب وأن يصبح القائد القادم للحركة.

بكل تأكيد أن هذه الفترة ليست فترة سهلة لحماس. الوضع الإقتصادي الصعب في القطاع، الهبوط في شعبية الحركة، الأضرار الكبيرة التي لحقت بحماس في الحرب الأخيرة وبالأخص العزلة على الصعيد العربي، يزيدون من صعوبة العمل في غزة. قيادة الحركة لا ترغب في التصعيد. ولكن بالذات هنا تجدر الإشارة إلى أن الحركة يهمها على أن لا تظهر بصورة من استسلم “لليهود”. بعد أن هاجمت إسرائيل مواقع لحماس قبل أسبوعين، في أعقاب إطلاق صواريخ، أصدرت حماس بيانا حذرت فيه من أنه إذا قامت إسرائيل بقصف أحد مواقعها مرة أخرى، سيتم الرد على ذلك بإطلاق صواريخ بإتجاه إسرائيل. وقبل أيام قليلة فقط، كنا شاهدين على قيام الجيش الإسرائيلي بقصف منطقة مفتوحة في أعقاب إطلاق صواريخ بإتجاه إسرائيل. لم تكن هناك إصابات بالطبع.

مصر

في هذه الأثناء قررت القاهرة أخيرا تعيين سفير لها في إسرائيل. في المقابل تم أيضا فتح معبر رفح لمدة أكثر من أسبوع في الإتجاهين، وهو حدث يصعب تذكر مثيل له منذ إنقلاب 2011. كُتبت وقيلت الكثير من التحليلات في الإعلام الإسرائيلي في محاولة لتفسير هذه الخطوات. يبدو أن مصر عبد الفتاح السيسي حاولت القيام بعدة خطوات بالتزامن.

أولا، المحافظة على الهدوء. في ظل الأوضاع الإقتصادية السيئة في القطاع، حاولت القاهرة ضمان الحفاظ على الهدوء وفتح معبر رفح هو أحد الوسائل للقيام بذلك. كانت هذه أيضا بادرة حسن نية باتجاه حماس. أدركوا في مصر أن المنظمة بدأت بالعمل أخيرا (هذه البداية فقط) ضد تهريب معدات القتال والمسلحين إلى سيناء ولذلك قررت “ترك الباب مفتوحا” أمام حماس.

في سيناء أيضا سُجل هدوء نسبي في القتال ضد الإرهابيين. نجح الجيش المصري في تحقيق أنجازات لا بأس بها ومؤخرا فقط نجح في تطهير الطريق بين شيخ زويد والعريش من دون أي تواجد للجهاديين، وبالإضافة إلى ذلك، أنشأ على هذه الطريق 5 نقاط عسكرية جديدة. مع ذلك لا يوجد حتى الآن قرار لتغيير السياسية تجاه حماس. ما زالت القاهرة تطالب بتواجد عناصر من السلطة الفلسطينية فقط في معبر رفح لتمكين فتحه بشكل منتظم (إحدى الأفكار التي طرحها ممثلو الأمم المتحدة واللجنة الرباعية مؤخرا فيما يتعلق بفتح المعابر من وإلى غزة كانت تواجد قوات الأمن التابعة للسلطة على المعبر الحدودي من الجانب المصري، ولكن هذه الفكرة لاقت إستهزاء من الجانب المصري).

ثانيا، في القاهرة هناك شعور بأننا نقترب من أسابيع حاسمة على المستوى السياسي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. على ضوء الخطوات التي يخطط لها الفلسطينيون في المحكمة الجنائية الدولية وهيئات دولية أخرى، طلب المصريون تعيين سفير صاحب خبرة هنا يكون قادرا ربما على التوسط بين الطرفين ومرة أخرى – لتهدئة التوتر. في نواح كثيرة ترغب القاهرة بإستعادة مكانة الوسيط التي كانت تتمتع به في الماضي، وعلى الأخص في إطار محادثات سياسية.