بعد عدة أسابيع من تصاعد التوترات بين غزة واسرائيل، بما في ذلك اطلاق عشرات الصواريخ من القطاع، ساد الحدود الجنوبية الإسرائيلية الهدوء النسبي الأسبوع الماضي.

على الرغم من أن حماس أطلقت صاروخا يوم الإثنين، إلا أنه لم يصل إلى إسرائيل وسقط داخل القطاع. وكان اليوم السابق قد شهد صاروخين، وكان هناك آخرا يوم الجمعة الماضي الذي لم يصل إلى الحدود. كان ذلك بعيدا كل البعد عن الأسبوع السابق، الذي شهد هجمات متعددة، بما في ذلك القذائف التي سقطت داخل المدن الإسرائيلية.

يبدو أن الانخفاض في عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل ليس من قبيل الصدفة. وفقا للتقارير الواردة من غزة، فإن الهدوء النسبي (حتى لو مؤقتا) يجب أن يرقى إلى العمل المكثف الذي تقوم به حركة حماس، التي تتخذ سلسلة من الخطوات لمنع التصعيد العسكري. كما قال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، فإن هذه الخطوات تشمل اعتقال المهاجمين المشتبه بتورطهم في إطلاق الصواريخ.

وبالاضافة الى الاعتقالات، قالت مصادر في غزة للتايمز أوف إسرائيل، إن عناصر حماس يعملون بشكل أكثر قوة من أي وقت مضى في المناطق التي يشيع فيها إطلاق الصواريخ. تقوم قواتها بإقامة حواجز على الطرق والقيام بعمليات تفتيش ودوريات لمنع اطلاق الصواريخ.

وجاءت هذه السياسة من القمة، من يحيى السنوار، رئيس حماس في قطاع غزة، ومن إسماعيل هنية، رئيس الجناح السياسي لحماس.

رئيس حركة حماس إسماعيل هنية وقائدها في قطاع غزة يحيى السنوار يحضران مسيرة بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس حماس في مدينة غزة في 14 ديسمبر / كانون الأول 2017. (AFP Photo/Mohammed Abed)

لكن السنوار لا يتصرف من دافع حب كبير للإسرائيليين. اهتمامه هو الحفاظ على السلام، لأنه يريد من حماس أن تذهب إلى الحرب فقط عندما تكون مستعدة عسكريا، بدلا من أن يتم جرّها الى المعركة من قبل الجماعات الأصغر في غزة.

بالإضافة إلى السنوار، فإن أحد أبرز مؤيدي هذه الإستراتيجية هو محمد الضيف، الذي نجا من عدة محاولات اغتيال إسرائيلية على مر السنين، ويعتبر رئيس أركان المنظمة.

الضيف منهمك في بناء قوة حماس القتالية والإستعداد العسكري، وهو يوافق السنوار عندما يتعلق الأمر بالحاجة إلى منع التصعيد، التي أظهرت مفاجأة مدهشة في خنق أعمال الفصائل الأخرى.

على أية حال، فإن توازن القوى الجديد بين الضيف والقيادة السياسية لحماس الحالية هو أمر مذهل. على الرغم من انه اشتبك مع الجناح السياسي لحماس في الماضي. اليوم، في عصر السنوار، هو جندي مخلص ومنضبط. يبدو أن الضيف مليء بالإعجاب والاحترام للسنوار، وقد أزال أي توترات مستمرة بين الأجنحة السياسية والعسكرية لحماس.

المصالحة تعرج

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها حماس لعدم التصعيد، دعت الحركة يوم الخميس الماضي الى “يوم غضب” بعد اعتراف الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحثت الفلسطينيين على الإشتباك مع القوات الاسرائيلية على طول الحدود.

يبدو أن الصراع بين حماس وفتح، يأخذ خصائص الإنتفاضة الأولى، وإن لم يكن بشكل إيجابي بالنسبة للفلسطينيين. أدى الصراع الدائر بين القوميين العلمانيين في فتح والإسلاميين في حماس إلى أن تحاول المجموعتان التفوّق إحداهما على الأخرى، والشروع في إضرابات متعددة وأيام غضب والتسبب في إرهاق متزايد في صفوف الجمهور الفلسطيني، مما أدى إلى رفضه للمظاهرات .

فلسطينيين في اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية بالقرب من حاجز حوارة، جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية، في 22 ديسمبر / كانون الأول 2017. (AFP Photo/Jaafar Ashtiyeh)

ومما يضاعف من هذه الديناميكية هو التشاؤم المتزايد في الأسابيع الأخيرة فيما يتعلق بإمكانية المصالحة الحقيقية بين المجموعتين، حيث تتحوّل محادثات الوحدة الوطنية بشكل مطرد إلى عمليات اتهام.

يوم الخميس، على سبيل المثال، التقى السنوار مع مجموعة من الشباب في قطاع غزة، قال لهم إن اتفاق المصالحة كان من المقرر أن ينهار بسبب مطالب “بعض الناس” الذين يرغبون في رؤية حماس تتنازل عن أسلحتها وتغلق انفاق الهجوم عبر الحدود. كان السنوار أخشن من أي وقت مضى، وربما يدرك أنه بعد أن استثمر الكثير من مخابئه في المصالحة، فإن سمعته يمكن أن تتضرر بشدة إذا فشلت. فيما يتعلق بحركة حماس، قدم تنازلات بعيدة المدى في الصفقة مع حركة فتح وبالتالي له صلة بهذه المصالحة. إنه لا يريد ان يلقى باللوم عند زوال الاتفاق.

وقد أدى التأخير الذي استمر أسابيع في تنفيذ اتفاق المصالحة، بسبب الخلافات مستعصية على ما يبدو بين الجانبين، إلى انتقاد داخل حماس بشأن التنازلات التي قدمتها الجماعة إلى حركة فتح. تضمن هذا التنازلات التخلي عن وجودها على المعابر الحدودية مع إسرائيل دون حل مسألة رواتب المسؤولين في حماس، والتي طالما حجبتها السلطة الفلسطينية.

كما ترى حماس، ينص اتفاق المصالحة على أن السلطة الفلسطينية يجب أن تدفع رواتب حوالي 45,000 موظف من حماس، ولكن حتى أواخر ديسمبر فإنهم لم يتلقوا بعد رواتب شهر نوفمبر. بعد أخذ عائلات الموظفين بالحسبان، لا يزال مئات الآلاف من سكان غزة يطالبون بالأجور التي يحتاجون إليها.

نظرة على معبر رفح الحدودي مع مصر، تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، في جنوب قطاع غزة في 18 نوفمبر 2017، حيث يصل المسافرون للعبور. (AFP/Said Khatib)

وأعلن السنوار الأسبوع الماضي أن وثيقة صادرة عن حركتي فتح وحماس خلال الجولة الأخيرة من محادثات المصالحة في القاهرة كانت تهدف فقط الى تأجيل قبول الفشل. لكنه أضاف أنه بعد تسليمه للسلطة الفلسطينية، لن تستعيد حماس السيطرة المدنية على غزة.

وقال: “إن هذا قرار استراتيجي وليس هناك عوده منه. حماس خارج الصورة بشكل ثابت”.

وأضاف السنوار أن الإنقسام الفلسطيني مع حركة فتح تنازل عن حماس كمجموعة “مقاومة”. ان الصراع المستمر “يضر بنا جميعا كشعب وكحركة تحرر. لذلك يجب أن ننهي الإنقسام مهما كان وبأي ثمن”.

بدا الأمر وكأنه بيان كتابي لصالح الوحدة الفلسطينية، ولكن بين السطور، كانت رسالة السنوار إلى السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني واضحة: حماس ليس لديها نية لدفع فواتير غزة مرة أخرى – ولا رواتب المسؤولين ولا الاحتياجات الإنسانية للمواطنين.

كما كان حريصا على التهديد لما يمكن أن يحدث على الأرض في حالة فشل المصالحة. حذر في حديثه مع مجموعة الشباب من أن حماس يمكن أن تتراجع دائما عن الخيار العسكري إذا فشلت الجهود السياسية والانتفاضة الشعبية في الدفاع عن القدس.

عزام الأحمد من حزب فتح وصالح العاروري من حركة حماس يتصافحان بعد توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة في 12 أكتوبر 2017، حيث أنهت الحركتان الفلسطينيتان المنافستان انقسامهما الذي استمر عشر سنوات بعد مفاوضات تشرف عليها مصر. (AFP/Khaled Desouki)

وقد سارع عزام الأحمد، ممثل فتح في محادثات المصالحة، إلى الرد. في تكرار لتصريحات مسؤولي فتح في الأسابيع الأخيرة، أكد مجددا أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق على وحدة وطنية كاملة تمنع السلطة الفلسطينية من استعادة السيطرة الكاملة على قطاع غزة.

قال الأحمد: “إن مدى سيطرة حكومة السلطة الفلسطينية على غزة هو صفر. حماس لم تلتزم بأي شيء، ولا يزال رجالها المسلحون يتجولون في الشوارع ويفرضون الضرائب على الناس”.

وأشار الأحمد إلى أنه على الرغم من التخلي رسميا عن تحصيل ضرائب الإستيراد والتعريفات الجمركية عند المعابر الحدودية، إلا أنها تلعب مؤخرا خدعة بسيطة قذرة: فهي تجمع الضرائب والرسوم الجمركية من التجار، بعيدا عن المعابر الحدودية، في مختلف مدن قطاع غزة.

بناءا على هذه الخدع المختلفة، يبدو أنها مسألة وقت فقط قبل أن يدخل اتفاق المصالحة الأخير هذا رسميا إلى مزبلة التاريخ.